الفصل الأول
مفهوم اللغة ووظائفها
مفهوم اللغة

يختلف تأليف كتب تعليم اللغات باختلاف نظرة مؤلفيها للغة* وتصورهم لوظائفها وعند الحديث عن الأسس اللغوية في تصميم المناهج* أو إعداد المواد التعليمية* أو تأليف الكتب يقف تعريف اللغة في مكانة خاصة. إذ إن هذا التعريف موجه للمشتغلين بالمناهج* والمواد التعليمية* سواء في اختيار المادة المرغوب في تدريسها* أو المهارات المطلوب تنميتها* أو الطريقة التي يقدم بها هذا كله.
وإذا كان هذا يصدق على مداخل تعليم اللغات بشكل عام* فهو أصدق عند الحديث عن تعليم اللغة اتصالياً* ولعل السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو : ما موقع عملية الاتصال من المفاهيم والتعريفات الخاصة باللغة ؟ إلى أي مدى يدرك أصحاب هذه التعريفات الجانب الاتصالي ؟ ثم ما موقع الوظيفة الاتصالية من الوظائف المختلفة للغة ؟
نستعرض أولاً بعض التعريفات الشائعة للغة سواء في الثقافة العربية أو الغربية موضحين موقع عملية الاتصال منها.
1. تعريف ابن جني: >باب القول على اللغة وما هي : أما حدها فإنها أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم<. ويعلق الدكتور محمود فهمي حجازي على هذا قائلاً : >هذا تعريف دقيق* يذكر كثيراً من الجوانب المميزة للغة. أكد ابن جني أولاً الطبيعة الصوتية للغة* كما ذكر وظيفتها الاجتماعية في التعبير ونقل الفكر* وذكر أيضاً أنها تستخدم في مجتمع فلكل قوم لغتهم. ويقول الباحثون المحدثون بتعريفات مختلفة للغة* وتؤكد كل هذه التعريفات الحديثة الطبيعة الصوتية للغة* والوظيفة الاجتماعية للغة* وتنوع البيئة اللغوية من مجتمع إنساني لآخر<(1).

2. تعريف سابير : يقول إدوارد سابير : 1921 E. Sapir

Language is purely human and non-instinctive method of communicating ideas, emotions and desires by means of voluntarily produced symbols(2).

وفي هذا التعريف نص صريح على الاتصال بوصفه الهدف الذي يتوخاه المرء من استخدام اللغة* فاللغة عند سابير إنسانية خالصة* وليست غريزية* تستهدف توصيل الأفكار والمشاعر والرغبات من خلال نظام من الرموز يختاره المجتمع.

3. تعريف تراجر : يقول تراجر : G. Trager 1949.

Language is a system of arbitrary vocal symbols by means of which the members of a society interact in terms of their culture(3).

اللغة هنا نظام من الرموز المتعارف عليها* وهي رموز صوتية* يتفاعل بواسطتها أفراد مجتمع ما في ضوء الأشكال الثقافية الكلية عندهم.
التفاعل هنا هو الهدف* والتفاعل كما نعلم درجة أعلى من الاتصال. فإذا كان الاتصال مجرد نقل فكرة من طرف إلى آخر* فإن التفاعل يعني المشاركة الوجدانية* يعني درجة أكبر من الاتصال ويتعدى حدوده.

4. تعريف تشومسكي : يقول تشومسكي N. Chomsky 1957م.

Language is a set (finite or infinite) of sentences, each finite in length and constructed out of a finite set of elements(4).

وتشومسكي كما هو معروف صاحب النظرية التوليدية التحويلية في النحو* واللغة في رأيه هنا فئة* أو مجموعة من الجمل المحدودة* أو غير المحدودة* ويمكن بناؤها من مجموعة محددة من العناصر.
هذه العناصر المحدودة* يذكر تشومسكي أنها تساعد على الإبداع غير المحدود بواسطتها* فإذا كانت الأنماط اللغوية يمكن حصرها مثل : (فعل + فاعل + مفعول به) فالجمل التي يمكن أن توضع في هذه الأنماط لا يمكن حصرها* إنها لا محدودة.
ولئن كان مصطلح الاتصال قد غاب عن هذا التعريف* إلا أن نظرية تشومسكي الكاملة كانت الأساس الكبير للمدخل الاتصالي. وكما تذكر الأدبيات فإن مصطلح الكفاية الاتصالية صاغه هيمز Hymes ليقابل به مفهوم الكفاية عند تشومسكي.

5. تعريف هول : R. A. Hall 1964.

Language is the institution where by humans communicate and interact with each other by means of habitually used oral-arbitrary symbols(5).

وفي هذا التعريف تأكيد ليس فقط لمفهوم الاتصال* بل للتفاعل أيضاً بين الأفراد. اللغة هنا مؤسسة يقوم الأفراد من خلالها بتحقيق الاتصال* والتفاعل بينهم* ولها مع ذلك طبيعة صوتية* كما أنها نظام متفق عليه.

6. تعريف وبستر : يعرف قاموس وبستر Webster اللغة بأنها :

Language is a systematic means of communicating ideas, or feelings by the use of conventionalized signs, sounds, gestures, or marks having understood meanings.
وفي هذا التعريف نص على عملية الاتصال* ونقل الأفكار والمشاعر عن طريق إشارات وأصوات وملامح وعلامات يفهم معناها.

7. تعريف فينوكيرو : تقول ماري فينوكيرو Finocchiaro 1974.

Language is a system of arbitrary vocal symbols which permits all people in a given culture, or other people who have learned the system of that culture, to communicate or to interact(6).
وفي هذا التعريف تتضح أيضاً للغة وظيفتان هما الاتصال والتفاعل ليس فقط بين متحدثي هذه اللغة فـي إطار ثقافتهم* بل أيضاً بين هؤلاء المتحدثين باللغة* وبين الآخرين ممن يتعلمون هذه اللغة.
الإجماع إذن يكاد يتفق على أن الاتصال* إن لم يكن الاتصال والتفاعل* هو الهدف الرئيسي من استخدام اللغة.

وظائف اللغة

والحديث عن موقع الاتصال في تعريف اللغة يدفعنا إلى الحديث عن وظائف اللغة* وبيان موقع الاتصال أيضاً منها.
اللغة وسيلة الفرد لقضاء حاجاته* وتنفيذ مطالبه في المجتمع* وبها أيضاً يناقش شئونه ويستفسر* ويستوضح* وتنمو ثقافته* وتزداد خبراته نتيجة لتفاعله مع البيئة التي ينضوي تحتها. بواسطة اللغة يؤثر الفرد في الآخرين* ويستثير عواطفهم* كما يؤثر في عقولهم. أما فيما يتعلق بالمجتمع* فاللغة هي المستودع لتراثه* والرباط الذي يربط به أبناءه فيوحد كلمتهم* ويجمع بينهم فكرياً* وهي الجسر الذي تعبر عليه الأجيال من الماضي إلى الحاضر والمستقبل. وأيا ما كانت تعريفات اللغة* فإن الوظيفة الاتصالية تقف في مقدمة الوظائف للغة. فعند فيجوتسكي أن ثمة وظيفة اتصالية اجتماعية للغة حتى في الكلام المتمركز حول الذات* وأن الراشد يفكر في المجتمع والآخرين حتى ولو كان وحيداً. وعند جون ديوي أن اللغة ليست تعبيراً عن المشاعر والأفكار* وإنما هي بالدرجة الأولى وسيلة اتصال بين أفراد جماعة تؤلف بينهم على صعيد واحد(7).
والمواقف التي يحتاج الفرد إلى استعمال اللغة للاتصال فيها مواقف كثيرة* يجعلها هاليداي Halliday في سبع وظائف أساسية هي :

1. الوظيفة النفعية : Instrumental function
ويقصد بها استخدام اللغة للحصول على الأشياء المادية مثل : الطعام* والشراب. ويلخصها هاليداي في عبارة "أنا أريد" I want.

2. الوظيفة التنظيمية : Regulatory function
ويقصد بها استخدام اللغة من أجل إصدار أوامر للآخرين* وتوجيه سلوكهم. ويلخصها هاليداي في عبارة "افعل كما أطلب منك" Do as I tell you.

3. الوظيفة التفاعلية : Interactional function
ويقصد بها استخدام اللغة من أجل تبادل المشاعر* والأفكار بين الفرد والآخرين. ويلخصها هاليداي في عبارة "أنا وأنت" Me and you.

4. الوظيفة الشخصية : Personal function
ويقصد بها استخدام اللغة من أجل أن يعبر الفرد عن مشاعره* وأفكاره. ويلخصها هاليداي في عبارة "إنني قادم" Here I come.

5. الوظيفة الاستكشافية : Heuristic function
ويقصد بها استخدام اللغة من أجل الاستفسار عن أسباب الظواهر* والرغبة في التعلم منها. ويلخصها هاليداي في عبارة "أخبرني عن السبب" Tell me why.

6. الوظيفة التخيلية : Imaginative function
ويقصد بها استخدام اللغة من أجل التعبير عن تخيلات* وتصورات من إبداع الفرد* وإن لم تتطابق مع الواقع. ويلخصها هاليداي في عبارة "دعنا نتظاهر أو ندعي" Let us Pretend.

7. الوظيفة البيانية : Representational function
ويقصد بها استخدام اللغة من أجل تمثل الأفكار والمعلومات* وتوصيلها للآخرين. ويلخصها هاليداي في عبارة "لدي شيء أريد إبلاغك به" I have got something to tell you(8).

8. وظيفة التلاعب باللغة : Play function
ويقصد بها اللعب باللغة* وبناء كلمات منها حتى ولو كانت بلا معنى* ومحاولة استغلال كل إمكانات النظام اللغوي. وتلخصها وليجا ريفرز في عبارة "Billy Pilly".

9. الوظيفة الشعائرية : Ritual function
ويقصد بها استخدام اللغة لتحديد شخصية الجماعة* والتعبير عن السلوكيات فيها. ويلخصها هاليداي في عبارة "كيف حالك" How do you do ?(9).


الفصل الثاني
المدخل الاتصالي


نموذج الاتصال

من المفاهيم التي تمثل محور المدخل الاتصالي* مفهوم الاتصال ذاته* ويتوقف الفهم الدقيق للمدخل الاتصالي على تحديد مفهوم الاتصال* وتوضيح المقومات التي يستند إليها* بل ومناقشة عملية الاتصال نفسها. ذلك أن مفهوم الاتصال قدمت له تعريفات كثيرة* تكاد تتباعد في أشياء* إلا أنها تدور في فلك واحد هو تفسير عملية الاتصال. كيف تتم عملية الاتصال ؟
لننظر في نموذج الاتصال التالي الذي وضعه الدكتور حسين الطوبجي* 4 :


ماذا نفهم من هذا النموذج ؟ نفهم أن الاتصال بين البشر يتكون من عدة عمليات منها ما هو ذهني ومنها ما هو عضلي. يبدأ الأمر بمجموعة من الأفكار التي يريد فرد أن ينقلها إلى غيره* تتكون الفكرة في ذهنه ويضمها إلى غيرها ليؤلف منها محتوى يريد التعبير عنه إما لإعلام الآخرين به أو تغيير اتجاهاتهـم أو تنمية قيمهم* أو غير ذلك من أهداف يقصد المرء من خلالها الاتصال بغيره. ضم الأفكار إلى بعضها يستتبعه البحث عن الجمل والتراكيب التي يراد صب المحتوى فيها. ينتقي الفرد بعد ذلك من رصيده اللغوي مجموعة من المفردات التي تناسب المحتوى ثم يبحث في النظام الصوتي للغته عما يلزم هذه المفردات من أصوات أو من أشكال الأداء الصوتي مثل النبر والتنغيم ما يعبر عما يقصده.. كل هذا يدخل في نطاق بناء الرموز سواء من حيث مضمونها (الأفكار) أو من حيث شكلها (طريقة الأداء اللغوي) وهي المرحلة التي تسمى بتركيب الرموز encoding.
بعد هذا تأخذ عملية الاتصال أحد طريقين : إما أن تنتقل الرسالة شفاهة أي من خلال الاتصال المباشر بين فرد وآخر* وهنا يكون المرسل متكلماً. وإما أن تنتقل كتابة أي من خلال الصفحة المطبوعة* وهنا يكون المرسل كاتباً. ما زلنا في نطاق الطرف الأول من أطراف عملية الاتصال وهو الإرسال. فإذا انتقلنا إلى الطرف الآخر وهو الاستقبال وجدنا الاتصال يمر بعمليات أخرى تبدأ برموز تنتقل من مرسل (منطوقة أو مكتوبة) عبر أداة من أدوات الاتصال أو قناة من قنواتها channel وهي في انتقالها يلحق بها ما يلحق من تشويه أو تحريف يجعل كمال عملية الاتصال أمراً متعذراً. والأسهم الصغيرة الموجهة للأداة تشير إلى صور التشويه التي يمكن أن تلحق بالرسالة بسبب وسيلة الاتصال عمليات التشويه هذه هي ما تسمى بالضوضاء noise أي كل أشكال التحريف التي تلحق بالرسالة حتى تصل إلى المستقبل والاتصال كما نرى عملية ثنائية يتبادل فيها المرسل والمستقبل الأدوار. فالمرسل قد يكون في أثناء الحديث مستقبلاً* والمستقبل قد يكون مرسلاً* وهذا بالطبع في مواقف الاتصال الشفهي المتبادل فقط. فقد يكون الاتصال كتابة فلا يتبادل الفردان في لحظة الاتصال أدوارهما وقد يكون الاتصال شفهياً غير متبادل أي أحادي الاتجاه كأن يستمع المرء إلى المذياع أو يشاهد التلفاز.
يتلقى المستقبل الرسالة في صورة تيار من الأصوات التي يرتبها في وحدات يعطيها معنى محدداً وظيفة كل منها بالنسبة لغيرها في ضوء ألفته بنظام اللغة ومعرفته بسياق الكلام ثم يربط هذا كله بما لديه من خبرة سابقة بالمجال.. هذه العملية هي ما تسمى بفك الرموز decoding والمستقبل هنا ليس فرداً سلبياً كما يتوهم الكثيرون* وإنما هو إيجابي بكل ما تحمله الكلمة من معنى.. إن المستقبل يصنع المعنى ولا ينتقل إليه.. إنه يحدد دلالات الكلمات في ضوء الموقف العام الذي تحدث فيه عملية الاتصال. في ضوء مستواه اللغوي.. في ضوء قدرته على فهم الآخرين.

والمستقبل قد يتلقى الرسالة فيكون مستمعاً* وقد يتلقاها مطبوعة فيكون قارئاً.
هذه العملية هي ما يعرضها كارول في نموذجه الآتي(10) :

interpretation decoding message encoding intention

ما يقصده المتحدث ــــ ترجمة ما يقصده لرموز ــــ الرسالة ـــــ فك الرموز ـــــ تفسيرها من المستمع.
وفي ضوء هذه العملية نستطيع أن نقف على مكونات عملية الاتصال ومقوماتها ومعوقاتها* إلا أننا يجب أن نقف أولاً على مفهوم الاتصال.

مفهوم الاتصال

يلخص ويدوسون Widdowson نقلاً عن ريلي* عملية الاتصال في قوله : يطلق مصطلح الاتصال حين يحدد مستعمل اللغة موقفاً يتطلب منه نقل معلومات معينة لتحقيق التقارب المعرفي Convergence of Knowledge بين الأفراد* ومن ثم يمكن أن يتغير هذا الموقف بشكل أو بآخر. وهذا الإجراء أو هذه العملية تتطلب التفاوض أو تبادل وجهات النظر حول المعاني خلال التفاعل بين الأفراد. وأطلق على هذا الشكل من التفاوض لفظ الخطاب Discourse هذا المصطلح يشير إلى التفاعل الذي يجب أن يأخذ مكانه لتأكيد قيمة المعنى لما ينطق به المتحدث* وللتحقق من فعاليته كمؤشر لنية المتحدث أو قصده(11).
ويتفق الدكتور حسين حمدي الطوبجي مع هذا التعريف إذ يقول : إن الاتصال هو العملية التي يتم عن طريقها انتقال المعرفة من شخص لآخر حتى تصبح مشاعاً بينهما* وتؤدي إلى التفاهم بين هذين الشخصين أو أكثر* وبذلك يصبح لهذه العملية عناصر ومكونات ولها اتجاه تسير فيه* وهدف تسعى إلى تحقيقه* ومجال تعمل فيه* ويؤثر فيها مما يخضعها للملاحظة* والبحث* والتجريب والدراسة العملية بوجه عام(12).
وتعتبر دائرة المعارف البريطانية أن الاتصال يعني تبادل المعاني بين الأفراد من خلال نظام عام للرموز(13).
ويستمر التعريف لمصطلح الاتصال Communication في المجلد الثالث من دائرة المعارف البريطانية المصغرة Micropedia* وكذلك في المجلد 16 من دائرة المعارف الموسعة Macropeadia. فيستعرض تعريف ريتشاردز الناقد البريطاني المشهور* ووجهة نظره لمفهوم الاتصال* وتعتبر دائرة المعارف أن تعريف ريتشاردز للاتصال* والذي قدمه 1928 من أوائل التعريفات للاتصال* ومن أفضلها في بعض الوجوه.
يقول ريتشاردز J. A.Richards : >إن الاتصال يتم عندما يؤثر عقل ما (مرسل) من خلال بيئة معينة على عقل آخر (مستقبل)* وفي هذا العقل الآخر تحدث خبرة معينة تشبه الخبرة التي كانت في العقل الأول<.
وتتساءل دائرة المعارف حول مدى كفاية تعريف واحد للاتصال* وإمكانية الاستغناء به عن غيـره* وتورد تقريراً عن جورجين ريوتش Jurgen Ruesh يذكر فيه أربعين تعريفاً لمفهوم الاتصال. ومداخل كثيرة لتناوله منها ما هو معماري Architectural* ومنها ما هو نفسي Psychological* ومنها ما هو أنثروبولوجي Anthropological* وأخيراً منها ما هو سياسي Political(14).
ويتسع هذا التعريف في دائرة معارف كولير الأمريكية* إذ تعتبر الاتصال هو نقل المعارف من شخص لشخص* أو مخلوق لمخلوق* أو وجهة نظر لأخرى. وقد يكون الاتصال في شكل نقل أصوات* مثل التحدث بين الناس* وقد يكون الاتصال في شكل ضربات إيقاعية للطبول* وقد يكون أصواتاً من طيور* بل قد تكون في شكل ضربات يقوم بها حيوان السمور في الماء بذيله حين يحس بخطر قادم* أما من حيث صورة الاتصال فقد تكون مرئية مشاهدة مثل الكتابة* والصور* والإشارات والأعلام* والملصقات. بل قد تكون في رقصة نحل العسل* يشير بها للنحل الآخر أن هناك مصدراً للغذاء* وقد يكون الاتصال* أخيراً يتطلب لإتمامه* استخدام حواس أخرى.
ينقلنا هذا من الحديث عن الاتصال من وجهة نظر الإعلاميين* إلى الحديث عن الاتصال من وجهة نظر التربويين خاصة المشتغلين بتعليم اللغات.
ونقتصر هنا على مناقشة تعريفين لاثنين من كبار خبراء تعليم اللغات الأجنبية* ومن رواد المدخل الاتصالي* هما سافجنون وولكنز. ترى ساندرا سافجنون أن الاتصال >عملية مستمرة للتعبير والتفسير وتبادل وجهات النظر (التفاوض)* وأن فرص الاتصال غير محدودة Infinite. وتشتمل على نظم مختلفة للإشارات* والعلامات* والرموز التي لا نستطيع الآن البدء في تصنيفها* أو حتى تعريفها بدقة* والتي تتكون منها أي لغة<(15).
وهي هنا تتفق مع التعريفين اللذين وردا في دائرتي المعارف* خاصة ما ورد في دائرة معارف كولير* إذ تفصل القول في أنظمة العلامات في عملية الاتصـال. أما ولكـنز فيرى >أن ما يتم نقله في أي عملية اتصال إنما هو نتاج Product للعلاقة بين المعنى كما ينتقل عبر الأشكال اللغوية للتعبير (نطقاً أو كتابة)* وبين الملامح العملية Pragmatic Features التي يمكن قبولها من كافة المشتركين في عملية الاتصال<(16).
وفي ضوء هذا التعريف لعملية الاتصال* يحدد ولكنز هدف تعليم اللغة اتصالياً في أنه >تنمية القدرة عند الفرد لأن يبدع Create* ويكوّن Construct أشكال التعبير Utterances (كلاماً أم كتابة) التي لها القبول الاجتماعي* أو تحقق الهدف المطلوب<(17).

مكونات الاتصال

الاتصال كما سبق القول عملية مركبة تشتمل على مجموعة عمليات متداخلة تدور بين مكونات أربعة هي : رسالة ومرسل ووسيلة ومستقبل.
الرسالة : ويقصد بها المحتوى الذي يود المرسل نقله إلى الآخرين مستهدفاً من ورائه التأثير عليهم* ولكل رسالة مضمون* هو عبارة عن الأفكار التي يراد التعبير عنها وشكل وهو عبارة عن الرموز اللغوية التي يتم التعبير بها.
المرسل : وهو مصدر الرسالة. إنه الطرف الأول في عملية الاتصال والذي يريد التأثير في الآخرين من خلال أفكار لديه. والمرسل هنا قد يكون فرداً أو مجموعة أفراد* بل قد يكون إنساناً وقد يكون آلة مع اختلاف بينهما.
الوسيلة : ويقصد بها الأداة التي تنتقل من خلالها الرسالة. وتتنوع الوسائل ما بين الصوت العادي عند الاتصال المباشر إلى الكتاب إلى الخرائط والرسوم والسجلات وأجهزة الإعلام* من مذياع إلى تلفاز إلى حاسب آلي (كومبيوتر) إلى غير ذلك من أدوات. والوسيلة ليست ذات شأن بسيط في إتمام عملية الاتصال* إنها قد تساعد عليها وقد تعوقها. بل بعض الخبراء وصل إلى درجة المزج بين الرسالة والوسيلة فيقولون إن أداة الاتصال هي الرسالة the medium is the message(18).
المستقبل : ويقصد به الجهة التي تنتهي إليها الرسالة وقد تكون فرداً أو مجموعة أفراد وهي التي تتولى فك رموز الرسالة وتفسيرها متخذة بعد ذلك الموقف المناسب إزاءها* ويتوقف تفسير هذه الرموز على عدة رموز نعرضها بعد ذلك.

مقومات عملية الاتصال

في ضوء العرض السابق لمكونات عملية الاتصال نستطيع أن نقف على المقومات التي تساعد على إكمال هذه العملية. والمقصود بالمقومات هنا مجموعة الشروط التي يعتبر توفرها أساساً لنجاح عملية الاتصال.
أ) من حيث الرسالة : تتم عملية الاتصال لو توفرت في الرسالة عدة خصائص* منها :
1. الترتيب المنطقي للأفكار.
2. دقة المفردات والعبارات في التعبير عن الأفكار.
3. بساطة التراكيب اللغوية.
4. قلة الرموز والتجريدات.
5. مناسبة حجمها* فلا هي بالطويلة المملة ولا بالقصيرة المخلة.
6. صحة اللغة التي نقلت من خلالها الأفكار.
7. وضوح المفاهيم والمصطلحات وقلة عددها.
ب) من حيث المرسِل : تتم عملية الاتصال لو توفرت في المرسِل عدة خصائص منها :
1. وضوح الفكرة في ذهنه.
2. عمق خبرته بالموضوع الذي يعالجه.
3. تنوع طريقته في عرض الأفكار.
4. قدرته في اختيار الألفاظ المناسبة.
5. وضوح صوته عند الحديث.
6. إعادة عرض الأفكار بتفصيل أكثر.
7. ضرب أمثلة تجعل الرسالة محسوسة وليست مجردة.
ج) من حيث الوسيلة : تتم عملية الاتصال لو توفرت في الوسيلة عدة خصائص منها :
1. دقتها في نقل الأصوات (بالنسبة للحديث).
2. عدم وجود مؤثرات جانبية تشوش على الحديث.
3. وضوح الطباعة.
4. دقة الطباعة وقلة الأخطاء المطبعية.
5. جاذبية الإخراج وحسن تنسيق الصفحة.
د) من حيث المستقبل : تتم عملية الاتصال لو توفرت في المستقبل عدة خصائص* منها :
1. سلامة حواسه في استقبال الرسالة (الأذن والعين).
2. قدرته على فك الرموز التي وصلت إليه.
3. درايته باللغة التي يستقبل بها الرسالة.
4. خبرته بموضوع الرسالة.
5. أُلفته بالمرسل ومعرفته لعاداته في الحديث أو الكتابة.
6. اتجاهه نحو الموضوع وتحمسه لأفكاره.
7. مفهومه نحو نفسه self-concept ومفهومه نحو الآخرين.

معوقات عملية الاتصال

ترى متى يحدث الاتصال التام بين فردين ؟ يحدث لو اتحد معنى الرموز عند المرسل والمستقبل واستطاع كل منهما تبادل نفس الأفكار بنفس درجة الوضوح. وهذا أمر يندر أن يحدث بين البشر.. ولنتصور مُعلماً يلقي درساً. المعلم هنا متغير واحد ولكنه أمام عدد من الطلاب* ولنتصور أن عددهم عشرة طلاب. ما الذي يحدث في هذا الموقف ؟ إنه موقف اتصالي بلا شك. المعلم هو المرسل هنا* والرسالة هي موضوع الدرس والوسيلة هي الحديث الشفوي أو السبورة أو الكتاب أو هي هذا كله والمستقبل أخيراً هو الطلاب. نحن إذن أمام مرسل واحد ومستقبل متعدد. هل تعتقد أن المعلم عندما يلقي درسه أمام هذا العدد يكون قد بلّغ رسالة واحدة ؟ الإجابة بلا شك هي لا.. لقد بلغ عشر رسائل إذ اختلف استقبال كل طالب للرسالة باختلاف المتغيرات التي سبق الحديث عنها. حتى لو دار الأمر بين فردين.. فلابد من وجود تفاوت بين المرسِل والمستقبل في تصور الرسالة موضوع الاتصال.
هناك إذن معوقات للاتصال الكامل بين البشر* هذه المعوقات يمكن تصورها لو رجعنا إلى المقومات السابقة وتخيلنا عدم توفرها أو بعضها في عملية الاتصال.. كأن تكون الرسالة مليئة بالتجريدات* غامضة الأسلوب. أو أن تكون الفكرة غامضة في ذهن المرسل أو ليس ذا خبرة بالموضوع أو عاجز عن التعبير الدقيق.. أو غير ذلك. وكأن تكون الوسيلة غير دقيقة في نقل الرسالة أو تكون عوامل التشويش المحيطة بالرسالة كثيرة* وكأن يكون المستقبل ضعيف السمع أو البصر* أو قليل الخبرة بالموضوع أو عاجزاً عن فك رموز الرسالة لأنه ليس ذا رصيد لغوي يسمح له بذلك أو ذا اتجاه سلبي نحو المرسل أو نحو موضوع الرسالة.. كل هذه عوامل تعوق بلا شك إتمام عملية الاتصال. من هنا نقول إنه لا يوجد اتصال تام بين البشر.. والأمر هنا نسبي.
هذا بالطبع في حالة الاتصال بين الناطقين بلغة واحدة* ولنتصور حجم المشكلة في حالة الاتصال بين الناطقين بلغة ما والناطقين بلغات أخرى.
فالمرسل Sender تنشأ لديه رغبة في توصيل رسالة معينة بلغة أجنبية بالنسبة للمستقبل* إما رداً علـى مثير واستجابة له* وإما رغبة في البدء بطرح مثير (الاتصال). فهو يتخيل هذه الرسالة* يفترض أنه يعرف على وجه الدقة ما يريد توصيله* وكيف يريد توصيله. إلا أنه أحياناً* قد لا يعرف على وجه التحديد ذلك* ففي مجال الاتصال الشفوي مثلاً يخضع المرسل لسياق الحديث. فقد يضيف لما كان يود قوله شيئاً معيناً* وقد يعيد طرحه بشكل آخر* وقد يحذف منه شيئاً* فالمتكلم لا يستطيع في أحيان كثيرة التنبؤ بكفاءة ودقة شديدة بما سوف يصدر عنه. إذ أن السياق الذي يبث رسالته من خلاله يلعب دوراً لا يستهان به في محتوى وشكل الرسالة التي يود المرسل تبليغها. إلا أننا مع ذلك نتوقع أن المرسل قادر على بناء رسالته وتكوينها من العناصر الأساسية للغة أصواتاً* ومفردات* وجملاً* وتراكيب* فضلاً عن الدلالات الثقافية لكل ما يقال* يقول هذا بلغته الأجنبية.
وقد تحدث في أثناء عملية الاتصال أشياء تتسبب في إحداث خلل في عملية الاتصال نفسها* فتشوه على المرسل رسالته* فقد يتلعثم بسببها* وقد لا يكمل الجملة* وقد يخطئ في تركيبها.. كل هذه أشياء لا نضمن استبعادها من عملية الاتصال نفسها.
والمستقبل Receiver من طرف آخر يحاول أن يفهم أشكال النطق التي صدرت من المرسل محاولاً التنبؤ بمعاني ما غمض منها. هو يستقبل الرموز التي استمع إليها* ويرجعها إلى رصيده منها مفسراً إياها في ضوء خبرته السابقة بهذه الرموز.
هذه العملية هي ما تسمى بفك الرموز Decoding وقد سبق الحديث عنها وهي مهارة يتفاوت فيها الناس* والخلاف كما يرى البعض هو على درجة التمكن مـن المهـارة* وليـس عـلى وجـودها أو عدمه. فتبادل وجهات النظر أو التفاوض Negotiation* كما يطلق في المدخل الاتصالي أمر يعتمد على نوع العلاقة بين المرسل والمستقبل.



الفصل الثالث
مهارات الاتصال وتاريخه


مهارات الاتصال اللغوي

في ضوء النموذج السابق يتضح أن المهارات الأساسية للاتصال اللغوي أربـع هـي : الاستـماع listening والكـلام speaking والقـراءة reading والكـتابة writing وبين هذه المهارات علاقات متبادلة يوضحها الرسم التالي :



فالاستماع والكلام (1) يجمعهما الصوت* إذ يمثلان كلاهما المهارات الصوتية التي يحتاج إليها الفرد عند الاتصال المباشر مع الآخرين. بينما تجمع الصفحة المطبوعة بين القراءة والكتابة (2)* ويستعان بهما لتخطي حدود الزمان وأبعاد المكان عند الاتصال بالآخرين. وبين الاستماع والقراءة (3) صلات من أهمها أنها مصدر للخبرات* إذ هما مهارتا استقبال receptive لا خيار للفرد أمامهما في بناء المادة اللغوية أو حتى في الاتصال بها أحياناً. ومن هنا يبرر بعض الخبراء وصفهم لهاتين المهارتين بأنهما مهارتان سلبيتان* والحق غير ذلك. والفرد في كلتا المهارتين يفك الرموز decode بينما هو في المهارتين الأخريين : الكلام والكتابة (4) يركب الرموز incode كما أنه فيهما "الكلام والكتابة" يبعث رسالة ومن هنا تسميان مهارتا إنتاج أو إبداع productive or creative والمرء في المهارتين الأخريين مؤثر على غيره (مستمع أو قارئ). والرصيد اللغوي للفرد فيهما أقل من رصيده في المهارتين الأوليين* الاستماع والقراءة. إن منطقة الفهم عند الفرد أوسع من منطقة الاستخدام ويوضح الرسم التالي هذه العلاقة :

شكل (2)
منطقة الفهم والاستخدام عند الفرد






مجالات الاتصال اللغوي

يقصد بمجالات الاتصال اللغوي مجموعة الأنشطة التي يحتاج الفرد فيها لاستخدام اللغة* وتختلف هذه المجالات باختلاف البيئة المحيطة بالفرد* ومواقف الحياة التي يمر بها* وخصائصه هو نفسه* ومدى إتقانه للغة التي هي أداة التواصل* والفترة الزمنية التي يجري فيها الاتصال... إلى غير ذلك من عوامل التباين في مجالات الاتصال اللغوي.
ومع التسليم بهذه الحقائق إلا أن هناك عدداً من المجالات العامة للاتصال اللغوي تلخصها لنا وليجا ريفرز وصاحبتها ماري تيمبرلي(19) فيما يلي :
1. تكوين العلاقات الاجتماعية والاحتفاظ بها.
2. تعبير الفرد عن استجاباته للأشياء.
3. إخفاء الفرد نواياه.
4. تخلص الفرد من متاعبه.
5. طلب المعلومات وإعطاؤها.
6. تعلم طريقة عمل الأشياء أو تعليمها للآخرين.
7. المحادثة عبر التليفون.
8. حل المشكلات.
9. مناقشة الأفكار.
10. اللعب باللغة.
11. لعب الأدوار الاجتماعية.
12. الترويح عن الآخرين.
13. تحقيق الفرد لإنجازاته.
14. المشاركة في التسلية وإزجاء الفراغ.
ولكل مجـال من هذه المجالات بالطبع أنماط اللغة المناسبة لها من أصوات ومفردات وتراكيب* فضلاً عن السياق الثقافي المحيط بها.

الاتصال اللغوي في الفصل

المجالات السابقة نفسها هي التي ينبغي أن يدور حولها النشاط اللغوي في الفصل. إن على المعلم أن يهيئ من الفرص ما يجعل تعلم العربية في برامج تعليمها للناطقين بلغات أخرى عملية حية وليس مجرد استظهار قواعد أو حفظ كلمات. ومواقف الاتصال اللغوي في حجرة الدراسة إنما هي مرحلة تدريبية* شأنها شأن التدريب في مسبح صغير swimming pool تهيئة لخوض البحار.
والذي نقر به هنا هو أن الاتصال الفعلي في مواقف حية أمر يتعذر حدوثه في برامج تعليم العربية للناطقين بلغات أخرى وذلك لاعتبارين : أولهما أن كثيراً من معلمي العربية في البلاد غير العربية ليسوا من الناطقين بالعربية. أي أنهم بلغة اصطلاحية "معلمون وطنيون" وقدرتهم على الاتصال اللغوي الفعال بالعربية تقل بلا شك عن قدرة المعلمين الناطقين بالعربية* وهذا أمر متوقع. فالناطق باللغة لديه من الحس اللغوي والفهم الدقيق لاستخدامات اللغة ما يفتقده كثير من غير الناطقين بهذه اللغة. وثانيهما أن الاتصال اللغوي بين جدران الفصل لا يستهدف نقل معان حقيقية بين الطلاب أو رغبة في تبادل خبراتهم ومعلوماتهم بالعربية قدر ما هو تدريب لهم* أو بروفة rehearsal يستعد الطالب بها للاتصال في مواقف حية بعد ذلك* فالطالب يحفظ مجموعة من الكلمات وعدداً من التراكيب التي يتصور المعلم أنها ضرورية له.
ولعل هذه هي الفرصة التي نؤكد فيها ثلاث حقائق عندما نتحدث عن موقع اللغة في نظرية الاتصال وعن خطة تعليمها في الفصل :
1. إن كفاءة الاتصال بالعربية تشمل كل أشكال العلاقة بين اللغة والثقافة.. بين اللغة والمجتمع.. فالاتصال لا يحدث في فراغ وإنما يحدث بين أفراد وفي سياق اجتماعي معين. ولعل أحد أسباب عـدم كفاءة الاتصال وجود تفاوت ثقافي بين طرفي الاتصال* ولكل منهما خلفية تختلف عن أخيه* وعلى المعلم أن يوضح هذه العلاقة عند تعليمه العربية للناطقين بلغات أخرى.
2. إن اكتساب القدرة على الاتصال الكفء بين ناطق بالعربية وناطق بأخرى عملية تمر بمراحل متدرجة وفي كل مرحلة يكتسب الفرد شيئاً.. ولا يتم هذا الاكتساب من خلال سيطرة كاملة على اللغة* فليس هناك من يملكها وإنما هي مراحل تتداخل فيها عمليات الصواب والخطأ.. من هنا لا نعتبر الخطأ اللغوي دليلاً على العجز قدر ما هو خطوة متداخلة ولازمة على الطريق.
3. إن اكتساب القدرة على الاتصال الكفء أيضاً لا يتم من خلال عملية المحاكاة والتذكرة قدر ما يتم من خلال عمليات عقلية يدرك فيها الفرد* الناطق بلغات أخرى* خصائص التراكيب التي يستعملها موظفاً لها في سياق اجتماعي.. معنى هذا أن فهم اللغة شرط لإنتاجها.

تاريخ المدخل الاتصالي

يرجع هووات A. P. Howatt الدعوة إلى تعليم اللغات من منظور اتصالي إلى القرن السابع عشر حين كتب جون لوك عن تعلم اللغة قائلاً : >يتعلم الناس اللغة من أجل التعامل مع المجتمع* وتحقيق الاتصال (وهنا ذكر جون لوك كلمة الاتصال نفسها) بين الأفكار في الحياة العادية بدون تخطيط* أو تنظيم مقصود مسبق في استخدامهم للغة. ومن أجل هذا السبب فإن الأسلوب الحقيقي أو الأصلي (ويستخدم هنا كلمة أصلي Origienal) لتعلم اللغة* فإنما يتم بالمحادثة Conversation. وهذا وحده أدعى لتحقيق تعلم سريع معجل Expedite مناسب Proper* وطبيعي Natural<(20).
ترددت إذن منذ القدم مصطلحات مثل : الاتصال* والأسلوب الأصلي* أو الحقيقي* والمحادثة والتعلـم الطبيعي.. وهذه المصطلحات هي الأكثر شيوعاً في المدخل الاتصالي في وقتنا الراهن. كان هناك إحساس بأن اللغة وظيفتها الاتصال* وتحقيق التعامل مع أفراد المجتمع* وتمر سنوات حتى تصل إلى القرن التاسع عشر* وعلى وجه التحديد 1864 (أي منذ 140 سنة تقريباً). وفي هذه الأثناء تجذب طرق تعليم اللغات بأسلوب اتصالي انتباه المعلمين المهاجرين إلى أمريكا* وقد اتخذت هذه الطرق* كما يقرر هووات عدة أسماء مثل :
الطــرق الطبيعية Natural* وطريقة المحادثة Conversation* والطريقة المباشرة Direct* والمدخل الاتصالي Communicative Approach* إلا أنه مع تعدد أسماء هذه الطرق* ومع اختلاف أساليبها* وإجراءات التدريس فيها* فإن الفلسفة الكامنة وراءها تكاد تكون واحدة* وهي تعليم اللغة بشكل اتصالي.
هذه الفلسفة التي تمثل اتجاهاً لأسلوب تعليم اللغة* كانت السبب الرئيسي في نقد بلومفيلد 1942 لأسلوب تعليم اللغات الأجنبية في أمريكا* إذ لم يكن مساعداً للدارس على أن يتصل باللغة يقول بلومفيلد : >لم تكن الكتب جيدة* ولم يكن المعلمون متملكين مهارات اللغات الأجنبية ذاتها* وكان الطالب بعد سنتين أو ثلاث أو أربع سنوات من دراسته للغة الأجنبية غير قادر على استخدامها* أو توظيف ما تعلمه<(20).
والملاحظ أنه على الرغم من تردد مصطلحات مثل الاتصال* التعلم الوظيفي* الطريقة الطبيعية* الأسلوب الأصلي أو الحقيقي* الطريقة المباشرة* المحادثة* نقول إنه على الرغم من تردد هذه المفاهيم التي تمثل صلب المدخل الاتصالي* فإن التفكير المنهجي حول المدخل الاتصالي وتناوله بأسلوب علمي يعتمد على منطلقات معينة* ويتخذ له إجراءات محددة في الفصل* لم يبدأ إلا منذ الستينيات من القرن الماضي حين بدأ علماء اللغة البريطانيون في نقد أسلوب تعليم اللغات الأجنبية عندهم. ووجه هذا النقد أساساً لأسلوب تعليم اللغات في ضوء المواقف Situational Language Teaching وصادف هذا نقداً مماثلاً في أمريكا إلا أنه كان موجهاً للطريقة السمعية الشفوية Audioligualism. من هنا طرح علماء اللغة البريطانيون فكرة الإمكانيات الوظيفية والاتصالية للغة Functional and Communicative Potential وأبرزوا الحاجة إلى الإجادة الاتصالية Communicative Proficiency.
برزت بعد ذلك* كما يذكر ريتشارد زوروجرز الحاجة إلى تعليم لغات الشعوب المنضمة إلى السوق الأوربية المشتركة* وكذلك المجلس الأوربي Council of Europe* وفي 1971 اجتمع فريق من الخبراء للنظر في إمكانية تنظيم مقررات لتعليم اللغات في ضوء نظام الساعات المعتمدة Unit-Credit System* وفي هذا النظام تراعى حاجات الدارسين* كما اعتمد على دراسة مبدئية قدمها ولكنز Wilkins* وفي الدراسة التي نشرها 1972* قدم تعريفاً وظيفياً واتصالياً للغة* وهذا التعريف كان الأساس لإعداد المناهج الاتصالية لتعليم اللغات. وبدلاً من أن يقدم ولكنز وصفاً لمحاور اللغة بأسلـوب تقليدي سواء من حيث المفردات أو النحو* قدم ولكنز تصوراً جديداً لنمطين من المعاني :
الأول : ويسمى فئات الأفكار Notional Categories (مثل الزمـن* والتوالي Sequence* والكمية Quantity* والمكان Location* والتكرار Frequency).
والثاني : ويسمى فئات الوظائف الاتصالية Communicative Functions (مثل الطلب Request* والإنكار Denials* وتقديم الأشياء Offers* والشكوى Complaints). ولتوضيح الفرق بين الفكرة العامة Notion* وبين الوظائف اللغوية Functions نقدم مثالاً لموقف اتصالي يميز بين الأمرين* وهو زيارة مريض بإحدى المستشفيات. الفكرة العامة هنا هي "زيارة المريض" أما الوظائف اللغوية فيمكن تحديدها فيما يلي :
1. التعبير عن التعجب والأسى لمرض هذا الصديق.
2. السؤال عن سبب المرض.
3. التعبير عن موطن الألم والشكوى.
4. تحديد الأوقات التي يحس فيها بالألم.
5. السؤال عن المدة التي يستغرقها العلاج.
6. التعبير عن ضرورة مراجعة الطبيب.
7. الاستفسار عن الدواء المناسب.
8. التعبير عن تمنيات الشفاء.
ولقد أجمل ولكنز هذه الأفكار* ثم نشرها بعد ذلك في كتاب باسم Notional Syllabuses وكان لهذا الكتاب تأثير كبير في المدخل الاتصالي لتعليم اللغات(22) إلى أن صاغ هيمز Hymes مصطلح الكفاية الاتصالية Communicative Competence 1972 في مقابل مصطلح Linguistic Competence الذي صاغه تشومسكي.
ويشير مصطلح الكفاية الاتصالية عند هيمز إلى قدرة الفرد على أن ينقل رسالة* أو يوصل معنى معيناً* وأن يجمع بكفاءة بين معرفة القواعد اللغوية* والقيم والتقاليد الاجتماعية في الاتصال.

الاتصال بين المدخل والطريقة

مـنذ أن ظـهرت الـدعوة إلى تعلـيم اللـغة بشكل اتصالي* وشيوع مصطلحات مثل : الاتصال* والوظيفة* وغيرهما. طرح سؤال : هل هذا الأسلوب لتعليم اللغات يسمى مدخلاً Approach أو طريقة Method أو شيئاً ثالثاً ؟
ينبغي قبل عرض وجهات النظر المختلفة تحديد المقصود بمصطلحات ثلاثة أساسية في ميدان تعليم اللغات : الأول هو المدخل ــ والثاني هو الطريقة ــ والثالث هو الإجراءات.
ومن الممكن التمييز بين هذه المصطلحات كالتالي :
ــ المدخل : ويقصد به المنطلقات التي تستند إليها طريقة التدريس مثل تصورها لمفهوم اللغة وفلسفة تعليمها* والنظرة إلى الطبيعة الإنسانية* وشخصية المتعلمين.
ــ الطريقة : ويقصد بها مجموع الأساليب التي يتم بواسطتها تنظيم المجال الخارجي للمتعلم من أجل تحقيق أهداف تربوية معينة.
ــ الإجراءات : هي الأساليب التي تترجم الطريقة إلى أداءات* وتنفذ مبادئها سواء من حيث ما يقوم به المدرس في الفصل بالفعل* أو من حيث إعداد المواد التعليمية* أو إعداد الوسائل التعليمية* أو أدوات التقويم.
الطريقـة إذن مثل خيط المسبحة الذي ينتظم عدداً من المكونات الأساسية(23).
والآن نستعرض بعض الآراء حول أسلوب تعليم اللغة اتصالياً* هل هو مدخل أو مداخل أو طريقة أو طرق...
ينص ريتشاردز ورودجرز على أن تعليم اللغة اتصالياً هو مدخل* وليس طريقة Approach and not a method(24).
ترى ديان فريمان أنه أيضاً مدخل مبررة ذلك بأن الاتصال في أساسه عملية* وليست ناتجاً Since communication is a process.
يناقش كريستال في دائرة معارف اللغة مفهوم المدخل الاتصالي* ويشرح جوانبه* وذلك عند الحديث عن الكفاية الاتصالية. وإن كان في قسم آخر من دائرة المعارف يذكر أنها طرق اتصالية* وليست مجرد مدخل ! ويفضل كريستال إطلاق مصطلح الطرق الاتصالية ليشمل عدداً من الطرق أهمها :
1. الطريقة الإيحائية. Suggestopedia
2. الطريقة الصامتة .The silent way
3. تعليم اللغة من خلال المجتمع. Community language learning
4. الممارسة الشفوية المرجأة. Delayed oral practice
5. الاستجابة الحركية الكلية. Total physical response
هو إذن ينفي عنه أنه مدخل* وينفي عنه أنه طريقة* بل هو طرق كثيرة* قد تختلف إجراءاتها* ولكن تتفق فلسفتها(25).
ويؤيد كريستال في رأيه هذا هووات Howatt إذ ينص على أنها طرق* وليست طريقة واحدة* كما أنها ليست مدخلاً!(26).
أمـا شتـيرون فـيرى أنـه ليـس مـدخلاً واحداً* وإنما هو مداخل اتصالية Communicative Approaches(27).
وترى مليكة بوداليه فريفو أنه ليس طريقة* وليس مدخلاً وإنما هو نظرية* وتقارن في كتابها "المدرسة الجزائرية من ابن باديس إلى بافلوف" بين مصطلحات البنيوية ومصطلحات نظرية التواصل(28). إلا أننا قد نختلف معها في ذلك* إذ يحدث لبس وخلط بين نظرية التواصل في مجال تعليم اللغات* كما تقصدها المؤلفة* وبين نظرية الاتصال Communication theory كما تطلق في مجال الدراسات الإعلامية.
وعلى خلاف هذا كله نجد من الخبراء من لا يعتبره مدخلاً متكاملاً ذا خصائص محددة أو معالم بارزة* وإنما هو خليط (يطلق عليه Podge - Hodge) من استراتيجيات تدريسية تلتقي جميعها عند هـدف معين هو تدريب الطالب على الاستخدام التلقائي والمبدع للغة* وليس مجرد إجادة قواعدها(29).
رأينا إذن أن من المفكرين من يعتبر تعليم اللغة اتصالياً هو مدخل اتصالي* وهناك من يعتبره مداخل اتصالية* وهناك من يعتبره طريقة اتصالية* بل هناك من يعتبره طرقاً اتصالية* وأخيراً هناك من يعتبره نظرية تواصلية.
والذي نميل إليه هو إطلاق مصطلح "المدخل الاتصالي" على هذا الأسلوب فهو لم يتبلور بعد في شكل طريقة محددة مثل طريقة النحو والترجمة* أو الطريقة المباشرة مثلاً. فضلاً عن أنه يشتمل على مبادئ عامة ومنطلقات توجه أسلوب العمل في أكثر من طريقة* كما ذكر كريستال. وتعود مليكة فريفو فتنكر استخدام مصطلح "طريقة" في التربية الحديثة تقول : >في الحقيقة فإن تسمية (طريقة) بالنسبة للبيداغوجية الحديثة Pedagogy هي تسمية خاطئة* إذ يمكننا أن نتكلم عن (طريقة) إذا كان الأمر يتعلق بالبيداغوجية التقليدية* حيث كانت توجد طرق عديدة وصفها أصحابها. أما بالنسبة للبيداغوجية الحديثة فالأمور أصبحت تختلف تماماً* وهذا منذ ميلاد النظريات التي تشرح الاكتساب والمعرفة حيث أصبحنا نتحدث لا عن طريقة أو طرق* وإنما نتحدث عن منهجية تعليم هي فقط امتداد لبعض المفاهيم المنجزة في العلوم الإنسانية<(30).
وأيا ما كان الاسم الذي يطلق على هذا الأسلوب* فإن له فلسفة عامة يجعلها كريستال في دائرة معارف اللغة قائلاً : >إن المدخل الاتصالي هو ذلك المدخل الذي يركز في تعليم اللغة على اللغة ذاتها ووظائفها* وكذلك الكفاية الاتصالية* وليس على البُنى أو المباني النحوية<(31).
المدخل الاتصالي إذن يركز على الكفاية الاتصالية* ويستهدف أساساً تمكين الدارس من تملك مهاراتها. وهنا يطرح السؤال : ماذا يقصد بالكفاية الاتصالية ؟



الفصل الرابع
الكفاية الاتصالية واللغوية


الكفاية الاتصالية

في مجال الحديث عن المدخل الاتصالي تطرح عادة التفرقة بين مدخلين شائعين من مداخل تعليم اللغات الأجنبية يقف كل منهما مقابل الآخر. أحدهما مصطلح الكفاية اللغوية Linguistic Competence* والثاني مصطلح الكفاية الاتصالية Communicative Competence ولكي تتضح الفروق بينهما ينبغي استعراض بعض التعريفات الشائعة لمفهوم الكفاية الاتصالية.
وبادئ ذي بدء تنبغي الإشارة إلى أن صاحب هذا المصطلح هو ديل هيمز Dell Hymes بل ومبتكره في دراسة بعنوان On Communicative Competence التي نشرها في كتاب علم اللغة الاجتماعي Sociolinguistics.الذي حرره كل من بريد* وهولمز Pride and J. Holmes J. B. 1972* ولقد صاغ هيمز هذا المصطلح ليقابل به مفهوم الكفاية Competence الذي طرحه تشومسكي أمام مفهوم الأداء Performance. كما صاغه ليشمل الإلمام بقواعد علم اللغة الاجتماعي* أو مناسبة الحديث للسياق الاجتماعي بالإضافة إلى الإلمام بالقواعد النحوية.
يشير المصطلح إذن* في رأي هيمز إلى القدرة على نقل رسالة أو توصيل معنى معين* والجمع بكفاءة بين معرفة القواعد اللغوية وبين القواعد الاجتماعية في عملية التفاعل بين الأفراد.
وينقل شتيرن عن هيمز تصوره للكفاية الاتصالية قائلاً : إن الكفاية الاتصالية تعني تملك المواطن (أو الناطق باللغة) للحدس* أو البديهة التي تمكنه عند الكلام من استخدام اللغة* وتفسيرها بشكل مناسب في أثناء عملية التفاعل* وفي ضوء السياق الاجتماعي. إن الكفاية تعني أن الفرد يعرف بدقة متى يتكلم When* ومتى لا ينبغي أن يتكلم When not* وماذا يتكلم حوله What* ومع من With whom* ومتى When* وأين Where* وبأي طريقة كان أسلوب الحديث manner(32).
ويرى كريستال في دائرة المعارف اللغوية أن الكفاية الاتصالية تعني وعي الفرد للقواعد الحاكمة للاستعمال المناسب في موقف اجتماعي(33)* بينما يرى روبين Robin أن مصطلح الكفاية الاتصالية على مستوى الجامعة يشير إلى قدرة الطالب* وكذلك المعلم على بث واستقبال رسالة مناسبة للموقف والظروف المحيطة* وفعالة في تحقيق الهدف المنشود(34).
مصطلح الكفاية الاتصالية يشتمل على مفهومين أساسيين : هما المناسبة Appropriateness* والفعالية Effectiveness. فقد تكون الرسالة مناسبة للموقف* لكنها لم تكن فعالـة كما ينبغي* وفي مثل هذا التعريف يستلزم الأمر الحكم على نتيجة الاتصال* ومدى فعاليته* وليس فقط على عملية الاتصال ذاتها.
ويتفق ويمان Wieman مع روبين في ضرورة تحقيق الهدف من الاتصال حتى يمكن الحكم على الكفاية الاتصالية عند الفرد* ويختلف ويمان عن روبين في مزجه بين عملية الاتصال وبين نتيجته. يقول ويمان : >إن الكفاية الاتصالية هي قدرة الفرد الراغب في التفاعل Interactant على أشكال السلوك الاتصالي المتاحة حتى يمكن تحقيق أهدافه من الاتصال بالآخرين بنجاح خلال مواجهة بينهم في إطار قيود ومتطلبات الموقف<(35).
في موقف الاتصال الطبيعي إذن بدائل يلزم الفرد الاختيار من بينها* ويتوقف مدى الكفاية الاتصالية عند الفرد على قدرته على الاختيار من هذه البدائل* الأمر إذن ليس مجرد تحقيق الهدف بأي صورة كانت* وإنما أيضاً بطريقة الاختيار من بين البدائل.
في ضوء هذا تخلص ساندرا سافجنون إلى أن الكفاية الاتصالية مفهوم له سمات أو خصائص معينة تجملها فيما يلي :
1. إن الكفاية الاتصالية مفهوم متحرك Dynamic وليس ساكناً Static* إنه يعتمد على مدى قدرة الفرد على تبادل المعنى مع فرد آخر أو أكثر. إنها إذن علاقة شخصية بين طرفين Interpersonal أكثر من أن تكون اتصالاً ذاتياً Intrapersonal أي حواراً بين الفرد ونفسه.
2. إن الكفايـة الاتصالية تنطبق على كل من اللغة المنطوقة والمكتوبة* وكذلك نظم الرموز المختلفة.
3. إن الكفاية الاتصالية محددة بالسياق. إن الاتصال يأخذ مكانه* أو يمكن أن يحدث في مواقف لا حد لها* إنها تتطلب القدرة على الاختيار المناسب للغة والأسلوب في ضوء مواقف الاتصال والأطراف المشتركة.
4. إن هناك فرقاً بين الكفاية والأداء. الكفاية تعني القدرة المفترض وجودها والكامنة وراء الأداء* بينما يعتبر الأداء التوضيح الظاهر أو المكشوف Overt Manifestation لهذه القدرة. إن الكفاية هي ما تعرف أما الأداء فهو ما تفعل* وهو الشيء الوحيد الذي يمكن ملاحظته* وفي ضوئه تتحدد الكفاية وتنميتها وتقويمها.
5. إن الكفاية الاتصالية نسبية وليست مطلقة* من هنا يمكن التحدث عن درجات للكفاية الاتصالية* وليس عن درجة واحدة(36) ولكن هل الكفاية الاتصالية كل واحد لا يتجزأ إلى أجزاء* أو أنه مفهوم عام تندرج تحته كفايات أخرى ؟ يميز كانال وسوين Swain & Canale بين أربعة أنواع من الكفايات الاتصالية هي :
1. الكفاية النحوية Grammatical Competence* وتشير إلى ما يقصده تشومسكي من الكفاية اللغوية* أي معرفة نظام اللغة* والقدرة الكافية على استخدامها.
2. الكفاية اللغوية الاجتماعية Sociolinguistic Competence* وتشير إلى قدرة الفرد على فهم السياق الاجتماعي الذي يتم من خلاله الاتصال* بما في ذلك العلاقات التي تربط بين الأدوار الاجتماعيـة المختلفة* والقدرة على تبادل المعلومات* والمشاركة الاجتماعية بين الفرد والآخرين.
3. كفاية تحليل الخطاب Discourse Competence* وتشير إلى قدرة الفرد على تحليل أشكال الحديث* والتخاطب من خلال فهم بنية الكلام* وإدراك العلاقة بين عناصره وطرق التعبير عن المعنى* وعلاقة هذا بالنص ككل.
4. الكفاية الاستراتيجية Strategic Competence* وتشير إلى قدرة الفرد على اختيار الأساليب والاستراتيجيات المناسبة للبدء بالحديث أو لختامه* والاحتفاظ بانتباه الآخرين له* وتحويل مسار الحديث* وغير ذلك من استراتيجيات مهمة لإتمام عملية الاتصال(37).
الكفاية الاتصالية إذن ليست مجرد القدرة على استيعاب نظام اللغة* أو حتى استخدامه بشكل مطلق* بل إنها عملية فردية اجتماعية معاً* فردية حين تتعلق بالأساليب الخاصة للفرد لمواجهة المواقف* واجتماعية حين تتعلق بالسياق الذي يتم فيه الاتصال.
والسؤال الذي يطرح نفسه الآن : هل من الممكن أن يصل الأجنبي إلى تملك الكفاية الاتصالية في اللغة العربية بالمفهوم الذي تحدثنا عنه ؟ وإذا لم يكن ذلك ممكناً فإلى أي مدى يمكن تدريبه على اكتسابها ؟
يقول شتيرن : إن تعقد أنظمة اللغة وقواعدها يظهر أمامنا أنه من المستحيل غالباً أن يكتسب أي شخص الكفاية الاتصالية* إلا إذا كان من الناطقين أصلاً بهذه اللغة. المواطن وحده هو الذي يمتلك هذه الكفاية مما يستلزم النظر بشكل مختلف للكفاية الاتصالية عند الدارسين عندما يريدون تعلم لغة أجنبية(38).
ولنقرأ ما كتبه ابن خلدون في ذلك منذ 1405م / 808هـ* إذ يرى ندرة تحصيل الملكة اللسانية التامة للمستعربين من العجم* ويقيم نظرته تلك على أسس معينة من أهمها :
1. إن الأعاجم الداخلين في اللسان العربي* وكانت لهم لغة أخرى* وهم مضطرون للنطق بالعربية من مفرد* ومركب* يحصلون العربية ممن يخالطونهم من العرب* وهؤلاء لا يملكون* حين تأخر الزمن* ملكة اللسان المطلوبة* فقد ذهبت عنهم وبعدوا عنها* فليس لديهم إذن وسائل إجادة العربية ممن يخالطونهم من العرب.
2. إذا لجأ هؤلاء الداخلون في اللسان العربي إلى تحصيل الملكة مما أسماه القوانين المسطرة في الكتب* فإنهم لا يحصلون على إجادة اللسان (الكفاية الاتصالية) بل يحصلون على أحكامه فقط (الكفاية اللغوية).
3. إذا لجأ هؤلاء الأعاجم لتحصيل الملكة بالتعلم من كلام العرب* شعراً ونثراً* فإنهم يحصلون على هذه الملكة* لكنها ــ كما يقول ــ تجئ ناقصة أو مخدوشة* لأنه قد سبق لهم ملكة أخرى للغاتهم الأصلية* وهذه تعوق تمام الملكة الجديدة* فيفترقون في ذلك عن العرب الأصلاء(39).
قصارى ما يمكن أن يتعلمه الأجنبي إذن* مجموعة من المفردات والتراكيب* والدلالات التي يؤدي بها وظائف معينة يحتاجها بدرجة أكبر من غيرها مع الأخذ في الاعتبار أن هذا الذي يتعلمه الأجنبي عادة تشوبه نقائص كثيرة. فالمفردات محدودة* مهما كثرت عنده* والنطق فيه تلعثم* والجمل غير مترابطة* بل ودلالات الألفاظ أحياناً غير دقيقة* وغير ذلك من ظواهر تجمع على أن تعلم الأجنبي للغة لا يصل بأي حال لمستوى تعلم المواطن* أو الناطق بها.. ويستلزم هذا بالطبع أن ينظر لمفهـوم الكفاية الاتصالية للأجنبي بمنظور مختلف عن الكفاية الاتصالية للمواطن أو للناطق باللغة.
ولا نود أن ننهي هذا التعليق قبل أن نشير إلى عبارة تستوقف القارئ* وردت في حديث ابن خلدون. إذ يعلل سبب ندرة وصول الأعاجم إلى اكتساب الكفاية الاتصالية في العربية* يعلل ذلك بقوله : >لأنه قد سبق لهم ملكة أخرى للغتهم الأصلية* وهذه تعوق تمام الملكة الجديدة< والسؤال الآن : ألم يسبق ابن خلدون بـذلك خبـراء الغـرب فـي تعلـيم اللـغات الأجنبية عند حديثهم عن التداخل اللغوي Language Interference ؟
أليس هذا هو التداخل اللغوي بعينه* والذي يقصد به تأثير الأنماط اللغوية التي اكتسبها الفرد في لغته الأولى على الأنماط اللغوية التي يريد اكتسابها في اللغة الثانية ؟

الفرق بين الكفاية اللغوية والاتصالية

ولعل من المناسب الآن توضيح الفرق بين الكفاية اللغوية والكفاية الاتصالية* نرى أن الكفاية اللغوية يقصد بها أن الفرد يعرف النظام الذي يحكم اللغة* ويطبقه بدون انتباه أو تفكير واع به* كما أن لديه القدرة على التقاط المعاني اللغوية والعقلية والوجدانية والثقافية التي تصحب الأشكال اللغوية المختلفة.
أما الكفاية الاتصالية فنرى أنها قدرة الفرد على استعمال اللغة بشكل تلقائي مع توفر حس لغوي يميز به الفرد بين الوظائف المختلفة للغة في مواقف الاستعمال الفعلي.
ويستعرض جينج هن أهن Jung Hun Ahn الفروق بين الكفاية اللغوية والاتصالية من خلال عدة زوايا نجملها فيما يلي :
1. من حيث نوع المعرفة : تشتمل الكفاية اللغوية على المعرفة الضمنية Knoweledge Tacit أو الكامنة الخاصة بالتراكيب اللغوية. بينما تشتمل الكفاية الاتصالية على المعرفة الضمنية* أو الكامنة الخاصة باستعمال اللغة في مواقف اجتماعية وثقافية.
2. من حيث القواعد الحاكمة : الكفاية اللغوية تحكمها قواعد معينة* وهي القواعد اللغوية بينما تحكم الكفاية الاتصالية قواعد أخرى خاصة بالعلاقة بين الأشخاص والتنظيمات الاجتماعية والضوابط الثقافية.
3. من حيث إنتاج اللغة : إن الكفاية اللغوية تزود الدارس بإمكانات التعميم لعدد غير محدود Infinite من الجمل* بينما تزود الكفاية الاتصالية الدارس بالقدرة على تعميم أشكال السلوك الاتصالي المناسبة لعدد غير محدود من المواقف الاجتماعية.
4. من حيث النحو : تهتم الكفاية اللغوية بالنسبة للنحو Syntax بمدى التزام الجمل بالقواعد النحوية المحددة* إن الشكل النحوي Grammaticality للجملة هو ما تختص به الكفاية اللغوية* بينما تختص الكفاية الاتصالية بمدى مناسبة الجمل لسياقات محددة* الجانب الاجتماعي هو ما يشغل الكفاية الاتصالية* وليس مجرد البنية النحوية للجمل.
5. من حيث اكتساب اللغة : يستند اكتساب الكفاية اللغوية على عوامل وراثية فطرية* بينما تستند الكفاية الاتصالية إلى عوامل ثقافية يواجهها الفرد خلال تعلمه.
6. من حيث الأداء : لا تنعكس الكـفاية اللـغــوية بـدقـة عـــلى الأداء اللغـوي Linguistic Performance* لأن الأداء اللغوي يتأثر بمجموعة من العوامل التي تتخطى حدود الجانب اللغوي بما في ذلك الكفاية الاتصالية. كما نجد أن الكفاية الاتصالية لا تنعكس أيضاً بدقة على الأداء الاتصالي Communicative Performance* ذلك لأن الأداء الاتصالي يتأثر أيضاً بمجموعة من العوامل التي تتخطى حدود الاتصال نفسه مثل القلق.
7. من حيث البنية : تتكون الكفاية اللغوية من بنية سطحية Surface وبنية متعمقة Deep بالإضافة إلى القواعد التحويلية Transformational* بينما يصعب الحديث عن هاتين البنيتين في الكفاية الاتصالية حيث لم تقطع الدراسات بمثل هذا الشيء للآن(40).

المفهوم والإجراءات

الاتصـال* كما يرى ولكنز وسافجنون* يحتاج إلى شرطين كي يتم* أولهما الصواب اللغوي* وثانيهما الصواب الاجتماعي. وبالرغم من اتفاق الكثيرين حول هذين الشرطين لإتمام الاتصال اللغوي* فإن المدخل الاتصالي في تعليم اللغات قد اختلفت جوانب الرؤية له. ماذا تعني الاتصالية Communicatively عندما تتكلم عن تعليم اللغة في ضوء المدخل الاتصالي ؟
من خلال مسح لعدد كبير من كتابات خبراء تعليم اللغات الأجنبية ننتهي إلى عدد من التصورات المختلفة لمفهوم تعليم اللغة اتصالياً.. وفيما يلي عرض لأهمها :
1. يـرى البـعض أن تعـليم اللـغة اتـصالياً يعـني جـعل الكفاية الاتصالية Communicative Competence الهدف الرئيسي من تعلم وتعليم اللغة* وسيرد بعد ذلك تفصيل القول في الكفاية الاتصالية مما يدفعنا ألا نطيل في الحديث عنه هنا.
2. يرى البعض أن تعليم اللغة اتصالياً يعني تنظيم الإجراءات المناسبة لتعليم المهارات اللغوية الأربع (استماع / كلام / قراءة / كتابة) في ضوء العلاقة الاعتمادية Interdependence بين اللغة والاتصال.
3. يرى البعض أن تعليم اللغة اتصالياً يعني شيئاً أكثر من مجرد التكامل بين تدريس النحو وتدريس الوظائف اللغوية Language Functions إن أحد الملامح الأساسية لتعليم اللغة اتصالياً أنه يولي اهتماماً منظماً للأشكال الوظيفية والأشكال البنيوية أو التركيبية Structural Aspects.
4. يرى البعض أن تعليم اللغة اتصالياً يعني الإجراءات التي يقوم فيها الدارسون في جماعات (مثنى أو أكثر) بتوظيف المصادر اللغوية المتاحة في أداء المهام التي يكلفون بها.
ولقد وجد هذا التصور طريقه للتنفيذ من خلال مناهج تعليم اللغة الإنجليزية في المدارس الابتدائية 1981 Syllabuses for primary schools* والمحور الأساسي في مثل هذه المناهج* ونقطة التركيز فيها هي الوظائف الاتصالية التي يمكن أن تخدمها* أو تؤديها الأشكال اللغوية.
5. يرى البعض أن تعليم اللغة اتصالياً يعني انخراط الدارسين في محادثة شفوية يتفاعل فيها أطراف المحادثة Conversational Interaction* وفي مثل هذا التصور تعطى المحادثة والاتصال المباشر أولوية على مختلف أشكال السلوك اللغوي الأخرى.
6. يرى البعض أن تعليم اللغة اتصالياً يتجسد في منهج الأفكار والوظائف Notions and Functions في مقابل منهج البنية أو التراكيب Structural Syllabus.
7. يرى البعض أن تعليم اللغة اتصالياً يتجسد في اعتماده على حاجات الفرد* والجماعة أكثر من اعتماده على اختيار محتوى لغوي عام.
8. يرى البعض أن تعليم اللغة اتصالياً يعني استعمال مواد أصلية حقيقية Authentic Materials في مقابل مواد مصنعة غير حقيقية Non-Authentic.
9. يرى البعض أن تعليم اللغة اتصالياً يهتم أساساً بالعمليات Process* أو إجراءات الاتصال باللغة في مقابل ناتج الاتصال أو التعلم Product.
10. يرى البعض أن تعليم اللغة اتصالياً يتجسد في الرغبة في جعل تعلم اللغة معتمداً على الاتصال الطبيعي الأصلي* أكثر من اعتماده على المشاركة في أنشطة موجهة توجيهاً تربوياً ومؤلفة خصيصاً لذلك.
لعل القارئ يلاحظ من تعدد وجهات النظر هذه حول تعليم اللغة اتصالياً مدى التفاوت بينها* كما يلاحظ الخلط بين المفاهيم والإجراءات* فمن التصورات السابقة ما يمكن أن يمثل إجراءات وأساليب للمدخل الاتصالي* مثل تقسيم الدارسين إلى مجموعات* ومنها ما يمثل مبادئ عمل وأسساً ومنطلقـات مثل تقدير حاجات الدارسين* وبناء المناهج في ضوئها* ومنها ما يختص بالمواد التعليمية* وغير ذلك من تفاوت في وجهات النظر حول مفهوم تعليم اللغة اتصالياً. بل هناك من ينكر على المنهج الاتصالي اتباع خطوات محددة لتعليم اللغة.. فتعليم اللغة كي يتمشى حقيقة مع المفهوم الاتصالي* يجب أن يتحرر من هذا القول. يقول هووات : >إن تعلم طريقة الكلام ــ مثلاً ــ ليست عملية عقلية منطقية يمكن إحداثها وفق مجموعة من الخطوات المحددة step manner by Step* يتبعها منهج متدرج يشتمل على نقاط معينة يلزم تعلمها* ثم تدريبات وتوضيحات ! إن تعلم اللغة عملية إلهامية Intuitive Process تستثار فيها القدرات والطاقات الطبيعية Natural Capacity التي يمتلكها الإنسان* هذا إذا توفرت الشروط أو الظروف المناسبة<(41).
ومع الإيمان بأن تعلم الكلام لا يمكن أن يقتصر على منهج معين* وخطوات محددة سلفاً ومع الإيمان أيضاً بأن عملية الحدس أو الإلهام تلعب دوراً في تعلم الكلام* إلا أننا لا يمكن أن نغفل ما انتهى إليه البحث العلمي والدراسات حول أساليب تعلم الكلام* وإمكانية تنمية القدرة على التعبير الشفوي في ضوء التحديد الدقيق لمهارات الكلام. ولو أن الأمر اقتصر على هذه النظرة التي ترى أن تعلم اللغة عملية إلهامية لتوقف البحث حول مهارات الكلام وأساليب تنميتها عند الدارسين* ولتحول الاتجاه إلى البحث حول عمليات الإلهام وسبل استثارتها.
ويميز هووات عند استعراضه لتاريخ المدخل الاتصالي بين صورتين من صور تعليم اللغة اتصالياً :
ــ الصورة الأولى : وهي الضعيفة Week Version ويقصد بها تزويد الدارس بالفرص التي يستطيع من خلالها استخدام اللغة لأغراض الاتصال* ويحاول إحداث التكامل بين هذه الفرص في البرنامج* العملية في هذه الصورة هي تعلم اللغة من أجل استخدامها Learning to use English.
ــ الصورة الثانية : وهي القوية Strong Version ويقصد بها أن تعلم اللغة نفسه يكتسب بالاتصال الحقيقي* إنه استثارة إمكانات النظام اللغوي عند الفرد* وعلى خلاف الموقف في الصورة الضعيفة يصبح استخدام اللغة من أجل تعلمها using English to learn it(42).



الفصل الخامس
أساليب تدريس المهارات اتصاليا


تكامل المهارات

للمهارات اللغوية موقع لا يختلف عليه اثنان عند الحديث عن برامج تعليم اللغات فهي همزة الوصل بين منطلقات البرنامج وأسسه الفلسفية* وبين المواد التعليمية التي تجسد هذه المنطلقات وتلك الفلسفة إلى شيء محسوس* ولعل الشكل التالي يوضح هذه العملية :

وفي ضوء هذا الشكل يتضح أن تحديد المهارات اللغوية يتم في ضوء المنطلقات التي يستند إليها البرنامج* نفسية واجتماعية ولغوية وتربوية... وغيرها.
فالمهارات اللغوية المطلوب إكسابها للدارسين في برنامج يستند إلى المدخل الاتصالي سوف تختلف بالضرورة عن تلك التي يطلب إكسابها للدارسين في برنامج يستند إلى مدخل آخر* وليكن المدخل اللغوي الذي يهدف إلى تنمية المهارات اللغوية العامة* وتمكين الدارسين من العناصر اللغوية بصرف النظر عن وظيفتها* أو دورها الاجتماعي* وفي ضوء المهارات اللغوية المحددة يتم بناء المواد التعليمية التي تساعد على تنمية هذه المهارات.
وقبل الحديث عن المهارات اللغوية الأساسية* استماع* كلام* قراءة* كتابة* في ضوء المدخل الاتصالي ينبغي تحديد المقصود بمهارات الاتصال أولاً* ثم بيان العلاقة بينها* ونظام الأولويات بينها. فمهارات الاتصال هي قدرة الفرد على تكييف القواعد اللغوية واستخدامها من أجل أداء وظائف اتصالية معينة بطرق مناسبة لمواقف معينة.
والمقصود بالقواعد اللغوية هنا بالطبع ليس فقط النحو* مع أهميته في الأداء اللغوي ولكن المقصود بذلك نظام اللغة بشكل عام* أو مختلف أنظمتها صوتية* وصرفية* ونحوية ومفرداتية ودلالية.
المهارات الاتصالية إذن ليست مجرد أداء لغوي يصدر بأي طريقة كانت* أو حتى مجرد إجادة لعناصر اللغة* وإنما هي أداء معين لتحقيق وظائف اتصالية معينة في مواقف اجتماعية محددة* وفي ضوء هذا لا يمكن أن نعزل مهارات الاستماع* أو الكلام مثلاً عن السياق الذي تستخدم فيه. وهذا ما يجعل للمهارات اللغوية في المدخل الاتصالي طبيعة* وخصائص ووظائف* تختلف عن كل هذا في مدخل لغوي آخر فضلاً عن نوع العلاقة بين هذه المهارات.
المهارات اللغوية في المدخل الاتصالي تتكامل بين بعضها وبعض* ولا يعني التكامل هنا مجرد ضم مهارة لأخرى* وإنما هو شيء أبعد من ذلك* إذ يدخل هذا في صميم الموقف الاتصالي نفسه* فالموقف الاتصالي غالباً يحتاج إلى توظيف مهارتين أو أكثر في مرة واحدة ولنتصور مثلاً موقفاً يدير الفرد فيه حواراً مع موظف الاستقبال في فندق ما. في مثل هذا الموقف تشترك المهارات اللغوية الأساسية الأربع في وقت واحد* فالفرد يعبر عن رغبته في الحصول على غرفة (كلام)* وهو في أثناء تعبيره هذا يتلقى من الموظف رداً بالإيجاب مثلاً أي يستمع الفرد إلى موظف الاستقبال (استماع)* وذلك في نفس اللحظة التي يتكلم فيها الفرد ثم يعطي الفرد بطاقة يكلف بملئها (قراءة ثم كتابة). وهكذا نجد المزج بين المهارات اللغوية يتعدى حدود ضم المهارات إلى بعض* هذا مفهوم قاصر للتكامل. إن التكامل الحقيقي بين المهارات يعني الالتحام والتضام بين هذه المهارات* يعني تشابكها بطريقة تؤدي إلى إنجاز المهمة الاتصالية المطلوبة* وبأسلوب يجعلها تبدو من خلال الممارسة والسياق على أنها تستخدم بشكل طبيعي* ولتحقيق أهداف ذات معنى في حياة الفرد.
وهنا يأتي الحديث عن ترتيب المهارات اللغوية في المدخل الاتصالي* بأيها نبدأ ؟ هل نبدأ بالقراءة وتدريس القاعدة بلغة الدارس كما نجد في طريقة النحو والترجمة ؟ أم نبدأ بالقراءة فقط* ومنها نخلص للمهارات الأخرى* كما نجد في طريقة القراءة ؟ أم نبدأ بالاستماع* فالكلام فالقراءة فالكتابة* كما نجد في الطريقة الطبيعية Natural Method وكذلك في السمعية الشفهية ؟ أم نبدأ بماذا ؟
للمدخل الاتصالي رأي واضح في هذا.. ومؤداه أنه لا يوجد ترتيب مطلق ثابت* يجب الالتزام به أياً كانت ظروف الدارسين* أو أنواع البرامج التي يتعلمون اللغة من خلالها ترتيب المهـارات اللغوية. في المدخل الاتصالي يعتمد على طبيعة المواقف الاتصالية التي يتدرب الدارس عليها* ففي الموقف السابق الحديث عنه (حديث مع موظف استقبال بالفندق) نجد أن المهارة الأولى التي بدأ الفرد بها هي الكلام* وفي نفس الوقت كان يستمع* ثم فجأة كلف بالقراءة ثم الكتابة. يتساوى موقع المهارات اللغوية بمثل ما تتساوى أشكال الاتصال* فلا قيمة للقراءة على حساب الكتابة مثلاً* ولا قيمة للمهارات الصوتية على حساب المكتوبة بحجة أن الاتصال الشفوي كان هو الأساس في أي لغة.
يستتبع هذا اختلاف أولويات التدريس فقد نبدأ في برنامج بتدريس القراءة* ثم الكتابة وقد نبدأ بالاستماع* وقد نبدأ بالكلام.. مع أن هذا كله ينضوي تحت المدخل الاتصالي* فلا يوجد ترتيب مطلق وفطري No inherent ordering للمهارات في المدخل الاتصالي.
والآن ننظر في كل مهارة أساسية على حدة :

الاستـماع

الاستماع نشاط أساسي من أنشطة الاتصال بين البشر* فهو النافذة التي يطل الإنسان من خلالها على العالم من حوله* وهو الأداة التي يستقبل بواسطتها الرسالة الشفوية. ولنتأمل ما يحدث في موقف اتصال شفوي* هناك فرد يتحدث* يعرض قضية معينة* يستخدم فيها ألفاظاً وجملاً يستقبلها فرد آخر فيترجم هذه الألفاظ والجمل إلى معاني ودلالات. والفرد في أثناء تحدثه قد يستخدم مع اللغة إشارات أخرى* يستعين بها في توصيل رسالته* وعلى المستمع في ضوء هذا السياق أن يفهم الرسالة التي يريد المتكلم توصيلها إليه.
ويميز ويدسون في عملية الاستماع هذه بين مصطلحين : الأول هو السماع Hearing والثاني هو الاستماع Listening* ويقصد بالأول استقبال الفرد لرموز صوتية يركبها في ذهنه بعد ذلك ليجعل منها شيئاً ذا معنى* وهو عند فهمه لمعناها يتعرف على دلالات الكلمات والجمل وطريقة تركيبها. هذا النشاط يجعله ويدسون ترجمة لمفهوم الدقة في الاستخدام اللغوي Usage* وهناك نشاط آخر يتعدى به الفرد هذا العمل وهو التعرف على الوظائف المختلفة التي تؤديها الكلمات والجمل. ماذا يريد المتحدث توصيله له. وفي هذه العملية الثانية يربط المستمع بين ما يقال الآن* وما قيل سابقاً. إنه يضع هذه الجمل في إطار أو سياق معين يجعل لها معنى* إنه بمعنى آخر يستعمل اللغة Use* وليس فقط Usage(43).
ما معنى هذا في تدريس مهارة الاستماع وتأليف الكتب من منظور اتصالي ؟ معناه أننا لا نقف في تدريس مهارات الاستماع على مهارات التعرف التي يقتصر الأمر فيها على استقبال الرموز وتمييزها وإدراك معناها.
لابـد إذن من الالتفات إلى الشق الثاني من هذا النشاط* وهو إدراك العلاقة بين أشكال الحديث* والتعمق في فهم المقصود منها* والتأكد من أن هدف توصيل الرسالة قد تحقق. ما من فرد يستمع إلى شيء معين إلا وله هدف من الاستماع سواء أكان الاستماع فردياً أي في موقف خاص لا يتحدث الفرد فيه مع الآخرين (مثل الاستماع إلى الراديو* أو إلى حوار جانبي ليس الفرد طرفاً فيه)* أو كان خلال حديث مع الآخرين. والكتاب الجيد هو الذي يساعد الدارس على تحديد هدفه من موقف الاستماع* ويساعده أيضاً على تحقيقه.
والعلاقة بين الاستماع والمهارات اللغوية الأخرى علاقة كبيرة* بين الاستماع والكلام علاقة مؤداها أنها مهارات صوتية. وإن كانت إحداهما مهارة استقبال (الاستماع) والأخرى مهارة إنتاج (الكلام)* ولا يتصور موقف يتحدث فيه إنسان* إلا وكان هناك مستمع له يستقبل رسالته* وبين الاستماع والقراءة علاقة مؤداها أنهما مهارتا استقبال في الوقت الذي يجمع فيه بين الكلام والكتابة أنهما مهارتا إنتاج. ولقد يمر الفرد بموقف يستخدم فيه مهارتين منهما في وقت واحد* مثل الطالب الذي يستمع إلى أستاذه في المحاضرة* ويسجل وراءه كتابة بعض الملاحظات* ومثل الذي يستمع إلى تعليمات معينة مصحوبة بالاطلاع على خريطة* أو كتاب أو غيرهما من مصادر يستقي منها معرفة معينة. وتدريس الاستماع في ضوء المدخل الاتصالي يستلزم توفير موقف طبيعي في الفصل الدراسي ما أمكن. وفي هذا الموقف قد يتم توظيف مهارتين أو أكثر. وهنا يطرح سؤال حول المادة اللغوية التي ينبغي من خلالها تدريس الاستماع* هل نأتي للدارس بنص حواري طبيعي بكل ما فيه من تجاوزات في الحديث ؟ أم نجري على النص بعض التعديلات التي تجعله مناسباً للتدريس ؟
إن الحوار الطبيعي تحكمه متغيرات كثيرة منها نوع الموضوع الذي يدور حوله الحديث* والعلاقة بين أطراف الحديث* والظروف المحيطة بالحديث مثل زمنه ومكانه وغيرها من متغيرات* هـذه واحدة. أما الأخرى فهي أن الحوار الطبيعي تتخلله أحياناً عبارات غير كاملة* أو فترات توقف* أو أخطاء لغوية* أو إشارات وملامح وإيماءات. ويقترح جدز Geddes هنا أن ننقل إلى الدارس نصاً معدلاً يستطيع التحكم به في المفردات والجمل التي يستخدمها* ولا يعوقه في الوقت نفسه من فهم الرسالة بما فيها من تجاوزات(44).
المهم في الأمر هنا عدم التصنع في صياغة الجمل* أو افتعال المواقف كما أنه من اللازم أيضاً أخذ المتغيرات السابقة في الاعتبار حتى يقرب الموقف التدريسي في الفصل من الموقف الطبيعي في الحياة* في مثل هذه الحالة ترفض التدريبات التي تنمي مهارات الاستماع في وحدات منفصلة Discrete Point لأنها منعزلة عن السياق* ومن ثم فهي منعزلة عن الحياة. كما ترفض أسئلة تقويم مهارات الاستماع إذا كانت أيضاً من هذا النوع* ففي المدخل الاتصالي لا تقدم جمل منفصلة يستمع إليها الدارس* ثم يسأل عما فهمه منها. وإنما يقدم إليه موقف مستخلص من الحياة مثل إذاعة نشرة أخبار مثلاً* أو الاستماع إلى نشرة الأحوال الجوية* ويكلف الدارس بأداء مهام معينة في ضوء ما استمع إليه مثل اتخاذ قرار بشأن رحلة إلى مكان ما في ضوء نشرة الأحوال الجوية وغير ذلك من مهام.
وهنا تتكامل المهارات* فقد يشترك الاستماع مع القراءة أو مع الكتابة أو مع الكلام* المهم في الأمر أن تتقارب مهام الاستماع في الفصل من مواقف الاستماع الطبيعية في الحياة.

الكلام

الكلام أيضاً نشاط أساسي من أنشطة الاتصال بين البشر* وهو الطرف الثاني من عملية الاتصال الشفوي* وإذا كان الاستماع وسيلة لتحقيق الفهم* فإن الكلام وسيلة للإفهام. والفهم والإفهام طرفا عملية الاتصال* ويتسع الحديث عن الكلام ليشمل نطق الأصوات والمفردات والحوار والتعبير الشفوي. ولقد سادت ميدان تعليم اللغات الأجنبية أفكار معينة تركت صداها في عملية تدريس الكلام* وكان كثير من هذه الأفكار خاطئاً وتسبب في تخبط جهود تدريس الكلام في كثير من البرامج. من هذه الأفكار أن تعليم الدارس كيف يطرح سؤالاً وكيف يجيب عليه مهارتان كفيلتان بتنمية قدرته على الكلام.
وهناك بلا شك فرق كبير بين تنمية القدرة على إجراء حوار وبين طرح الأسئلة والإجابة عليها. من هذه الأفكار أيضاً أن تنمية قدرة الدارس على الكلام يمكن أن تتحقق بأن يحفظ كثيراً من الحوارات* فنماذج الحوارات تشتمل على مختلف الصيغ والتراكيب التي يحتاج إليها الدارس مثل النفي والإثبات والتعجب والاستفهام* وغير ذلك من أساليب ترتفع بمستوى أداء الدارس* ومثل هذه الأفكار تستند إلى منطلق مؤداه أن الدقة في الأداء اللغوي شرط لحسن الكلام* وهو ما لا يتفق مع واقع الحياة. فالكلام كنشاط اتصالي عبارة عن حوار يدور بين فردين يتبادلان الأدوار* فالفرد قد يكون متكلماً ثم يصير مستمعاً وهكذا* والمتكلم كما نعلم يستعين بتوصيل رسالته بألفاظ وجمل وتراكيب* فضلاً عن اللغة المصاحبة Paralinguistics التي تشتمل على الإيماءات والإشارات واللمحات وغيرها من حركات يستخدمها المتكلم لتوصيل رسالته. ولاشك أن الحرص على توافر الدقة اللغوية فقط سوف يكون على حساب قيمة القدرة الاتصالية أي القدرة على أن يكون طرفاً حقيقياً في عملية الاتصال. إن التركيز في الطرق السابقة عند تدريس الكلام هو على بنية اللغة* وليس على مدى مناسبتها للسياق* بل إن بعض كتب تعليم اللغات تورد الحوار بين أشخاص لا أسماء لهم.. وإنما يكتب بدلاً عنها رموز مثل أ* ب... إلخ. وهذا يتنافى مع الاتصال الحقيقي الذي يختلف فيه الحوار باختلاف أطراف الحديث* إن مجرد نطق جمل وعبارات لا يعني أن مهارة الكلام قد أمكن تنميتها* فلقد يستطيع فرد أن يوصل رسالته مع ما فيها من أخطاء محدودة.
ويميز ويدوسون بين ثلاثة مصطلحات في مجال تعليم الكلام* هي :
الكلام Speaking ويقصد به القدرة على الاستخدام الصحيح للغة Usage بينما يقصد بالتحدث Talking القدرة على الاستعمال المناسب للغة في سياقها والتحدث هنا ــ بخلاف الكلام ــ يشمل اللغة اللفظية واللغة المصاحبة. وعندما يؤدي أحد أطراف عملية الاتصال دور المتكلم* فإن الجانب الإنتاجـي في الموقف يطلق عليه ويدوسون لفظ القول Saying(45).
ولهذا بالطبع تطبيقات في خطوات تعليم الكلام* والسياق مهم جداً في بيان الأدوار طرفي عملية الكلام. إن تدريس الكلام في شكل حوارات صماء ومنفصلة عن محيطها الذي صدرت فيه من شأنه الفصل بين الشكل والمعنى في عملية الاتصال. وقديماً قيل : لكل مقام مقال* ولهذا المثل تطبيقاتـه الواضحة في تعليم مهارات الكلام في المدخل الاتصالي. ولعل هذا ترجمة صادقة* وسابقة* لمفهوم مدخل الوظائف والأفكار العامة Notional-Functional وهو أساس المدخل الاتصالي.
وأخيراً... فلا ينبغي أن تطرح في المدخل الاتصالي* قضية مدى الحاجة إلى تعليم مهارات الكلام* بحجة أن من الصعب التنبؤ بأن الدارس سوف يواجه موقفاً يحتاج فيه للاتصال الشفوي مع الناطقين باللغة (العربية) فلئن صح هذا بالنسبة إلى دارس معين فلا يصح تعميمه بالنسبة لمجتمع الدارسين ككل* فسوف تحتاج طائفة منه إلى الكلام مع الناطقين باللغة في وقت ما.
المهارات الصوتية إذن لها مكانها الواضح في المدخل الاتصالي.

القراءة

القراءة نشاط* تتصل العين فيه بصفحة مطبوعة* تشتمل على رموز لغوية معينة يستهدف الكاتب منها توصيل رسالة إلى القارئ* وعلى القارئ أن يفك هذه الرموز* ويحيل الرسالة من شكل مطبوع إلى خطاب خاص له. ولا يقف الأمر عند فك الرموز وفهم دلالاتها* وإنما يتعدى هذا إلى محاولة إدراك ما وراء هذه الرموز* والقراءة بذلك عملية عقلية يستخدم الإنسان فيها عقله وخبراته السابقة في فهم وإدراك مغزى الرسالة التي تنتقل إليه.
ولعل التعريف الإجرائي الذي قدمته الرابطة القومية لدراسة التربية NSSE في أمريكا يوضح طبيعة عملية القراءة. يقول التعريف : >إن القراءة ليست مهارة آلية بسيطة* كما أنها ليست أداة مدرسية ضعيفة. إنها أساساً عملية ذهنية تأملية* وينبغي أن تبنى كتنظيم مركب يتكون من أنماط ذات عمليات عليا* إنها نشاط ينبغي أن يحتوي على كل أنماط التفكير والتقويم* والحكم* والتحليل والتعليل* وحل المشكلات<(46).
ويعتبر جودمان K. S. Goodman أن القراءة بوصفها عملية استقبال تنطوي على أربع مراحـل أو عمليات هي : اختيار عينات المادة المقروءة* ويسميها جودمان Sampling* والتثبت من الرموز المقروءة ويسميها Confirming* والتنبؤ بما يريده الكاتب* ويسميها جودمان Predicting* وأخيراً اختبار الفروض التي طرحها القارئ ويسميها جودمان Testing وفي تصور جودمان تختص العمليتان الأوليان (اختيار العينة والتثبت) بالجانب الفسيولوجي في القراءة. أي اتصال العين بالرموز المطبوعة* ومحاولة فكها* إذ هي التي تعطي إشارة للمخ كي يفسر هذه الرموز* بينما تختص العمليتان الأخريان (التنبؤ والاختبار) بالجانب الفعلي. والعمليتان الأخريان يصفهما سميث Smith بأنهما "معلومات غير بصرية" Non-visual information(47).
والقارئ حين يتصل بمادة مطبوعة* فإنما يفعل ذلك لهدف* وقد يكون هدفاً عقلياً* يتمثل في الرغبة في الحصول على المعرفة لتوسيع أفقه* وقد يكون هدفاً عملياً* يتمثل في الرغبة في أداء شيء ما* وقد يكون وجدانياً يتمثل في الرغبة في إشباع الحاجات الوجدانية عند الفرد. هذه الأهداف الثلاثة هي ما يحددها هوايت تفسيراً للغرض العام من القراءة* وهو الحصول على المعلومات والمعارف. ويطلق هوايت على هذه الأهداف الثلاثة : الهدف العقلي Intellectual أو المعرفي Cognitive* الهدف الواقعي Factual أو المرجعي Referential والهدف الوجداني Affective أو الانفعالي Emotional* ويرى أن باقي أهداف تعليم القراءة يمكن أن تندرج تحت هذه الأهداف الثلاثة(48).
وسواء وافق الخبراء على هذا الرأي المجمل* أم فصلوا القول فيه فإن ما يلفت هوايت نظرنا إليه هو أن القارئ لا يقرأ إلا لهدف* حتى ولو كان الهدف للمتعة الشخصية* فالقارئ فرد يعبر سلوكه عن رغبات ومقاصد معينة* وحاجات يريد إشباعها وليس الأمر مجرد استرجاع رموز ذات دلالات مشتركة عند جميع القراء.
عملية القراءة إذن عملية فردية تخص القارئ وحده* وتنقل إليه معلومات معينة* ودلالات خاصة قد لا يشاركه فيها غيره* فقد نقرأ جميعاً نصاً معيناً* لكن ليس من اللازم أن نخرج بنفس المعنى وهذا ما يميز فيه الخبراء بين قراءة النص المطبوع Text* وبين قراءة الخطاب Discourse(49).
وهنا تقف عملية تعليم القراءة أمام مدخلين* الأول أن يقتصر الأمر على مساعدة الدارس على فك الرموز وفهمها. وفي هذا المدخل يعطى الدارس نصاً تتبعه أسئلة* تقيس مدى فهمه للنص* أياً كان شكل هذه الأسئلة* ولا يهتم هذا المدخل بما وراء النص كثيراً.
وهذا المدخل هو ما يسميه هوايت أيضاً بالمدخل التعليمي Pedagogical Approach* في مقابل المدخل الثاني وهو المدخل الاتصالي Communicative Approach وفيه يتأكد المعلم أولاً من أهداف الدارس من القراءة أو على الأقل يستثير فيه أن الفرد يريد القراءة ليشبع حاجة وليسد فراغاً يسمى في علوم الاتصال بفجوة المعلومات Information Gap.
وتعليم القراءة في المدخل الاتصالي يهتم في الدرجة الأولى بتحديد الهدف من القراءة* ليس هذا فقط* بل التفكير في أشكال الأداء الأخرى التي يرجى من الدارس أن يقوم بها سواء أكانت تحديد مكان على خريطة أو اتخاذ قرار* أو قراءة شيء آخر أو إجراء حوار أو غير ذلك من أداءات* هذه العملية هي ما يطلق عليه تحويل الرموز وهي عملية تربط بين اللغة المطبوعة وبين أشكال الاتصال الأخرى.
يضاف إلى ذلك مساعدة الدارس على الإدراك المتعمق لما ورد بالرسالة المقروءة* إن من الأمور الهامة في تدريس القراءة في المدخل الاتصالي تدريب الدارس على استخدام القرائن المختلفة في سبيل استيعاب النص المقروء. ومن هذه القرائن شكل الرموز نفسها* ومعناها القاموسي ودلالاتها الثقافية* فضلاً عن طريقة بناء الجمل والتراكيب* كل هذه إشارات أو قرائن تساعد في فهم الرسالة* ويطالب الدارس بأن يكتسبها حتى يستقل بنفسه بعد ذلك في تحصيل المعرفة. هذا فضلاً عن تنمية قدرة الدارس على التنبؤ بما سوف يقوله الكاتب. إن القراءة عملية عقلية تشتمل على مجموعة افتراضات ينبغي أن يختبرها الدارس وأن يدرب على ذلك.

الكتابة

الكتابة كالقراءة نشاط اتصالي ينتمي للمهارات المكتوبة* وهي مع الكلام نشاط اتصالي ينتمي إلى المهارات الإنتاجية. وإذا كانت القراءة عملية يقوم الفرد فيها بفك الرموز Decoding وتحويل الرسالة من نص مطبوع إلى خطاب شفوي* فإن الكتابة عملية يقوم الفرد فيها بتحويل الرموز من خطاب شفوي إلى نص مطبوع. إنها تركيب للرموز Encoding بهدف توصيل رسالة إلى قارئ يبعد عن الكاتب مكاناً وزماناً. وفي ضوء المدخل الاتصالي يتحمل المعلم مسئولية تدريب الدارس على تملك مهارات توصيل الرسالة في شكل مطبوع* ولئن كان معيار الصواب في تقويم الكتابة في ضوء المدخل التقليدي لتعليم اللغة هو الدقة اللغوية وتجنب الأخطاء. فإن معيار الصواب في تقويم الكتابة في ضوء المدخل الاتصالي هو مدى القدرة على توصيل الرسالة* وتصدق هنا نظرية فجوة المعلومات التي سبق الحديث عنها في القراءة. إن الموقف الطبيعي في الكتابة يتمثل في أن فرداً لديه ما يريد قوله مما لا يعرفه القارئ كاملاً أو لا يتوقعه عادة بالطريقة التي كتبت بها. الكاتب يشعر بحاجة إلى تبليغ فكرة لطرف آخر* ولا يشعر براحة إلا حين يصب فكرته على الورق. والمشكلة التي تواجه تعليم الكتابة في الفصول التقليدية لتعليم اللغة هي اصطناع مواقف للكتابة* لا يشعر الدارس فيها بهدف حقيقي للكتابة* ومن ثم يضطر للكتابة بغرض الكتابة ذاتها إرضاء للمدرس ومجاراة للموقف التعليمي* أما في المدخل الاتصالي فيحرص المدرس على توفير الظروف التي تجعل موقف تعليم الكتابة في الفصل قريباً من الموقف الطبيعي للاتصال بالكلمة المكتوبة وفجوة المعلومات بالنسبة للكتابة ذات وظيفة كبيرة في تعليم مهاراتها للدارسين* إذ تساعد على تدفق المعلومات بشكل طبيعي Genuine information flow بين الدارسين حيث يجهل كل دارس ما يريد الآخر كتابته. كما يساعد على تقويم ما كتب في ضوء قدرته على توصيل الرسالة* ويضرب جونسون مثالاً لذلك حين يقدم لأحد الدارسين معلومات معينة يطلب منه كتابتها* ثم يكلفه بتوصيلها للدارس الآخر* ويكلف هذا الدارس الآخر بعد ذلك بتوصيلها للدارس الرابع.. وهكذا يؤدي كل دارس دورين* دور المستقبل للرسالة* ودور المرسل لها بشكل مكتوب(50).
وعند تقويم طريقة كتابة الفقرات* يقترح جونسون معيارين : الأول ويسميه التماسك اللغوي Cohesion ويقصد به مدى ترابط الجمل لتكون بنية لغوية صحيحة ولتشكل وحدات لغوية (أو نحوية). والثاني ويسميه الترابط المنطقي Coherence ويقصد به طريقة تنظيم هذه الجمل لتشكل وحدات ذات معنى. القدرة إذن على توصيل المعنى وتحقيق هدف معين هي الأساس في توجيه النشاط الكتابي في المدخل الاتصالي. وفي ضوء هذا المدخل كما سبق التمثيل* يتبادل الدارسون الأدوار. فالدارس مرة كاتب يوصل رسالة معينة* ومرة أخرى قارئ. وفي واقع الأمر فإن الكاتب قارئ أيضاً إذ يعود لقراءة ما كتب فترة بعد أخرى* إكمالاً لعبارة أو فكرة أو تصحيحاً لمفهوم أو تأكد من شيء أو غير ذلك من أسباب* وفي حصة تدريس الكتابة* شأن المهارات الأخرى* تتكامل هذه المهارات.
ويميز تشارلز بروجرز ورونالد لنسفور في كتابهما "الكتابة فن اكتشاف الشكل والمعنى" والذي نشر تقرير عنه بمجلة الفيصل السعودية* ميزا بين ثلاثة أنواع رئيسية من الكتابة هي :
ــ الكتابة التعبيرية : وفيها يعبر الفرد عن أفكاره الذاتية الأصلية* ويبني أفكاره وينسقها وينظمها في موضوع معين بطريقة تسمح للقارئ أن يمر بالخبرة نفسها التي مر بها الكاتب (وهذه هي ما تسمى في التربية بالكتابة الإبداعية).
ــ الكتابة المعرفية : وفيها يستهدف الفرد نقل المعلومات والمعارف وإخبار القارئ بشيء يعتقد الكاتب أن من الضروري إخباره به* وتستلزم هذه الكتابة المعرفية تفكيراً تحليلياً وقدرة على إكساب معنى لأشياء لا معنى لها في حد ذاتها. والمطلوب من كاتب المقال المعرفي أن يعرف قارئه جيداً* وأن يدرك حاجاته ورغباته. إن الكتابة المعرفية تفقد أهميتها ومغزاها إذا لم تتضمن معلومات وحقائق وأخباراً (وهذه الكتابة تشبه ما يسمى بالكتابة الوظيفية).
ــ الكتابة الإقناعية : وهي تتفرع من الكتابة المعرفية* وفي الكتابة الإقناعية يستعمل الكاتب العديد من الطرق لإقناع القارئ بوجهة نظره* مثل المحاججة وإثارة العطف ونقل المعلومات بطريقة تؤثر لصالح موقـف معين واستخدام الأسلوب الأخلاقي. إنه يلجأ إلى المنطق والعاطفة أو الأخلاق* وربما إلى الدين لإقناع القارئ بآرائه(51).
الكتابة إذن ليست عملية آلية بحتة* يكتفى فيها برص مجموعة من الكلمات لتكون جملاً والجمل لتكون فقرات والفقرات لتكون موضوعاً.. إن الكتابة عملية إبداعية ينبغي على المعلم تعريف الدارس بأبعادها. فيجدر به أن يسأل نفسه دائماً قبل أن يكتب : لماذا أريد أن أكتب ؟ ما الذي أود التعبير عنه ؟ ثم لمن أوجه هذه الكتابة ؟
وتعليم الكتابة في المدخل الاتصالي يستلزم تدريب الدارس على اكتساب خبرات في المراحل المختلفة للكتابة* بدءاً من مرحلة ما قبل الكتابة التي يجمع فيها الدارس بيانات عما يريد أن يكتب حوله* وانتهاء بمرحلـة التعديل والتجديد* والتي يعيد فيها الدارس النظر فيما كتبه تطويراً وتحسيناً له.
أما الحديث عن أنواع الكتابة* فليس هذا مجال الإفاضة فيه* إذ هناك أنواع مختلفة تندرج تحت مفهوم الكتابة* منها الخط بنوعيه (النسخ والرقعة)* ومنها الإملاء بأنواعها (منقول* منظور* اختباري) ومنها التعبير بأنواعه (المقيد* الموجه* الحر)* ولكل من هذه الأنواع أهداف وأساليب تدريس فصلتها كتب طرق تدريس اللغة العربية.

القواعد

يتبين من التعريفات السابقة للغة أن اللغة ليست مجرد مجموعة عشوائية من الأصوات والحروف والمفردات والتراكيب والجمل* إن لها نظاماً. والحديث عن نظام اللغة يعني أن هناك مجموعة من القواعد اللغوية التي تحكم ظاهرة اللغة* والقواعد اللغوية هنا مفهوم أوسع من مفهوم النحو. ويطلق على القواعد اللغوية عادة مصطلح Grammar* بينما يطلق على النحو مصطلح Syntax يقول ديكنز وزميله رودز : >إن المبادئ اللغوية تنضم بعضها إلى بعض لتكون نظاماً* هو القواعد التي تقدم وصفاً واضحاً صريحاً وشاملاً لكل جملة تتكون من مجموعها اللغة<(52).
القواعد اللغوية* وليس مجرد النحو* هي العمود الفقري في أي لغة* ولقد ساد هذا التصور بين المشتغلين بتعليم اللغات إلى الدرجة التي اعتبرها البعض مساوياً لتعلم اللغة. ولقد سبق مناقشة مفهوم لنت Lent لمهارات الاتصال* حيث قرر فيه أن مهارات الاتصال عبارة عن قدرة الفرد على تكييف القواعد اللغوية* واستخدامها. وينتشر هنا التصور بين كثير من الدارسين* والمعلمين* والخبراء في تعليم اللغات الأجنبية* فتعلم اللغة عند هؤلاء يعني القدرة على استظهارها* واسترجاعها قاعدة قاعدة. وانعكس هذا التصور بالطبع على كل ما يختص بالعملية التعليمية بدءاً من المنطلقات وانتهاء بأساليب التقويم.
فمن حيث المنطلقات يرى إيجر Ager أن الفرق بين اكتساب اللغة وبين تعلمها يكمن في أن الأول Acquisition يتميز بالتعرض الكامل للغة واستعمالها* بينما يتميز الثاني Learning بالدراسة المنظمة للقواعد اللغوية(53).
ويضيق المصطلح عند آخرين فيقصد به القواعد النحوية* ولا يقتصر هذا التصور على الكتابات الغربية بل يمتد إلى تراثنا العربي. ففي تراثنا أيضاً تصور بأن القدرة التواصلية يمكن أن تتم للفرد إذا تمكن من قواعد اللغة خاصة النحو. يقـول الـدكتور محمد الأوراغي في كتابه : "اكتساب اللغة في الفكر العربي القديم" : >إن مما يمكن من فهم اللغة أو معرفتها أو اكتسابها توسيع الرؤية إلى الموضوع بحيث يكون المطروح نشأة القدرة التواصلية لدى الإنسان* ويكون السؤال الموجه هو أنىَّ للفرد المهيأ للتكلم من أن يبني نحواً يعمل به أبنية أو صوراً قولية ويبلغ بواسطتها إلى غيره ما يريد أن يفهمه إياه* ويفهم بها ما يبلغه من غيره ؟ إذن الأشكال الرئيسية في الموضوع هي بيان حصول النحو في نفس المتكلم وإذا حصل له يكون قد امتلك قدرة تمكنه من العمل التواصلي* لذا يكون تعلم اللغة مرادفاً لامتلاك الإنسان قدرة نحوية لم تكن له من قبل<(54).
بالرغم من هذه العلاقة بين تعلم اللغة وتملك القدرة النحوية والتي سادت في تراثنا* إلا أننا نجد في تراثنا أيضاً من يفصل بين الأمرين.
إن ابن خلـدون مثلاً بناء على نظرته للملكة اللسانية يرفض ابتداء أن يكون للنحو صلة بالكلام.
ويقرر ذلك تقريراً حاسماً بقوله : >فمن هذا تعلم أن تلك الملكة هي غير صناعة العربية* وأنها مستغنية عنها بالجملة< وقدم قبل ذلك أساس هذا الرفض بقوله : >وهكذا العلم بقوانين الإعراب مع هذه الملكة في نفسها* فإن العلم بقوانين الإعراب إنما هو علم بكيفية وليس هو نفس الكيفية<(55).
هناك في رأي ابن خلدون إذن فرق بين "الملكة اللسانية"* أي القدرة على استخدام اللغة وبين "صناعة العربية" أي الانخراط في قضايا النحو والإعراب.. هذا الفرق هو ما يسميه الدكتور محمد عيد بالفرق بين نحو اللغة ونحو الصنعة في دراسة له قدمها لمؤتمر اللغة العربية في الجامعات بالإسكندرية 1981. في دراسته تلك يحدد الدكتور محمد عيد خصائص نحو اللغة قائلاً : إن نحو اللغة هو نحو اللباب والجوهر دون تفريط أو إفراط وأهم سماته :
1. المحافظة على المادة الأساسية في كتب النحو التي تخدم النطق.
2. المحافظة على مصطلحات النحو المتعارف عليها من المشتغلين بالعربية قديماً وحديثاً.
3. المحافظة على نصوص النحو الموثقة نثراً وشعراً لما لها من صلة بتكوين ملكة اللسان لدى المتعلمين.
4. التركيز على تكوين الملكة اللسانية بالتدريب على النصوص والتطبيق عليها وكثرة الجداول الشارحة التي تستقرأ منها النصوص.
5. اعتماد عرض النحو على الاستقراء والاستنباط من النصوص المختارة والأمثلة التي تحمل لغة عصرنا وثقافته بدلاً من المعايير والقوانين.
إنه ببساطة النحو الخالي من الفضول والمماحكات المستنبطة من اللغة لخدمة استعمالها نطقاً وقراءة وكتابة. أما نحو الصنعة فمن سماته العلل الجدلية النظرية التي لا جدوى منها لدارس النحو. ومن مظاهـر نحو الصنعة أيضاً الجدل الذهني العقيم حول مسائل النحو ونصوص الشواهد(56).
ما معنى ذلك في تعليم الدارسين النحو العربي ؟ معناه ببساطة أن هناك فرقاً بين نظريتين للنحو* الأولى ترى أنه غاية والأخرى ترى أنه وسيلة. فهو غاية عندما نجد الكتاب يصرف الجهود لتعليم متاهاته* وتأويلاته* وتقديراته. ويقدم أمثلة واستشهادات ليست من الحياة* ويركز على شرح القاعدة دون التدريب عليها أحياناً* وهنا ينصرف الشكل عن المعنى.
والنحو وسيلة عندما نجد الكتاب يقدمه كوسيلة لصحة الأسلوب وسلامة التراكيب وتقويم اللسان من الاعوجاج والزلل* هنا يقدم النحو من خلال نصوص موثقة أو قراءة نصوص أدبية* فاللغة كما يقولون أقدم من قواعدها وأوسع من معاجمها* ولقد أدرك الجاحظ هذه المشكلة من قديم* حين ميز أيضاً بين النحو كوسيلة والنحو كغاية واعتبر النحو كغاية مضيعة لوقت الصبى وشغلاً له عما هو أولى به. يقول الجاحظ : >أما النحو فلا تشغل قلبه ــ أي الصبى ــ إلا بمقدار ما يؤديه إلى السلامة من فاحش اللحن* ومن مقدار جهل العوام في كتاب* إن كتبه وشعر إن أنشده* وما زاد على ذلك فهو مشغلة للصبى عما هو أولى به<(57).
النظر إلى النحو بوصفه غاية أو وسيلة هو محور الخلاف بين طرق تعليم اللغات الأجنبية من حيث موقع القواعد النحوية فيها. فالنحو في بعضها يمثل الأساس الذي يستند إليه تعليم اللغة (طريقة النحو والترجمة)* والنحو في بعضها الآخر يمثل أحد الأسس ولكن أن يعلم بطريقة غير مباشرة (السمعية الشفوية.... )* والنحو في بعضها الثالث لا يعلّم وإنما يكتسب بالمران على استخدام اللغة في مواقف طبيعية (الطريقة المباشرة). ولقد انبثق هذا الأسلوب من فكرة جون لوك التي يرى فيها منذ القرن السابع عشر >أن تعلم اللغة يتم بالتحدث مع الأطفال بواسطة المحادثة المستمرة وليس بواسطة القواعد النحوية<(58).
ولعل عبارة جون لوك السابقة توحي لنا بتصور عن العلاقة بين النحو والاتصال* مؤداه أنهما عمليتان منفصلتان تستقل كل منها عن الأخرى وليستا عملين متكاملين ولازمين للاستخدام الفعال للغة* ساد هذا التصور بين كثير من خبراء تعليم اللغات الأجنبية إلى الدرجة التي صار النحو فيها يعلم أحياناً منفصلاً تمامـاً عن الحياة* فيعنى بالممارسة اللغوية الشكلية بعيداً عما له وجود حقيقي في الحياة. انفصل النحو عن السياق الاجتماعي* بدلاً من أن يتدرب الدارس على الممارسة العملية للغة مدركاً من خلالها أنماطها وقواعدها.
وهذا هو الملمح الأساسي من ملامح تدريس النحو اتصالياً* في المدخل الاتصالي يحرص مؤلف الكتاب على جعل حجرة الدراسة قريبة ما أمكن من السياق الاجتماعي الذي تستخدم فيه اللغة... وفي هذا الصدد يميز ديكنز وودز بين محتوى النحو Content* وأسلوب تقديمه أو طريقة بنائه Construct.
والعبرة في المدخل الاتصالي ليست بالموضوعات النحوية التي تقدم* وإنما بالسياق الذي تقدم فيه. وهنا يظهر مفهوم مطالب تعلم النحو Grammar Learning Tasks التي يقدمها المؤلفان بوصفها سمة أساسية من سمات تدريس النحو في المدخل الاتصالي. ويقصد بالمطالب هنا ما يرجو المؤلف من الدارس عمله حتى يكتسب تلقائياً مهارة إدراك القاعدة النحوية واستخدامها(59).
ينبغي* في ضوء المنهج الاتصالي* أن تكون التراكيب اللغوية التي يشتمل عليها الدرس مؤشراً صادقاً للسياق الاجتماعي الذي استخدمت فيه مثل :
ــ العلاقة بين أهداف الحوار. فصيغة الأمر مثلاً تأخذ معنى عندما يطلب كبير من صغير شيئاً* بينما تأخذ معنى آخر عندما يرجو صغير من كبير شيئاً. واللغة المستخدمة من رئيس لمرءوس تختلف عن اللغة المستخدمة من مرءوس لرئيسه* والنحو في المدخل الاتصالي مؤشر صادق لهذه العلاقة.
ــ الموضوع الذي يناقش بين الأفراد. أو الذي يدور حوله النص* فهناك موضوعات تشيع فيها لغة الرجاء* وهناك موضوعات تشيع فيها لغة الوصف.. وللموضوع* كما نعلم* سمات تفرض نفسها على اختيار التراكيب وليس المفردات فقط.
ــ الوقت والظروف التي تدور فيها الأحداث* وكذلك الحالة المزاجية لأطراف الحوار فاللغة التي تصدر عن رجل غاضب تختلف عما يصدر عنه في حالة الرضا* وكذلك الاتجاهات النفسية للأفراد أطراف الحوار.
ولا يعترف المدخل الاتصالي إذن بقواعد شكلية* وصيغ مطلقة للنحو* وإنما يربط هذا بالسياق ويساعد الدارس على تعلمه من خلال هذا السياق.
وتقديم القواعد النحوية في المدخل الاتصالي يخضع لمجموعة من المعايير التي عالجها عدد من خبراء تعليم اللغات الأجنبية سنقتصر فيما يلي على عرض هذه المعايير عند اثنين منهما :
(أ) يرى شيلدون أن من أهم معايير تقديم النحو اتصالياً ما يلي :
1. التحديد الدقيق لشخصية مستعمل اللغة* أي شخصية أطراف الحوار. إن هناك متغيرات كثيرة تلعب دورها في بنية اللغة المقدمة* منها السن والثقافة ومستوى التلميذ اللغوي عند الدخول في برنامج تعليم اللغة* والمستوى المطلوب توصيله له.
2. الصلة Linkage ويقصد بذلك كيفية ارتباط وحدات النحو في الكتاب الذي يدرس.
3. اختيار وتدرج الوحدات اللغوية Selecting and grading language items.
الكفاية Sufficiency ويقصد بذلك ما إذا كان الكتاب كافياً إذا اعتمد عليه الدارس وحده(60).
(ب) أما وليامز فيقدم أربعة معايير :
1. التأكيد على القدرة الاتصالية في تدريس وحدات النحو (قواعد اللغة).
2. تقديم عدد كاف من الأسئلة يوضح السمات الرئيسية للتركيبات اللغوية التي يراد تدريسها.
3. بيان أنواع الإجابات المطلوبة في التدريبات المقدمة بوضوح.
4. اختيار التراكيب اللغوية بناء على دراسات توضح الفروق بين ثقافة كل من اللغتين* لغة الدارس واللغة الأجنبية.


الفصل السادس
تطبيقات وتوجيهات


إعداد المواد التعليمية

في ضوء المفاهيم السابقة يطرح السؤال الآتي نفسه : كيف لهذه المفاهيم أن تجد طريقها للمواد التعليمية خاصة الكتاب المدرسي لتعليم العربية كلغة أجنبية ؟
فيما يلي مجموعة من التطبيقات التي تشكل أساساً من أسس بناء قائمة المعايير ومصدراً من مصادرها :
1. إن هناك فرقاً بين صورتين لتعليم اللغة اتصالياً. هناك الصورة الضعيفة* وهي التي يتم فيها تزويد الدارس بمجموعة فرص لاستخدام اللغة في الاتصال. وهناك الصورة القوية* وهي التي تستثار فيها الإمكانات اللغوية عند الدارس في مواقف اتصال طبيعية. إن هذا هو الفرق بين تعليم الاتصال من خلال اللغة* وبين تعليم اللغة من خلال الاتصال. والكتاب الجيد هو الذي تسود فيـه الصورة القوية لتعليم اللغة اتصالياً* فتكثر فيه الفرص التي يتم فيها توظيف المصادر اللغوية* والثقافية المتاحة في المجتمع حتى يمكن للدارس أداء المهام الاتصالية التي يكلفون بها في المهارات اللغوية المختلفة.
2. إن هناك نوعين من الاتصال : اتصال بين الفرد ونفسه Intralingual Communication وهو الذي يدور داخل عقل الفرد في أثناء علاقته بالآخرين* وتبادله وجهات النظر معهم وهناك اتصال بين الفرد والآخرين Interlingual Communication* وفيه يتم تبادل المعلومات والمعارف بين فرد وآخرين. والكتاب الجيد هو الذي يساعد على تنمية كل من النوعين عند الدارسين باللغة العربية* فيدرب الدارس على التفكير بالعربية ويدربه أيضاً على تبادل الآراء مع غيره بالعربية.
3. إن مواقف الاتصال التي يستخدم الفرد اللغة فيها مواقف غير محدودة* ومن غير الممكن استيعاب الكتاب لها* وتدريب الدارس على المرور بها جميعاً. من هنا تصبح تنمية القدرة على الاختيار بين البدائل والتكيف مع مواقف الاتصال الجديدة هدفاً أساسياً من أهداف تعليم اللغة في الكتاب الجيد.
4. إن المادة التعليمية الجيدة هي التي تحول الكفاية اللغوية عند الدارسين إلى كفاية اتصالية حسب ظروف كل مجموعة* فقد يكون من بينهم من لديه خبرة سابقة محدودة باللغة* وقد تختلف أهدافهم من تعلم اللغة* وقد تتفاوت قدراتهم ودوافعهم إلى غير ذلك من متغيرات يجب أخذها في الاعتبار عند إعداد المادة التعليمية بحيث تناسب كل فئة منهم.
5. ينبغي بناء المادة التعليمية على أساس التحليل الدقيق للحاجات اللغوية عند الدارسين* وتحويل هذه الحاجات إلى وظائف لغوية تشبعها المادة التعليمية المقدمة في الكتاب.
6. ينبغي أن يؤدي الكتاب ثلاث وظائف أساسية بالنسبة للمادة التعليمية :
الأولى : تقديم نماذج منها.
الثانية : تمكين الدارس من ممارستها.
الثالثة : تدريب الدارس على إنتاج مثلها.
7. ينبغي استثارة دوافع الدارسين على تعلم اللغة* وذلك بتعريفهم بأهداف الدارس* وموقع هذه الأهداف من مواقف الاتصال الحقيقية في الحياة. إن الكتاب الجيد هو ذلك الذي يتعرف الدارس من خلاله على أهداف كل أداء لغوي مطلوب منه القيام به* أو كل معلومة مطلوب منه أن يعرفها سواء نص الكتاب عليها صراحة* أو استنتجت من ثناياه.
8. إن هناك فرقاً بين معنى الجملة* والطريقة التي تستخدم بها في سياقات معينة. إن هناك عدة طرق وأساليب لأداء اللغة في الحياة* والمطلوب أن تعرف هذه الطرق والأساليب* وليس مجرد معرفة المفردات والتراكيب والجمل. والكتاب الجيد هو ذلك الذي يقدم للدارس الطرق التي تستخدم بها هذه الجمل في الحياة* وليس المقصود هنا مجرد المفردات أو الجمل التي تتكون منها* وإنما أيضاً الإشارات المصاحبة لاستخدام هذه المفردات والجمل* أو ما يسمى باللغة المصاحبة التي سبق الحديث عنها.
9. ينبغي أن يحرص الكتاب على توجيه الدارسين إلى أن الاهتمام يجب أن ينصب على المعنى وليس على البراعة اللفظية ! لا انفصال في المدخل الاتصالي بين الشكل والمعنى والتركيز هنا ينبغي أن يكون على نقل الأفكار والتعبير عنها وتحقيق هدف المرسل من رسالته.
10. ينبغي قياس قدرة الدارسين باستمرار على إدراك موقع الحرف والكلمة والجملة في إتمام عملية الاتصال بشكل معين.
11. ينبغي اعتماد الكتاب على نصوص أصلية موثقة* فهي أقرب إلى الحياة وأصدق في التعبير عنها* مع تعديل ما يلزم تعديله من أجل أن يصلح لتأدية الأغراض التعليمية والتدريبات.
12. ينبغي تقديم نماذج من المواد الأصلية Authentic materials التي تستخدم في المجتمع حتى يتعرف الدارس على أشكال هذه المواد في الحياة وأسلوب التعامل معها. ومن هذه المواد الأصلية :
أ) نشرة أخبار حقيقية.
ب) نسخة من جريدة عربية.
ج) تذكرة لإحدى شركات الطيران العربية.
د) قائمة طعام بأحد الفنادق العربية.
هـ) أغنية من الأغاني العربية.
و) تعليمات تشغيل جهاز باللغة العربية.
ز) خرائط لبلاد عربية.
ح) طوابع بريد عربية.
ط) نماذج لملابس عربية.
13. ينبغي تنويع النصوص والتدريبات اللغوية بحيث تغطي الأنواع المختلفة للكفاية الاتصالية* أو المكونات الأساسية لها وهي :
ــ الكفاية النحوية ــ الكفاية اللغوية الاجتماعية
ــ كفاية التخاطب أو الخطابDiscourse ــ الكفاية الاستراتيجية
14. يخضع ترتيب المهارات اللغوية في الكتاب لاعتبارات خاصة بأهداف البرنامج واحتياجات الدارسين* وليس لاعتبارات تقليدية مطلقة. فقد يبدأ بالاستماع في كتاب بينما يبدأ بالكلام في آخر* ليس هناك إذن* في المدخل الاتصالي* ترتيب مطلق للمهارات اللغوية.
15. ينبغي إبراز التكامل بين المهارات اللغوية بالشكل الذي تتم به في الحياة* فقد يتدرب الدارس على الاستماع من خلال حوار بينه وبين غيره* وقد يتدرب على القراءة من خلال الكتابة... وهكذا.
16. ينبغي أن تتعدد الاستجابات اللغوية التي يدرب الدارس على استخدامها في الموقف الواحد* مثل عبارات الشكر التي ترد في حوارات معينة* مما يعني البعد عن الكليشيهات المحفوظة في كتب تعليم اللغات.
17. ينبغي التخلص من تقديم القواعد اللغوية عن طريق الجمل المصطنعة* أو المعزولة عن سياقها. وأن تكون المادة اللغوية المقدمة في الدرس متاحة للدارس* يستطيع أن يجدها في يسر.
18. يفضل توزيع الظاهرة اللغوية على عدد من الدروس حسب ورودها في مواقف الاتصال* وعدم تركيزها في درس واحد. وعلى سبيل المثال يقدم موضوع العدد في دروس مختلفة* وكذلك أدوات النفي والاستفهام وغيرها. ليس من اللازم إذن أن نأتي على كل جزئيات الظاهرة اللغوية في درس واحد حتى لا يشعر الدارس بالإحباط.
19. ينبغي اختيار المفردات ذات الصلة الوثيقة بمواقف الاتصال* مما يساعد الدارس على أداء الوظائف اللغوية المطلوبة في الموقف الاتصالي* ولا ينبغي في مثل هذا الموقف الاعتماد على القواميس في انتقاء هذه المفردات* وعلى حد قول ساطع الحصري : >إن مثل الذين يتفاخرون بكثرة الكلمات المسطورة في القواميس بدون أن يلاحظوا حيوية تلك الكلمات* وفائدتها كمثل من يتفاخر بسعة بلده* بدون أن يميز بين مساكنها ومدافنها<(61).
20. ينبغي توفير الفرص لكي يتحرك الدارس في أنشطة اتصالية* ومواقف طبيعية تنقل الحياة على قدر الإمكان إلى حجرة الدراسة.
21. ينبغي عدم المبالغة في التوقعات من الدارسين* إن هناك فرقاً بين الكفاية الاتصالية لدى الناطقين بالعربية عندما يستخدمونها* وبين الكفاية الاتصالية لدى الناطقين باللغات الأخرى عندما يستخدمون العربية* حسب الأجنبي أن يقرب من العربي دون توقع له بالوصول إلى مستواه.
22. ينبغي أن تحتل الاختبارات التكاملية مكانها في كتب تعليم اللغة في ضوء المدخل الاتصالي* إذ هي أقدر على قياس الأداء العام في اللغة عند الدارس. من هذه الاختبارات التعبير الشفوي والتحريري* الإملاء* واختبار التتمة.
23. من حيث القدر الذي ينبغي أن يعلّم من اللغة ففيه وجهات نظر نعرضها فيما يلي :
ينص مشروع تحديد العربية الأساسية على أن المفردات الألف الأولى تمكن القارئ من فهم ما يزيد على 80% من مفردات أي نص عادي..
وتنص دراسة أخرى على أنه لو أمكن تعليم أطفال المدرسة الابتدائية من 2000 إلى 2500 كلمة أساسية لاستطاعوا مواجهة كافة احتياجاتهم الاتصالية لو صحب هذه الخبرة تدريب على بناء كلمات جديدة وعلى استخدام القاموس ولاستطاعوا أيضاً إضافة الكلمات التخصصية التي تلزم في مستقبل حياتهم الوظيفية وعلاقاتهم الاجتماعية(62).
ويحدد مناحم منصور هذا القدر بالمعرفة المفيدة ويلتزم بالتعريف الإجرائي "للمعرفة المفيدة" والذي نص عليه القرار رقم 267 الصادر في أغسطس سنة 1957 والخاص بمواصفات العاملين بالخدمـــات الأجنبية بالإدارة الأمريكية. ويقصد بالمعرفـة المفيدة حسب هذا التعريف الإجرائي ما يلي :
>السيطرة الكافية على تراكيب اللغة والرصيد الوافي من المفردات مما يُمكن الدارس من مواجهة متطلبات التعامل مع نماذج من المواقف العادية والمناقشات المهنية في حدود ميدان واحد أو أكثر. بالإضافة إلى القدرة على قراءة الأخبار غير المشبعة بالمصطلحات* وكذلك الكتابات الفنية المتخصصة في مجال واحد على الأقل<(63).
مع هذه الاجتهادات تبقى هناك حقيقة تجعل من الصعب تحديد القدر المناسب بشكل قاطع.. اللغة كلٌّ كبيرٌ تعطيك نفسها وعليك أن تنتقي منها ما يناسب.. يختلف هذا القدر من برنامج لآخر ومن دارسين لآخرين ومن بيئة لأخرى..
من هنا يمكن القول : إن هذا الذي يحتاج إليه الدارسون لتحقيق الاتصال اللغوي في المواقف الاجتماعية التي تتفق مع أهدافهم وخصائصهم* ويستجيب لمتطلبات الحضارة الحديثة ويُمكنهم من القدرة على التعبير الدقيق عن حاجاتهم* هذا القدر هو الذي ينبغي أن يعلَّم...

توجيهات عامة

ينبغي أن يتفهم المعلم التوجيهات الآتية حتى يستطيع تدريب طلابه على الاتصال الفعال :
1. تدريب الطلاب على الاعتماد على ما لديهم من خبرات وتجارب.. فلا يتكلمون عن أشياء لا عهد لهم بها أو لا خبرة لهم عنها لمجرد الرغبة في الكلام.
2. قبول مستويات التعبير التي تصدر عن الطلاب ما دامت الرسالة واضحة وعدم تكليفهم ما يصعب عليهم خاصة في المستوى الابتدائي لتعلم اللغة.
3. تدريبهم على عرض الفكرة بتفصيل أكثر حتى تصل إلى الآخرين.
4. مناقشة المفاهيم الموجودة عند الطلاب والتأكد من صحتها.
5. تدريبهم على إدراك الفروق الدقيقة بين الكلمات المتشابهة* حتى تختار أكثر الكلمات مناسبة لموقف الاتصال.
6. توجيه الطلاب إلى أن الاهتمام يجب أن ينصب على المعنى وليس البراعة اللفظية.
7. تقديم الرسالة من خلال عدة قنوات للاتصال* فقد تصلح إحداها لما لا تصلح له غيرها.
8. التأكد من عدم وجود مشوشات تؤثر على الرسالة.
9. الحرص على استخدام السياق في عرض الأفكار الجديدة حتى تساعد الطلاب على فهمها سواء من خلال تتابع الأحداث أو واقعية السياق.
10. التأكد من فهم الطلاب للفكرة من خلال متابعتهم بالأسئلة أولاً بأول* وتكليفهم بإعادة عرض الفكرة عليه ليتأكد من فهمهم لها.
11. البناء على خبرات الدارسين وتقديم الأفكار الجديدة في عبارات مألوفة حتى لا يجتمع على الطالب صعوبتان* حداثة الفكرة وصعوبة اللفظ.
12. التأكد من وضوح الصوت ومخارج الحروف وتمييزها.
13. دعوة الطلاب الضعاف إلى مراجعة الطبيب للتأكد من سلامة أجهزة الاستقبال (أذن* عين) وأجهزة الإرسال (أحبال صوتية).
14. إشاعة جو من الوئام بين المعلم والطالب.. فالطالب لا يحسن استقبال رسالة من معلم يكرهه.
15. التأكد من أن الطلاب على علم بالأصوات المختلفة وقادرون على التعرف على الفروق بين الأصوات.
16. على المعلــم أن يأخذ في الاعتبار جميع العناصر الموجودة في مجال الاتصال (حجرة الدراسة* الحالة النفسية للطلاب* طبيعة المادة* هدف الاتصال وقت التدريس وغيرها).


المراجع

المراجع العربية
1. أبو خلدون ساطع الحصري : اللغة والأدب وعلاقتهما بالقومية* بيروت* مركز دراسات الوحدة العربية* 1985.
2. أبو الفتوح رضوان وآخرون : الكتاب المدرسي* القاهرة* مكتبة الأنجلو المصرية* 1962.
3. تشارلز بروجرز ورونالد : "الكتابة فن اكتشاف الشكل والمعنى"* عرض وتحليل لنسفورد ياسر الفهد* مجلة الفيصل* الرياض* العدد 166* نوفمبر 1990.
4. حسين حمدي الطوبجي : وسائل الاتصال والتكنولوجيا في التعليم* الكويت* دار القلم* 1982.
5. راجى محمد راموني : "اللغة العربية في الجامعات الأمريكية بين التقليد والتجديد في التربية"* الدوحة* اللجنة الوطنية القطرية للتربية والثقافة والعلوم* العدد 92* السنة العشرون* يناير 1990.
6. رشدي أحمد طعيمه : الأسس المعجمية والثقافية لتعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها* مكة المكرمة* معهد اللغة العربية* جامعة أم القرى* 1982.
7. ----------------- : "نحو أداة موضوعية لتقويم كتب تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها"* المجلة العربية للدراسات اللغوية* معهد الخرطوم الدولي* المجلد الأول العدد الثاني* فبراير 1983م.
8. ----------------- : "اختبار التتمة وتعليم العربية كلغة ثانية"* مجلة معهد اللغة العربية* مكة المكرمة*جامعة أم القرى* العدد الثاني* 1984م.
9. ----------------- : دليل عمل في إعداد المواد التعليمية لبرامج تعليم العربية* مكة المكرمة* معهد اللغة العربية* جامعة أم القرى* 1985م.
10. ----------------- : المرجع في تعليم اللغة العربية للناطقين بلغات أخرى ( جزآن)* مكة المكرمة* معهد اللغة العربية* جامعة أم القرى* 1986.
11. ----------------- : تعليم العربية لغير الناطقين بها* مناهجه وأساليبه* المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة* الرباط* 1989.
12. ----------------- : تحليل المحتوى في العلوم الإنسانية* القاهرة* دار الفكر العربي* 1988.
13. عبده الراجحي : النحو في تعليم العربية لغير الناطقين بها* ندوة تعليم اللغة العربية في ماليزيا الجامعة الإسلامية* كوالالمبور* أغسطس* 1986.
14. محمد الأوراغي : اكتساب اللغة في الفكـر العربي القديم* الرباط* دار الكلام للنشر والتوزيع* 1990.
15. محمد عبد الرؤوف الشيخ : الجانب الثقافي في كتب تعليم اللغة العربية للأجانب في المستوى الأول* رسالة ماجستير* كلية التربية* جامعة طنطا* 1985.
16. محمد عيد : الملكة اللسانية في نظر ابن خلدون* القاهرة* علم الكتب* 1979.
17. محمود أحمد السيد : شؤون لغوية* دمشق* دار الفكر* 1989.
18. -----------: تطوير مناهج تعليم القواعد النحوية* تونس* المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم* 1983.
19. محمود إسماعيل صيني : "إعداد المواد التعليمية لتدريس اللغات الأجنبية* بعض الأسس العامـــة"* مجلة دراسات* كلية التربية* جامعة الملك سعود* الرياض* المجلــد الرابع* 1982.
20. محمود فهمي حجازي : علم اللغة العربية* الكويت* وكالة المطبوعات* 1973.
21. محمود كامل الناقة ورشدي أحمد طعيمه : الكتاب الأساسي لتعليم اللغة العربية للناطقين بلغات أخرى* إعداده وتحليله وتقويمه* مكة المكرمة* معهــد الـلغـة العـربـيـة* جامعة أم القرى* 1983.
22. معهد اللغة العربية : قائمة مكة للمفردات الشائعة* مكة المكرمة* جامـعة أم القـرى* د. ت.
23. مليكة بودالية فريفو : المدرسة الجزائرية من ابن باديس إلى بافــلوف* الجزائر* المؤسســـة الجزائرية للطباعة* 1989.
24. ميشال زكريا : الألسنية وعلم اللغة الحديث* المبادئ والأعلام* بيروت* المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع* 1983.
25. نايف خرما وعلي حجاج : اللغات الأجنبية* تعليمها وتعلمها* الكويت* سلسلة علم المعرفة* العدد* يونيو 1988.

المراجع الأجنبية

26. Abboud, Victoria : A Computer - Assisted Instruction Program in the Arabic Writing System, University of Texas, Texas, U.S.A., 1981.

27. Brown, H.D. : Principles of Language Learning and Teaching, <?xml:namespace prefix = st1 ns = "urn:schemas-microsoft-comتعليم اللغة اتصاليا تأليف رشدي احمد طعيمةffice:smarttags" />Englewood Cliffs, 1980.

28. Brumfit, C. : Communicative Methodology in Language Teaching, Cambridge, Cambridge University press, 1987.

29. Brumfit, C. and K. Johnson, The Communicative Approach to Language Teaching, Oxford, Oxford University press, 1983.

30. Carrol, P. et al. : Interactive Approaches to Second Language Reading, Cambridge, Cambridge University press, 1989.

31. Critchfield, - David - Lawrence : A Field Guide for Continued Study for the Arabic Language in Yemen and Oman, Peacecorps, Washington, D.C., 1979.

32. Crystal, D. : The Cambridge Encyclopedia of Language, Cambridge, Cambridge University Press, 1989.

33. Dickins, P & Woods : زSome Criteria for the Development of Communicative Grammar Tasksس, in TESOL Quarterly, Vol. 22, N! 4, December 1988.

34. Elbashbishy, E. : A Descriptive Study of the Oral Proficiency of Prospective Egyptian Teachers of English as a Foreign Language, Ph. D. Dissertation, University of New Mexico. 1987.

35. Finocchiaro, M. : English as a Second Language from Theory to Practice, New York, Regents Publishing Company, SNC, 1974.

36. Geddes, M. : زListeningس in Johnson K. & K., Morrow (eds), Communication in the Classroom, London, Longman, 1983.

37. Gremmo, M. : زLearning a Language or Learning to Readس in Riley, P. (ed) Discourse and Learning, London, Longman, 1983.

38. Howatt, A. P. : A History of English Language Teaching, Oxford, Oxford University Press, 1974.

39. Jorstad, H. زTesting as Communicationس, in Jarvis, G. (ed) The Challenges of Communication, Skokie Illinois, National Textbook Company, 1974.

40. Johnson, K. : Communicative Syllabus Design and Methodology, Oxford, Perganon Press, 1983.

41. Johnson K. : زWritingس in Johnson, K. & K. Morrow (eds), Communication in the Classroom, London, Longman, 1983.

42. Johnson, R. : The Second Language Curriculum, Cambridge, Cambridge University Press, 1989.

43. Krashen, S. & T., Terrell : The Natural Approach, Language Acquisition in the Classroom, Oxford, Pergamon Press, 1985.

44. Leech, G. & J., Svartvik : A Communicative Grammar of English, Essex, England, Longman, 1982.

45. Morrow, K. & k., Johnson : Communicate 1. Cambridge, Cambridge University Press, 1979.

46. Munly, J. : Communicative Syllabus Design, Cambridge, Cambridge University Press, 1983.

47. Mansour, M. : زArabic, What and When to Teachس in The Teaching of Arabic, Monograph Series on Language and Linguistics, Panel II, Washington, D. C. Georgetown University Press, 1959.

48. Richards, G. & T. Rodgers : Approaches and Methods in Language Teaching, Cambridge, Cambridge University Press, 1986.

49. Riley, P. : Discourse and Learning, London, Longman, 1985.

50. Rivers, W. : Communicating Naturally in a Second Language, Cambridge, Cambridge University Press, 1983.

51. Rivers, W. : Interactive Language Teaching, Cambridge, Cambridge University Press, 1987.

52. Rivers, W. : A Practical Guide to the Teaching of English, Cambridge, Cambridge University Press, 1978.

53. Savignon, S. : Communicative Competence, Theory and Classroom Practice, Reading, Adison - Wesley Publishing Company, 1983.

54. Scott, R. زSpeakingس in Johnson, K. & K. Morrow (eds) Communication in the Classroom, London, Longman, 1983.

55. Sheldon, L. E. : زEvaluation ELT Textbooks and Materialsس in ELT Journal, Vol. 42, N! 4, October 1988.

56. Stern, H. H. : Fundamental Concepts of Language Teaching, Oxford, Oxford University Press, 1983.

57. Steveck, E. W. : A Way and Ways, Rowley, Newbery House Publishers Inc., 1980.

58. ------------------- : Teaching and Learning Languages, Cambridge, Cambridge University Press, 1988.

59. Strickland, R. : The Language Arts in the Elementary School, Lexington, D. C. Heath and Company, 1969.

60. The Encyclopedia Britannica, Vol. 3, Micropedia, 15th ed, 1986.

61. White, R. زReadingس in Johnson, K. & K. Morrow (eds), Communication in the Classroom, London, Longman, 1983.

62. Widdowson, H. C. : Teaching Languages as Communication, Oxford, Oxford University Press, 1981.

63. Wilkins, D. : زSome Issues in Communicative Language Teaching and their Relevance to the Teaching of Languages in Secondary Schoolس in Johnson, K. and D. Rorler (eds) Prespective in Communicative Language Teaching, London, Academic Press, 1983.



(1) محمود فهمي حجازي* 20* ص 10-9.
(2) Crystal, 32, p. 396
(3) Crystal, 32, p. 396
(4) Crystal, 32, p. 396
(5) Crystal, 32, p. 396
(6) Finocchiaro, M. 35, p. 3
(7) محمود أحمد السيد* 17* ص 110.
(8)
رشدي أحمد طعيمة* 11* ص 120-119.
(9) Rivers, W., 50, pp. 107-109
(10) Carroll, &. B., 30, p. 88
(11) Riley, 49, p. 7
(12) حسين حمدي الطوبجي* 4* ص 25.
(13) The Encyclopaedia Britannica, 60, p. 496
(14) The new Encyclopaedia Britannica Macropedia, 104, p. 685
(15) Savignon, S, 53, p. 8
(16) Wilkins, D, 109, p. 30
(17) Wilkins, D, 63, p. 34
(18) حسين حمدي الطوبجي* 4* ص 31.
(19) Rivers, W. & M. Temperly, 52, p. 47
(20) Howatt, A. P. R., 38, p. 193
(21) Stern, H. H., 56, p. 99
(22) Richards, J. C. T. Rodgers, 48, p. 64
(23) رشدي أحمد طعيمة* 10* ص 214.
(24) Richards, J. C. T. Rodgers, 48, p. 65
(25) Crystal, D., 32, p. 375
(26) Howatt, A. P., 38, p. 192
(27) Stern, H. H., 56, p. 113
(28) مليكة بوداليه فريفو* 23* ص 42.
(29) رشدي أحمد طعيمة* 11* ص 119-118.
(30) مليكة بوداليه فريفو* 23* ص 20.
(31) Crystal, D., 32, p. 417
(32) Stern, H. H., 56, p. 229
(33) Crystal, 55, p. 417
(34) Elbashbishy, 34, p. 17
(35) Elbashbishy, E. M., 34, p. 16
(36) Savignon, S., 53, pp. 9-10
(37) رشدي أحمد طعيمة* 11* ص 120.
(38) Stern, H. H., 56, p. 229
(39) محمد عيد* 16* ص 76-75.
(40) Elbashbishy, E. M., 34, p. 43
(41) Howatt, A. P. R., 38, p. 192
(42) Howatt, A. R., 38, p. 279
(43) Widdowson, H. G., 62, p. 60
(44) Geddes, M., 36, p. 79
(45) Widdowson, H. G., 62, p. 59
(46) رشدي أحمد طعيمة* 10* ص 518.
(47) Gremmo, M. J., 37, p. 75
(48) White, R., 61, p. 87
(49) Riley, P., 49, p. 872
(50) Johnson, K., 41, p. 48
(51) تشارلز بروجرز* رونالد لنسفور* 3* ص 93-92.
(52) Dickins, P & Woods, 33, p. 633
(53) Johnson, R. K., 42, p. 161
(54) محمد الأوزاعي* 14* ص 13.
(55) محمد عيد* 16* ص 134.
(56) محمد عيد* 16* ص 3.
(57) محمود أحمد السيد* 17* ص 21.
(58) Howatt, A. R., 38, p. 194
(59) Dickins, P. & E. Woods, 33, p. 633
(60) Sheldon, L. E., 55, p. 242
(61) أبو خلدون ساطع الحصري* 1* ص 73.
(62) Strickland, R. G., 59, p. 401
(63) Mansour, M., 47, p. 86


الباب الثاني

الفصل الأول
مفهوم المنهج وأهمية دراسته


مقدمة

نتناول في هذا الباب عملية بناء مناهج تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها* لأن هذه العملية تعتبر جزءاً أساسياً فى إعداد معلمي اللغة العربية وتكوينهم* وأمراً لا يستغني عنه العاملون في ميدان تعليم اللغة لغير أبنائها* والحديث عن بناء هذه المناهج يشتمل على المضامين التاليـة :
1. مفهوم منهج تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها* ودوره في إعداد معلم اللغة والعوامل المؤثرة في هذا المنهج.
2. أسس بناء المنهج.
3. عناصر بناء المنهج.
4. نماذج لأنواع مناهج تعليم اللغة وتنظيماتها.
وسيتم تناول هذه المضامين والموضوعات بشكل موجز في الفصول القادمة إن شاء الله يتناسب وطبيعة هذا الكتاب كما يتناسب وطبيعة العاملين في هذا الميدان من حيث تنوع مصادر إعدادهم* ومستواهم وخبراتهم وكون بعضهم من الناطقين بالعربية والبعض الآخر من غير الناطقين بها.

أولاً : مفهوم المنهج

بدأت محاولات تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها مستندة إلى تقديم مجموعة من المقررات تتضمن كماً من المعلومات والمعارف التي تتناول طبيعة اللغة العربية وتدور حول قواعدها وتراكيبها بصياغات تقليدية وصعبة مستمدة من كتب في أصول اللغة وفقهها* ثم تطورت هذه المحاولات فأخذت تتجه إلى تقديم مجموعة من النصوص اللغوية التي تختار من وجهة نظر الناطقين بها* أو مما يتوافر منها في البلاد التي تعلم العربية خارج نطاق الناطقين بها* وهي نصوص لا تراعى فيها المبادئ التربوية من حيث مستواها اللغوي ومضامينها الثقافية وارتباطها بحياة دارس اللغة وأغراضه منها* ويدفع الطالب إلى حفظ هذه النصوص وفهمها عن طريق الترجمة* وعادة ما كانت تصحب هذه النصوص قوائم من المفردات التي يطالب الدارس بحفظها وهجائها وكتابتها. ولذا اقتصر مفهوم منهج تعليم اللغة العربية على حفظ النصوص وترجمتها وتحصيل كم كبير من المفردات دون النظر إلى وظائف اللغة الحياتية والاتصالية والأدبية* ولقد ترتب على هذا المفهوم الضيق للمنهج أنه لم يمكن المتعلمين من فهم اللغة استماعًا* ومن التحدث بها أو التعبير بها كتابة* وأقصى ما أمكن لهذا المنهج تحقيقه هو قدرة ضعيفة على القراءة والترجمة* كما أدى هذا المنهج إلى قلة الإقبال على تعلم العربية.
ونتيجة لما وجه لهذا المفهوم القاصر لمنهج تعليم اللغة اتجه العاملون في هذا الميدان إلى التفكير في مفهوم واسع وفعال للمنهج يرى أن تعلم اللغة لا يتم إلا من خلال مواقف لغوية طبيعية حياتية اتصالية يمارس المتعلم من خلالها اللغة ممارسة طبيعية* لذلك رأوا أن المنهج يعني مجموعة من المواقف والخبرات اللغوية والأنشطة الاتصالية التي تُهَيَّأ وتعد وتختار وتخطط وتنظم لكي يعايشها متعلم اللغة ودارسها ويتمرس بها ليصبح قادراً على استخدام اللغة استماعاً وكلاماً وقراءة وكتابة.
يتبين لنا من هذا المفهوم الجديد أنه يهتم باللغة وبالمتعلم في آن واحد* فهو ينظر إلى متعلم اللغة على اعتبار أنه كائن حي يقوم بأنشطة مختلفة منها العقلية والانفعالية والحركية ولا يمكن أن نفصل بين هذه الأنشطة وبعضها البعض* فعندما يتكلم الفرد باللغة فإنه بذلك يمارس نشاطاً حركياً يستدعي استعمال الأجهزة الصوتية* ولكنه في نفس الوقت يفكر فيما يقول* كما أنه ينفعل بما يقول ويضمنه أحاسيسه وانفعالاته* كما أن هذا المفهوم يرى أنه يجب أن تتكامل خبرات المنهج بحيث لا يطغى جانب من تعلم اللغة على بقية الجوانب* فإذا اقتصرنا على المعلومات اللغوية دون استعمال اللغة استعمالاً وظيفياً* وإذا اقتصرنا على القراءة دون الكلام* أو الاستماع دون الكلام* أو القراءة دون الكتابة فإن ذلك يؤدي إلى قصور في تعلم اللغة* ومن هنا ينبغي أن تتكامل خبرات منهج تعليم اللغة لتؤدي إلى استعمال اللغة استماعاً وكلاماً وقراءة وكتابة.
فإذا نظرنا إلى واقع تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها الآن وإلى المناهج المستخدمة في ذلك في ضوء المفهوم الواسع للمنهج نجد العديد من الانتقادات وأوجه القصور من ذلك :
1. اهتمـام العديد من المناهج الحالية باللغة ذاتها من حيث ما يدور حولها من معلومـات ومعارف* وقصور الاهتمام بتعليم استعمالها وممارستها.
2. الاعتماد على المعلم كملقن للغة وليس كمهيء لمواقف لغوية يتيح الفرصـة للمتعلــم لاستعمال اللغة استعمالاً حقيقيًا.
3. الاعتمــاد على مادة الكتاب المؤلف لتعليم اللغة دون أن يصحب هذا الكتاب أنشطة لغوية معملية* أو ممارسة عملية للغة في مواقف حية وطبيعية.
4. اعتماد العديد من كتب تعليم اللغة العربية المطروحة في الميدان على مداخل تقليديـة في تعليم اللغة متأثرة بتعليمها لأبنائها* ومستندة إلى نصوص صعبة أو غير شائقة أو غير عصرية* وعلى موضوعات تقليدية بعيدة عن مواقف الاتصـال اللغوي الشائعة في حياة الدارسين.
5. الاهتمام بحفظ الطالب لما يوجد بالكتب من كلمات وجمل وتراكيب دون الاهتمـام بتوظيف هذه الجوانب في مواقف لغوية جديدة.
6. الافتقار إلى تخطيط منهجى لتعليم اللغة العربية يأخذ في اعتباره الجوانب الصوتية والصرفية والتركيبية والدلالية للغة* كما يأخذ في اعتبـاره المحتوى الثقافي والمعالجة التربوية.
وهناك العديد من جوانب القصور يضيق المقام عن ذكرها حيث تكفينا الإشارة إلى بعض هذه الجوانب لتشد انتباهنا إلى ضرورة بناء مناهج تعليمية تربوية سليمة لتعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها.
وقـبل أن ننـتقل إلى أسـس بناء هذه المناهج وعناصرها قد تثار تساؤلات عـن : مـا أهميـة دراسـة عـلم المنـاهج بالنـسبة للعاملين في ميدان تعليم اللغة العربية خاصة المعلمين منهم ؟ وعن : ما العوامل المؤثرة في بناء منهج تعليم اللغة العربية ؟
وفيما يلى نقدم إجابة عن هذين السؤالين بإيجاز شديد.
أ) أهمية دراسة إعداد المنهج :
تتمثل أهمية هذه الدراسة بالنسبة للعاملين في ميدان تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها وخاصة المعلم في ضرورة معرفتهم بأن :
1. المنهج هو مجموعة من الخبرات والمواقف اللغوية التعليمية التي تخطـط وتقــدم للدارسين لتمكينهم من تعلم اللغة استعمالاً وممارسة* ومن ثم يلزمهم دراسة الأسـس والمعايير التي على أساسها تختار هذه الخبرات والمواقف وتخطط وتنظم وتسلسل في مستويات تتتابع بتتابع مستويات تعلم اللغة.
2. المنهج وسيلة لتحقيق أهداف تعليم اللغة* ومن ثم يلزمهم أن يتعرفوا ويمارسوا كيفيـة صياغة الأهداف التعلمية وترجمتها إلى سلوك لغوي يمكن تنميته وملاحظته وضبطـه وقياسه.
3. تطبيق المنهج وتدريس محتواه عملية علمية وفنية ومن ثـم يلزمهـم معرفـة كـيف يختارون الأساليب والاستراتيجيات التدريسية المناسبة لكل محتوى ولكل مستوى مـن مستويات تعلم اللغة.
4. تطبيق المنهج عملية لها نتائج ينبغي أن تقاس وتشخص وتعالج ومن ثـم يلزمهـم أن يعرفوا* كيفية تشخيص جوانب الضعف عند الدارسين* والصعوبات التي تواجههـم فـى تعلم اللغة وأسباب ذلك حتى يمكنهم البحث عن أساليب ووسائل للعلاج.
5. المنهج في النهاية بناء علمي هندسي تربوي له أسسه وله مكوناته وفنيات بنائه وتنفيذه وتقويمه* ومن ثم يلزمهم أن يتدربوا ويمارسوا عمليات بناء المنهج فضلاً عن عمليات إعداد المواد التعليمية.
ب) العوامل المؤثرة في بناء المنهج :
هناك العديد من العوامل التي تؤثر في هذا المنهج نشير إلى بعضها هنا بإيجاز :
1. تطور الدراسات اللغوية والدراسات التربوية في ميدان تعليم اللغات وتعلمهـا ممـا أدى إلى استحداث مناهج جديدة في دراسة اللغات وتعليمها وظهور علوم جديـدة مثـل علم النفس اللغوي وعلم اللغة النفسي وعلم الاجتماع اللغـوي والدراسـات التقابليـة* وظهور مداخل جديدة لتعليم اللغة وتعلمها مثـل المدخـل الإيحائي* والمدخل اللغوي التكاملي* ومدخل الاستجابة الجسمية الشاملة... الخ.
2. تطور استخدام التكنولوجيا الحديثة في تعلم اللغات وظهـور الحاسـبات الآليــة والأجهزة الصوتية والمرئية واستعمال الوسائط المتعددة في التدريس* ممـا أدى إلى استحداث برامج لتعليم اللغات تعتمد على التعلم الذاتي الفـردي والجمـاعي.
3. زيادة الاهتمام بالبحث العلمي التربوي في ميدان تعليم اللغات وتعليمها ممـا أدى إلى ظهور اتجاهات جديدة في بناء المناهج والبرامـج مثل البرمجة* والنمذجـة والكفاءات* والأداء... الخ.
4. الاهتمام بالمستوى الفني للمعلم* والاتجاه نحو إعداد معلم اللغـة العربيـة لغير الناطقين بها* وإنشاء العديد من المعاهد التي تقوم على إعداده وتدريبه* وإقبـال معلمي هذه اللغة في أنحاء العالم المختلفة على الدورات التدريبية التي تقـوم بهـا المنظمات العربية والإسلامية الدولية منها والمحلية لتدريب المعلمين* ومن ثم فإن نجاح أي منهج أو برنامج لتعليم العربية إنما يتوقف على مدى الاهتمام بالمستـوى الفني للمعلم.
5. طبيعة وخصائص الدارسين المقبلين على تعلم اللغة العربية من الصغار والكبار* ومن مختلف الجنسيات واللغات والأغراض* فكلمـا توافـرت لدينـا دراسـات ومعلومات ومعارف وبيانات حول نوعية الدارسـين وخصائصهـم وأعمارهـم ولغاتهم ودوافعهم وخبراتهم السابقة* توافرت لدينا إمكانية بناء مناهج فـي تعلـم اللغـة وبرامج مناسبة لهم* بالإضافة إلى إمكانية إعداد المواد التعليمية المناسبة لهم أيضاً.
6. تجارب الأمم الأخرى في تعليم لغاتها ونشرها* هذه التجارب التي يمكن أن نفيـد منها في بناء برامج تعليم اللغة العربية من حيث المداخـل والطـرق والفنيــات والاستراتيجيات ومن حيث التكنولوجيات والوسائل.



الفصل الثاني
الأسس اللغوية والثقافية


مقدمة

لكي يتحقق المفهوم العلمي والواسع للمنهج بما يحقق إفادة العاملين في الميدان* ويستجيب لتلك العوامل المؤثرة ينبغي أن تستند عملية بناء هذا المنهج على مجموعة من الأسس* ومجموعة من العناصر :
أ) أما الأسس التي يستند إليها بناء منهج تعليم اللغة العربية فهي :
1. الخبرة اللغوية والممارسة.
2. طبيعة اللغة العربية.
3. الثقافة العربية الاسلامية.
4. طبيعة المتعلمين للغة.
5. طبيعة عملية تعليم العربية باعتبارها لغة أجنبية.
ب) أما العناصر التي يتكون منها تعليم اللغة العربية فهي :
1. أهداف تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها.
2. محتوى منهج تعليم العربية لغير الناطقين بها ومستواه وتنظيمه.
3. طرق التدريس وفنياته واستراتيجياته.
4. دليل معلم اللغة العربية لغير الناطقين بها.
5. تقويم المنهج تخطيطاً وتنفيذاً* وتقويم المتعلمين.
وفي هذا الفصل نتناول من الأسس ما يتصل بالأسس اللغوية والثقافية.

1. الأساس الأول : الخبرة اللغوية

ذكر في موضع سابق أن منهج تعليم اللغة العربية عبارة عن مجموعة من الخبرات اللغوية وهنا يثار التساؤل التالي : ما الخبرة اللغوية ؟ هذا التساؤل الذي يجعلنا نتحدث عن مفهوم الخبرة اللغوية وأنواعها ومقوماتها وشروطها.
أ) مفهوم الخبرة اللغوية :
يقصد بالخبرة اللغوية الموقف اللغوي التعليمي الذي يهيأ ويعد لكي يعايشه الطالـب* ويمارس من خلاله استعمال اللغة* ويحتك بمحتواه وينفعل به ليخرج منه وقد اكتسب مجموعة من المعلومات والمعارف عن اللغة واستخداماتها* ومجموعة من مهـارات الاستماع والكلام والقراءة والكتابة* وقدرة على التفكير باللغة والتعبير عما يريـد* مع تقدير لثقافتها وثقافة لغته* ومن ثم يكتسب في النهاية القدرة على استخدام اللغة العربية في مواقف حقيقية تتفق وأغراضه ودوافعه.
ب) أنواع الخبرة اللغوية :
ونعني بهــا أن يتعلم الدارس اللغة ويكتسب مهارات استعمالها من خـلال نوعيـن مـن المواقف :
أولهمـا :
مواقف طبيعية حقيقية يمارس فيها الطالب تعلم اللغة في موطنها وبين أبنائها والمتحدثين بها* وهذه تسمى الخبرة المباشرة في تعلم اللغة واكتساب مهاراتها.
ثانيهمـا :
مواقف تعليمية غير مباشرة يتعلم فيها الطالب اللغة عن طريق مواد تعليميـة مختــارة ومنظمة في مؤسسة تعليمية متخصصة خارج وطنها وبعيدًا عن متحدثيها* وفـي هـذه الحالة تدعم هذه الخبرة غير المباشرة باستعمال الكتب والتدريبات والمعامـل اللغويــة والتسجيلات والأنشطة اللغوية التي يعدها أبناء اللغة العربية المتخصصين فى تعليمها* وقد يستعان في هذه الحالة بمعلمين من أبنائها.
جـ) مقومات الخبرة اللغوية وشروطها :
ولكي تكون الخبرة اللغوية فعالة ومجدية ومحققة لأهداف تعليم اللغة وتعلمها* وقـادرة على مساعدة الطالب على التعلم* ينبغي أن تتوافر لها وفيها مجموعة مـن المقومـات والشروط* منها :
1. الاستمرار :
ونعني به أن تصاغ المواقف اللغوية وتقدم بشكل متدرج ومستمر بحيث نبـدأ بتقديـم خبرة لغوية بسيطة وضيقة* ثم مع تقدم الطالب في مستويات تعلم اللغة تـزداد الخبـرة اتساعاً وعمقاً. مثال ذلك في القواعد : لوفرض وأردنا أن نقدم الفاعل* فـلا ينبغـي أن نقدمه دفعة واحدة* وإنما قد نقدم الفاعل المفرد المرفوع بالضمـة* ثـم بعـد ذلــك الفاعـل المثنى ثم الفاعل الجمع ثم الفاعل الضمير* وهكذا في مراحل متتاليـة ؛ أي أن دراسة هذا المبحث لا تتم مرة واحدة* وإنما تستمر دراسته مع الطالب فـي مستويـات مختلفة.
2. التكامـل :
ونعني به أن تتكامل جوانب الخبرة اللغوية وتترابط* بحيث يتكامل ويرتبط تدريـس الاستماع بتدريس الكلام بتدريس القراءة بتدريس الكتابة* ويرتبط المحتوى اللغــوي بالمحتوى الثقافي* ويتكامل كل ذلك ويرتبط مع أنشطة استعمال اللغـة الاستعمـال الوظيفي بحيث يؤثر تعلم كل جانب من هذه الجوانب على تعلم الجوانب الأخرى* وبحيث تتكامل مهارات اللغة في الموقف الواحد من استماع وحديث وقراءة وكتابة* ومن خلال كل ذلك يتكامل تعليم قواعد اللغة وأدبها.
3. التتابـع :
ويقصد به البدء بتعلم الجوانب السهلة والبسيطة والانتقال منها إلى الصعب والمعقد بحيث يبنى اللاحق على السابق* وتمهد الخبرات اللغوية السابقة للخبرات اللاحقة* وقد نأخذ بمداخل التتابع كأن نبدأ بالجزء وننتهي بالكل* أو نبدأ بالكل ونتجه إلى الجزء.. وهكذا طبقاً لطبيعة المادة المقدمة والأهداف التعليمية التي نسعـى إلـى تحقيقها* وهذا التتابع هو ما يسمى التنظيم المنطقي لخبرات التعلم الذي يجعلنـا لا ننتقل بالطالب من خبرة لغوية إلى أخرى انتقالة فجائية.
4. الاتـزان :
ويعني ألا يطغى جانب في الموقف اللغوي التعليمي على جانب آخـر* حيـث لا ينبغي أن نهتم بمهارة لغوية على حساب مهارة أخرى* أو نهتـم بمعـارف اللغـة ومعلوماتها على حساب تعلم مهاراتها ومواقف استخدامهـا وتوظيفهـا * أو نهتـم بأغراضنا نحن من تعليم لغتنا على حساب أغراض المتعلم وأهدافه ودوافعه. وباستقراء هذه المقومات للخبرة اللغوية نجد أن الخبرة اللغوية أو الموقف التعليمي لتعلم اللغة ينبغي أن تضمن معلومات ومعارف لغوية وثقافية* ومهـارات لغويـة واتصالية وثقافية* وأنشطة لغوية متعددة تتيح الفرصة لتنميـة كفايـات الطـلاب ومهاراتهم في استعمال اللغة بحيث يكون تعلم اللغة تعلماً وظيفياً استعماليـاً وليـس تعلماً نظرياً.

2. الأساس الثانى : طبيعة اللغة العربية وخصائصها :

ينطلق هذا الأساس من حقيقة أن محتوى المنهج الذي نتصدى لبنائه هو محتوى لغوي* وأن الخبرات التي تقدم في مواقف تعليم اللغة وتعلمها إنما هي مستمدة من اللغة كنظـام يتضمن مجموعة من النظم هي النظام الصوتي والنظام الصرفـي والنظـام التركيبـي والنظام الدلالي ولذلك وجب على المسؤولين عن وضع مناهج وبرامج تعليم اللغة دراسة هذه النظم والتمكن منها* هذا بالإضافة إلى ضرورة دراسة الموضوعات التالية :
أ) الخصائص العامة للغة :
1. اللغة سمة إنسانية : أي خاصة بالانسان وحده* وهي على هذا يجب أن تكــون دائماً في خدمــة أهدافه وأغراضه الحقيقية. وأن تـرتبــط بنمـوه اجتماعيــاً واقتصادياً وفكرياً* وعلى هذا فرقي الفرد مرتبط ـ إلى حد كبير ـ بنمو لغته* ونهضتها.
2. اللغة صوتية* وهذه الخاصية تعني أن الطبيعة الصوتية للغة هي الأساس* بينما يأتي الشكل المكتوب لها في المرتبة التالية من حيث الوجود. وعلى هذا فتعليم اللغة يبدأ بالشكل الشفوي ـ الأدنى. وهذا ما يحدث بالنسبة للطفل* وما يحـدث في المدارس الحديثة في تعليم اللغات* إذ تبنت هذه المدارس ما يسمى بالمدخـل الأذني ـ الشفوي ولو أن هناك جدلاً حول هذا المدخل في السنوات الأخيرة.
3. واللغة تحمل معنى* ومعنى هذه الخصيصة أن اللغة تتكون من رموز لها معـانٍ وهذه الرموز يعرفها كل من المتكلم والسامع* والكاتب والقارئ* وبـدون هـذه المعرفة الثابتة للمعاني يصبح الاتصال صعباً ـ إن لم يكن مستحيـلاً* وينبغـي أن يكون واضحاً أن الصلة بين الرمز والشيء الذي يعنيـه صلـة عرفيـة* أي ليســت طبيعية.
4. واللغـة ذات نظام خاص* وتعني هذه الخصيصة أن أية لغة تتكون مـن وحدات خاصة. وهذه الوحدات تحدث في أنماط ثابتة. فالكلمات في العربية ـ مثـلاً ـ تشتق بطريقة خاصة* وترتب في الجمل ترتيباً مرتبطاً بنظام العربية وحدهـا* ومن هنا تحرص كل لغة على أن تضع لنفسها قواعد معينـة تساعـد علـى ضبـط استخدامها. وتساعد بالتالي على استمرارها. وذلك بدلاً من أن يكون لكل فـرد الحرية في أن يفعل بلغته ما شاء.
5. واللغة سلوك مكتسب* ومعنى هذا أن العادات اللغوية المختلفة يكتسبها الفرد في المجتمع الذي يعيش فيه. فالطفل يولد بدون أي معرفة باللغة* لكن لديه ـ فقط ـ الاستعداد لتعلمها* ومن هنا تأتي أهمية البيئة الاجتماعية* والتربية المنظمة فـي اكتساب الفرد للغة. وفي ترقية عادات استخدامها* كذلـك علينـا أن نعـي أن الكلمات رموز للمعاني. وليست المعاني المتصلة بالكلمات فيها نفسها* بل في عقولنا نحن وبالاستخدام الطويل لهذه الكلمات اتفق على ربط معاني معينة بكلمات خاصة ويحمل الفرد هذه المعاني من الخبرات المختلفة التي يمـر بهــا. ومن محاولتنا المستمرة للتعبير عن أفكارنا بالكلمات.
6. اللغة نامية* أي أن اللغة في حالة تغير دائم. ويمكن ملاحظة هذا التغير في أنظمة الأصوات* والقواعد والمفردات من جيل إلى جيل* ومن إقليم إلى آخـر* وذلك لأن الناس يُنمّون النماذج اللغوية التي تؤدي حاجاتهم بفعالية. ومن أظهـر ميادين التغير في اللغة* الكلمة* وإذا تتبعنا تاريخ الكلمة في أي لغة ـ فسنـرى شيئاً عجيباً ـ فمعاني الكلمة تتغير دائماً* وتنتقل من ميدان إلى آخـر* فهنـاك معنى عام وآخر خاص* وهناك معان حقيقية وأخرى مجـازية* وقـد يكـون للكلمـة أكثر من معنى* وقد تؤدي عدة كلمات معنى واحداً(1).
ب) خصائص اللغة العربية :
من أهم خصائص اللغة العربية أنها لغة اشتقاقية* وهذا الاشتقاق أكسبهـا مرونـة ومناعة في وقت واحد* فسمح لها بخلق ألفاظ جديدة* وحافـظ علـى ثروتهـا* وحماها من الزيغ والشطط. والاشتقاق باب واسع تستطيع به اللغة أن تؤدي معاني الحضـارة الحديثـة علــى اختلافها* والاشتقاق في العربية يقوم بدور لا يستهان به في تنويع المعنى الأصلي* إذ يكسبه نواحي مختلفة بين طبع وتطبع* ومبالغة* وتعدية ومطاوعة* ومشاركة ومبادلة... إلخ. ولا نزاع في أن منهج اللغة العربية الفريد فى الاشـتقاق قــد زودها بذخيرة من المعانى. والواقع أن تركيب الكلمات في العربية أكثر تعقيداً* وليس من السهل وضع الصيغ المختلفة للأصل اللغوي تحت معنى واحد. فلكل صيغة معناها الخاص بها * فمثلاً صيغة (فعلان) تــــدل على الاضطراب* والحركة مثل طيران* وصيغة (فُعـال) تدل على الأدواء* مثل صداع* وصيغة (مِفْعال) تدل في الأغلب على عـادات الاستكثار* مثل مطعام. وصيغ الأفعال* وأوزانها في العربية عامل من العوامل التي تثري اللغة * والتـي تمكنها من الدلالة على فروق وظلال تضاف إلى المعنى الأصلي* فما الزيادة فـي المبنى إلا زيادة في المعنى.
كذلك من خصائص لغتنا أنها فى بنيتها وتركيبها لا تحتاج الجمـل الخبريـة فيـها إلى إثبات ما يسمى في اللغات الأوربية* فعل الكينونة* وهو في الإنجليزية مثلاً (be) فنحن نقول في العربية على سبيل الإخبار "فلان شجاع" دون حاجة إلـى أن نقـول "فلان هو شجاع"* أو "فلان كائن شجاع" ونقول "كل إنسـان فـان" دون حاجة إلى أن نقول "كل إنسان يكون فانياً"* أو "كل إنسان يوجد فانيـاً"* أو "كل إنسان كائن فانٍ".

معنى هذا أن الإسناد في اللغة العربية يكفي فيه إنشاء علاقة ذهنية بين موضـوع ومجهول* أو "مسند ومسند إليه" دون حاجة إلى التصريح بهذه العلاقة "نطقاً أو كتابة" في حين أن هذا الإسناد الذهني لا يكفي في اللغات الهندوأوربية إلا بوجود لفظ صريح مسموع أو مقروء* يشير إلى هذه العلاقة في كل مرة* وهـو فعــل الكينونة في اصطلاحهم.
جـ) صعوبات تعلم العربية :
1. الصعوبات الصوتية :
وهي الصعوبات الصوتية التي تكشفها دراسات التحليـل التقابلـي وتحليــل الأخطاء وخبرة المعلمين والقائمين على تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها ومنها :
1. بالنسبة للصوامت Consants
ــ أصوات حنجرية الهمزة (ء)* هـ
ــ أصوات حلقية ع * ح
ــ أصوات لهوية ق
ــ أصوات طبقية ك
ــ أصوات غارية ش
ــ أصوات لثوية ص* س* ز* ر
ــ أصوات لثوية وأسنانية ض* ط * د* ت
ــ أصوات أسنانية أو بين أسنانية ظ* ذ* ث
ــ أصوات شفاهية و
2. أما بالنسبة للصوائت فأهم الصعوبات تتمثل في ما يعرض للصوائت مـن قصــر وطول طبقاً للتركيب المقطعي الذي تقع فيه.
وتكمن معظم صعوبات الجانب الصوتي فيما يلي :
أ) صعوبة نطق بعض الأصوات العربية غير الموجودة في اللغة الأم للمتعلم.
ب) قد يسمع المتعلم بعض الأصوات العربية فيظن أنها أصوات تشبه أصواتاً في لغته الأم* وهي في واقع الأمر خلاف ذلك.
جـ) قد يخطئ المتعلم في إدراك ما يسمع* فينطق على أساس ما يسمع فيؤدي خطـأ السمع إلى خطأ في النطق.
د) قد يخطئ المتعلم في إدراك الفروق المهمة بين بعض الأصوات العربية* ويظنها ليست مهمة قياساً على ما في لغته الأم* فإذا كانت لغته لا تفرق بيـن س* ز أو بين ث* ظ أو بين ت و ط* فإنه يميل إلى إهمال هذه الفروق حين يسمعهـا فـي العربية أو عند نطقه لها.
هـ) قد يضيف المتعلم إلى اللغة العربية أصواتاً غريبة عنها يستعيرها من لغتـه الأم* فقد يميل الأمريكي مثلاً إلى إضافة صـوت P أو V إلـى العربيــة لأنهــا أصــوات مستعملة في لغته الأم.
و) قد نـجد صـوتاً مشـتركاً بيـن العـربية واللغـة الأم لمتـعلم مـا* ولـكــن هــذا الصــوت يشــكل صـعوبة لـدى المتعلم في بعض المواقع* فالإنجليزي لا ينطق (هـ) في آخر الكلمة في لغته* رغم أنه ينطقها فى أول الكلمة أو وسطهـا* ولهـذا فـإن (هـ) عندما تأتي في آخر الكلمة العربية تشكل صعوبة في النطق للإنجليـزي والأمريكي وربمــا للناطقين بلغات أخرى.
ز) مـن الأصـوات الصعـبة على غير العربي ط* ض* ص* ظ* فهي أصوات مفخمة أو مطبقة أو محلقة تعرضت لتفخيم* أو إطباق أو تحليق* وقد يصعب على المتعلـم تمييز ط عن ت* وتمييز ض عن د* وهكذا بين ص وس* وبين ذ وظ.
ح) ومن بين الأصوات الصعبة على غير العرب خ* غ* وأحياناً يصعب التمييز بينهما حتى على الطفل العربي.
ط) ويصعب على غير العربي أيضاً التمييز بين هـ وح* والتمييز بين الهمـزة (ء) وع* وبين ك وق* وبين الهمزة (ء) والفتحة القصيرة.
ك) قد يصعب على المتعلم أن يدرك الفرق بين الفتحة القصيرة والفتحــة الطويلــة مثل ( سَمَر ـ سَامَر ) والتمييز أيضاً بين الضمـة القصيـرة والضمـة الطويلـة ( قُتـل ـ قُوتل )* وأيضًا قد يصعب عليه التمييز بين الكسرة القصيرة والكسـرة الطويلة مثل ( زِر ـ زير ) كما قد يصعب عليه نطق (ر) العربية التكراريـة أو المرددة.
2. صعوبات النطق والقراءة :
1. صعوبة التعرف على أشكال الحروف والكلمات* وذلك بسبب :
أ) اختلاف أشكال الحروف عن بعضها.
ب) اختلافها في مواقعها من الكلمة وفي الكلمات المختلفة.
نحن ـ مشمش ـ فلفل ـ محموم ]
جـ) اختلاف رسم الكلمات باختلاف الحروف :
فرح ـ فحر ـ رفح ـ حرف ـ حفر ]
د) كثرة أعداد الحروف بكثرة أعداد أشكالها.
هـ) اختلاف الحروف باختلاف نوع الخط.
2. صعوبة نطق الكلمات نطقاً صحيحاً معبراً وإخراج الأصوات من مخارجها بشكل صحيح* وذلك بسبب :
أ) كل حرف له صورة صوتية خاصة به.
ب) ضرورة تناسب نطق الكلمات والجمل بطريقة تحمل المعاني التي تعبر عنها.
جـ) خروج الصوت بأكثر من أداة :
* أحرف الحلق * الميم من الشفتين والأنف.
د) الضبط والحركة الإعرابية ـ ضبط الحروف وسط الكلمات.
هـ) عدم مطابقة الرسم الكتابي للصورة الصوتية والعكس.
3. صعوبة إدراك العلاقات السائدة بين وحدات الكلام* فهنـاك الفاعليـة* والمفعوليــة* والحالية والوصفية* والظرفية* والمجازية* والحقيقية ـ وهناك أيضاً الجملة والعبـارة وجمــل العبارة* وعبارات الفقرة والموضوع كله.

3. الأساس الثالث : الثقافة العربية الإسلامية
تحتل الثقافة العربية الإسلامية مكانة مهمة فى تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها* فهي تعتبر أساساً مهماً لمحتوى المواد التعليمية* فاللغة تصحب ثقافتها بالضرورة ولا يمكن أن يتم تعليم اللغة العربية من خلال محتوى مفرغ من الثقافة العربية الإسلامية* ولقد أثبتت الدراسات أن المعلومات والمعارف الثقافية هدف أساس من أهداف أي مادة تعليمية لتعلم لغة أجنبية* وأن الطلاب عادة ما يتوقعون دراسة ثقافة اللغة بنفس القدر الذي يدرسون به مهارات اللغة* ولذلك قيل إن نجاح الشخص في التفاهم والاتصال والاندماج والتعامل مع أبناء لغة يتعلمها لا يتوقف فقط على مقدار المستوى اللغوي الذي وصل إليه في لغة هؤلاء* وإنما يتوقف وبنفس القدر على الحصيلة الثقافية التي تعلمها من خلال تعلمه اللغة.
معنى هذا أن القدرة على التفاعل مع الناطقين باللغة العربية لا يعتمد فقط على إتقان مهارات هذه اللغة* بل يعتمد أيضاً على فهم الثقافة العربية الإسلامية من عادات وتقاليد وأساليب حياة وآمال وتطلعات وتراث وتاريخ* فالدارسون للغة العربية عادة ما يكونون شغوفين بالناس الذىن يتكلمونها ويودون معرفة أشياء كثيرة عنهم : من هم ؟ أين يعيشون ؟ كيف يعيشون ؟ ما طبيعة بلادهم و ما طبيعة حياتهم ؟ ما تراثهم وآدابهم وفنونهم... إلخ.
هذا بالإضافة إلى أن فهم الثقافة العربية والاسلامية والتفاعل معها أمر مهم فى حد ذاته للدارسين* ذلك أن التفاهم العالمي الآن والاتصال بعالم الناطقين بالعربية أصبح أمراً مهماً وضرورياً لإحداث تقارب وتعاون بين بلاد الدارسين والبلاد العربية والإسلامية.
لكل ذلك وغيره كثير يلزم القائمون على تخطيط مناهج تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها وإعداد برامجه أن يتعرفوا مكونات هذا الأساس حتى يمكنهم اختيار محتوى المنهج واعداده بالشكل الذى يقدم الثقافة العربية الاسلامية بصورة صحيحة ومقبولة وفى ذات الوقت تحترم ثقافة الدارسين. ولذا فعلى القائمين على تخطيط المنهج واعداده دراسـة المكونــات التالية(2) :
أ) مفهوم الثقافة العربية الاسلامية.
ب) موقف الثقافة الاسلامية من الثقافة العربية.
جـ) مصادر الثقافة العربية الاسلامية.
د) الأبعاد الماضية والحاضرة والمستقبلية للثقافة العربية الاسلامية.
هـ) خصائص الثقافة العربية والاسلامية.
و) مستويات الثقافة العربية والاسلامية المادية والمعنوية.
وفى ضوء دراسة هذه الأبعاد يحدد المختصون ببناء المنهج انعكاس هذه الدراسـة على المحتوى الثقافى لمنهج تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها* وعلى كيفيــة اختيار العناصر الثقافية الاسلامية والعربية المناسبة لحاجات الدارسين وأغراضهم ورغباتهم* والمناسبة أيضًا لأهداف الناطقين باللغة ومتحدثيها فى نشر لغتهم.



الفصل الثالث
الأسس النفسية والتربوية


مقدمة

تناولنا في الفصل السابق ثلاثة أسس لبناء منهج تعليم اللغة العربية* هي : الخبرة اللغوية وطبيعة اللغة بشكل عام* واللغة العربية بشكل خاص* ثم الثقافة العربية الإسلامية* وهي تلك التي جمعناها تحت مسمى الأسس اللغوية والثقافية.
وفي هذا الفصل نتناول الأسس النفسية والتربوية متمثلة في أساسين هما : طبيعة متعلمي اللغة العربية من غير الناطقين بها* وطبيعة عملية تعلم اللغة واكتسابها.

الأساس الرابع : طبيعة متعلمي اللغة

تعتبر عملية دراسة طبيعة متعلم اللغة وتعرف خصائصه صغيرًا أم كبيرًا* واستكشاف أغراضه وحاجاته ودوافعه من دراسة اللغة العربية* أمرًا في غاية الأهمية* لأننا نعد المنهج لمتعلم* فكيف نعد وجبة تعليمية في غياب من تعد من أجله ليتناولها بإقبال وتفاعل* لذا فدراسة المتعلم تفيدنا في تخطيط المنهج وبنائه على الوجه التالي :
أ) تحديد الأهداف العامة لمنهج تعليم اللغة العربية* وأيضاً الأهداف الخاصة لكل وحدة من وحدات محتوى المنهج.
ب) اختيار الخبرات اللغوية التعليمية المناسبة لمستوى كـل فئـة مـن الدارسـين* وتطويعها وتنظيمها بحيث تكون قابلة للتعلم.
ج) اختيار أفعل مداخل التدريس وطرقه وفنياته وإجراءاته واستراتيجياته ووسائلـه* وبالشكل المناسب للدارسين.
د) تخطيط ألوان النشاط اللغوي والاتصالي والثقافي* التي تتفق مـع رغبـات الدراسين واحتياجاتهم واستعداداتهم وقدراتهم.
هـ) تحديد واختيار الأدوات والوسائل التعليمية التكنولوجية والمعامل والأجهـزة التي يمكن أن تسهم في حفز الدارسين وإثارة دوافعهم لبذل الجهد في تعلـم اللغـة والتي تساعدهم بالفعل في التغلب على مشكلات تعلمها وتيسر هذا التعلم وتفعله.
و) إعداد وسائل تقويم التعلم تشخيصاً وعلاجاً وأساليبه بالشكل الذي يناسـب الدارسين حتى يمكن في ضوء استعمالها تصحيح مسار عملية تعليم اللغة العربية مـن حيث أهدافها ومحتواها وطرقها ووسائلها.
ز) مراعاة الفروق الفردية التي تكشف لنا عنها دراستنا للدارسين من حيـث تنــوع الأهداف والخبرات والأنشطة والتدريبات وفنيات التدريس وأيضاً وسائل التقويـم وأساليبه.
وفي دراستنا لطبيعة متعلم اللغة العربية من غير الناطقين بها سنجد بالطبع دارسين كبارًا وآخرين صغارًا* وسنجد ناطقين بلغات مختلفة* وفئات من الدارسين بينهم اختلافات في ثقافاتهم وأغراضهم ودوافعهم وحاجاتهم من تعلم اللغة العربية ـ لذا يلزم دراسة كل فئة من هذه الفئات حتى يصبح كل منهج لكل فئة متميزًا عن الآخر بمقدار قدرته على مراعاة هذه الاختلافات بين تلك الفئات* إذ يصبح لدينا برنامج للصغار* وآخر للكبار* وتختلف وتتعدد برامج كل من الصغار والكبار ــ كما سبق أن أشرت ــ باختلاف اللغات والدوافع والحاجات والأغراض والميول والاهتمامات. لذا فالأمر يحتاج إلى دراسات لغوية مقارنة وتقابلية بين لغات الدارسين والعربية* ودراسات نفسية تربوية تحدد الدوافع والحاجات والأغراض والميول والاهتمامات باعتبار أن كل هذه الأمور تمثل دوافع للتعلم ينبغي أن تستثيرها لدى الدارسين ليزداد إقبالهم وتفاعلهم مع مواقف تعلم اللغة.
وتقدم لنا مثل هذه الدراسات زادًا يمكن الاستفادة منه في تحديد أهداف المنهج ومحتواه وطرقه ووسائله وتقويمه وتطويره من حيث :
* مسايرة ومناسبة الخبرات اللغوية للخصائص المميزة لكل فئة من فئات الدارسين.
* توفير الخبرات اللغوية الوظيفية المتنوعة والمتدرجة في المستوى حتى تتاح فرصة النجاح في تعلم اللغة أمام كل دارس.
* التنوع في طرق التدريس وفنياته بالقدر الذي يحقق فاعلية التعلم مع كل مجموعـة من الدارسين.
* التنوع في مظاهر النشاط والوسائل التعليمية التكنولوجية في تنفيذ المنهج.
* توجيه الدارسين ومساعدتهم على حل المشكلات التي تواجههم في تعلمهم العربية.
* ربط محتوى المنهج بحاجات الدارسين ورغباتهم وأغراضهم وميولهم.
* وضع مناهج وبرامج لأغراض خاصة تتفق وأغراض كل مجموعة من الدارسين.
* وضع مستويات متدرجة لتعليم اللغة العربية* ووضـع مسـتويات استراتيجيــة ومرحلية للانتهاء من تعلمها واكتساب الكفاءات اللغوية المطلوبة ومستويـات الأداء المرغوبة.
إن أهمية دراسة حاجات الدارس وأغراضه من التعلم أمر أقره الميدان التربوي بشكل واضح(3)* ذلك أن مفهوم الحاجات والأغراض كأساس لبناء المنهج قد أصبح أمـرًا معتمـدًا ومنتشرًا ومعروفاً الآن* والسعي إلى تطبيقه عملياً قد أصبح أيضاً أمرًا واقعياً* كما أن النظر لبناء المناهج في ضوء هذا الأساس يأخذ فى اعتباره أولاً الدارس بحيث لا يترك العملية التعليمية خاضعة للموضوع الدراسي والمحتوى واهتمامات المعلم واجتهاداته والعوامل الأخرى. إن دراسة أغراض الدارسين وأهدافهم وحاجاتهم من تعلم اللغة يمكننا من اشتقاق الأهداف وتحديد السلوك اللغوي الذي يساعد على مقابلة حاجاته وتحقيق أغراضه وإنجاز أهدافه من تعلم اللغة* كما أن مثل هذه الدراسة تمكن المعلم من تحديد أنواع وأنماط السلوك اللغوي التي إذا ما حصلها الدارس ساعدته على مقابلة أغراضه وحاجاته*وهذه الأنماط من السلوك تقرر أنواع الخبرات اللغوية التي يحتاجها الدارس لمقابلة أغراضه وهي تختلف عن الخبرات التي تقدم في برامج تعليم اللغات من أجل تعلم اللغة بشكل عام(4).
ومن الأسس التى يقررها ميدان تعليم اللغات الأجنبية بل ومن الاتجاهات المعاصرة في عملية التعلم بشكل عام* الأخذ بعين الاعتبار وصف الدورالذي سيقوم به المتعلم بعد تعلمه للغة* وذلك عند وضع المقررات وتحديد الموضوعات والمجالات التي سيتعامل معها المتعلم بعد ذلك* ويساعدنا على وصف هذا الدور معرفتنا بأهداف الدارسين وأغراضهم من تعلم اللغة. ولقد بينت وقررت إحدى الدراسات التي تدور حول خصائص البرنامج الجيد لتعليم اللغة الأجنبية أن من أهم خصائص هذا البرنامج أن يركز في كل المستويات على الأبعاد المختلفة لحاجات ورغبات وأهداف الدارسين من تعلم اللغة الأجنبية(5).
ولقد أدت هذه النظرة إلى أهمية معرفة أغراض الدارسين وحاجاتهم من تعلم اللغة الأجنبية إلى ظهور اتجاهات جديدة في تعليم اللغات الأجنبية. فمن بين التيارات السائدة الآن(6) ــ استجابة لهذه النظرة لتطوير تعلم وتدريس اللغات ـ الاتجاه نحو تعلم اللغات من أجل أغراض خاصة وليس بشكل عام.
فالدارسون للغات الأجنبية مثلاً يبحثون عن تعليم اللغة الروسية من أجل ـ وبشكل خاص ـ قراءة الأبحاث العلمية حول الطيران "السوبرسونيك"* أو عن تعلم الألمانية خاصة من أجل العمل وكلاء لشركات الأجهزة الكهربائية الألمانية* أو الفرنسية خاصة من أجل العمل خبراء للزراعة في المناطق الحارة كالسنغال مثلاً* أو الانجليزية خاصة من أجل دراسة هندسة النسيج فى جامعة ليدز... إلخ.
هذه أمثلة للاتجاه نحو دراسة اللغة من أجل أغراض خاصة* وهذا الاتجاه يقـوم علـى أساس من تحديد الأغراض الخاصة للمتعلم* ومن ثم الاحتفاظ بقوة دافعية الدارس لتعلم اللغة* وتحقيق تحصيل عال وإشباع ورضا لدى الدارس.
إن تـدريس اللـغة العـربية مـن أجـل أغـراض خـاصة Arabic for Special purposes بما في ذلك الأهداف والمحتوى والمواد التعليمية* إنما يتحدد بمطالب المتعلم وأغراضه أكثر منها بعوامل خارجية مثل معايير التعليم العام. وإذا كانت اللغات الأكثر انتشاراً وشيوعاً فى العالم مثل الإنجليزية لا ينطبق عليها هذا النوع من الاتجاه بشكل كبير* فإن اللغات الأخرى ومن بينها اللغة العربية تدخل فى نطاق هذا الاتجاه* كأن يقبل الدارسون على تعلمها من أجل اعتناق الدين الإسلامي* أو التفقه فى الدين* أو قراءة القرآن* أو إقامة علاقات مع العرب.. إلخ* ومن ثم تحتاج العربية للاستفادة من هذا المدخل فى تعليمها للراغبين والمقبلين على تعلمها.
وفي هذا السياق يستلزم أن نعرض وبشكل تفصيلي دور الدوافع في برامج تعليم العربية لغير الناطقين بها.

الدوافع و تعليم اللغة

ألمحنا في الصفحات السابقة وبشكل سريع إلى أهمية التعرف على دوافع الدارسين لتعلم اللغة العربية من غير الناطقين بها في تحقيق أهداف تعليم وتعلم هذه اللغة* وفي زيادة فاعلية التعليم والتعلم عند الدارسين* وذلك عندما نأخذ مثل هذه الدوافع في الاعتبار عند تخطيط المناهج ووضع البرامج والمقررات وصياغة المواد التعليمية واختيار أفضل طرق التدريس* وفي الصفحات التالية نحاول أن نلقي الضوء على الميدان واتجاهات تعليم اللغات الأجنبية نحو ما يدفع الدارسين لتعلم اللغة الأجنبية.
يشيع اليوم بشكل كبير فى ميدان تعليم اللغات الأجنبية اسـتخدام مصطلحـات مثـل Learner-centered, student-centered, personalized, individualized, humanized(7) :
وهذه المصطلحات تشير إلى تفريد التعليم* أو تمركز تعليم اللغات حول المتعلم* ولذلك نجد أن مؤتمرات تعليم اللغات الأجنبية مثل الاجتماع العالمي الثالث عشر لتعلم اللغات للاتحاد العالمي للمتخصصين في تعليم اللغات الحية الذي عقد في ربيع سنة 1978م بسويسرا قد ناقش بحوثاً حول هذه المصطلحات.
ولقد ازدهرت فكرة التمركز حول المتعلم في السبعينيات من القرن الماضي* حيث ألفت مجموعة من الكتب تناولت هذه المصطلحات التي أشرنا اليها وجعلت المتعلم محور اهتمامها* مثل :
1. Oller and richards : Focus on the learner, pragmatic perspectives for the language teacher, (1973).
2. Finocchiro and Bonomo : The foreign language learner : A guide for Teachers, (1973).
3. Schumann and Stenson : New frontiers in second language learning, (1974).
4. Papalia : learner-centered language teaching : methods and materials, (1976).
وهذه الكتب تختلف عن كتب تعليم اللغات في الستينيات* تلك التي كانت تتحدث عن تدريس اللغات بشكل عام* أما هذه الكتب فتدور حول المتعلم* وهي تصل إلى القول بأن المعلم وحده لا يستطيع أن يمركز العملية التعليمية داخل الفصل حول المتعلم* بل هناك المواد التعليمية التي يمكن أن تصاغ وتدار حول المتعلم* كما أنها نادت بالاتجاه الذي يسمى "تصميم مقررات من أجل أغراض خاصة لتعلم اللغة الأجنبية".
والمقصود بتمركز تعليم اللغة حول المتعلم هو إشراك المتعلم في العملية التعليمية بوجه أو بآخر* ولعل في مقدمة هذه الوجوه وضع مفردات المقرر والمواد التعليمية لتعليم اللغة في ضوء أغراض المتعلم وحاجاته.
وهناك ثلاثة اتجاهات رئيسية تحدد ملامح مداخل تعليم اللغة التي تدور حول المتعلم(8).
الاتجاه الأول :
ويشير إلى أن تدريس اللغة ـ المتمركز حول المتعلم ـ يتضمن عملية تعلم تحدد فيها حاجات وأغراض وميول الدارسين ـ كلما أمكن ـ شكل منهج تعليم اللغة الأجنبية ومقرراتها.
الاتجاه الثاني :
هو أن تدريس اللغة ــ المتمركز حول المتعلم ــ يمكن أن ينظر له من خلال أربعة أمور هي : الأهداف* الوسائل* المعدل* التوقعات.
بمعنى أن المدرس يستطيع أن يفرد أهداف التدريس بحيث تسمح لمتعلمين مختلفين بأن يتابعوا مقررات مختلفة في نفس المنهج* ويستطيع أن يقرر وسائل تحقيق الأهداف التي يتابع بها مختلف الدارسين الأهداف بطرق مختلفة* ويستطيع أن يفرد معدل التدريس بحيث يناسب كل دارس* وفي ذات الوقت يستطيع أن يفرد التوقعات كنتائج للتعلم.
الاتجاه الثالث :
تدريس اللغة ــ المتمركز حول الدارس ــ يتضمن عملية تبسيط التدريس ليناسب رغبات وحاجات الدارسين حتى ولو كانوا فى جماعات مختلفة الأحجام.
وإن الصفة المتميزة لهذا الاتجاه هي أن التدريس المثالي عنده هو الذي يقدم للمتعلمين فقط ما يودون تعلمه* وعندما يرغبون في ذلك* وفي شكل بسيط يتناسب وقدرتهم على التعلم ورغبتهم في التعلم بحيث يستطيعون تحت هذه الظروف أن يحصلوا أعظم فائدة ممكنة.
هذه الاتجاهات الرئيسية الثلاثة التي تحدد الأسس الفلسفية والتربوية لتدريس اللغة المتمركز حول المتعلم مشتقة من المقدمة المنطقية التي تقول إن كل الطلاب لا يتعلمون اللغـة الأجنبية* أو أي شيء آخر فى المنهج بشكل متساو نتيجة لاختلاف أغراضهم ورغباتهم وحاجاتهم* وكذلك استعداداتهم وقدراتهم من تعلم اللغة.
معنى هذا أن الاتجاه إلى تفريد التعليم قائم على أساس من دراسة أغراض وحاجات ورغبات المتعلم* ذلك أن دراسة هذه الأغراض والحاجات والرغبات وتعرفها يساعدنا على تصميم مواقف تعليمية لغوية لأغراض محددة* كما تساعدنا على تصنيف مجموعات عديدة متجانسة من الدارسين* كما أنها تساعد مصمم المقرر الدراسي على تحقيق أمرين :
1. تقديم عرض تفصيلي لما يحتاج الدارس أن يكون قادراً على فعله باللغة العربية في العمل أو الدراسة أو الغرض الذي من أجله يدرس العربية.
2. تصميم مهارات اللغة المطلوبة* وتحديد الأشكال والوظائف المطلوبة لتحقيق عملية الاتصال التي ظهرت فى الأغراض والحاجات والرغبات في الخطوة السابقة(9) بمعنى أن معرفة أغراض الدارسين وحاجاتهم ورغباتهم وداوفعهم الأخرى من تعلم اللغة العربية يفيد في معرفة :
أ) من هم الدارسون ؟
ب) أي الميادين الدراسية أو الوظيفية يحتاجـون فيهـا للغـة العربيــة ؟ وعند أي مستوى ؟
ج) أي الأنشطة الاتصالية يحتاجون فيها للغة العربية ؟ وعند أي مستوى ؟
ولقد أشارت ولجا رفرز( Rivers) إلى أن المتعلم يصبح أكثر انخراطاً واندماجاً في تعلم اللغة عندما تقدم له البرامج المبنية على اهتماماته وأغراضه وحاجاته* كمـا أن ذلك يجعـل عملية تعليم اللغة لها معنى* كما تخلق لدى المتعلم الرغبـة فـي السيـطرة عليها.
ويقول لان Lane : >إن طرق البحث الحالية في تعليم اللغات الأجنبية لم تأخذ في اعتبارها كثيراً الفـروق بين الطلاب* مع أن هذه الفروق قد تكون المتغير الوحيد المهم فى تحديد تحصيلهم للغة الأجنبية. ولعل من أهم ما يساعد على تبين هذه الفروق معرفة الحاجات والدوافع والفروق فيما بيــن الدارسين في هذه الحاجات والدوافع* وتخطيط برامج التعليم وطرق التدريس فى ضوء هـذه الحاجات والدوافع مما يحقق لكل برنامج تمايزه على الآخـر فـي ضـوء مـا بينهـا مـن فروق فردية<(10).
ويقول فرانك مدلي Frank Medley : >إن معرفة الحاجات والعوامل التي تدفع المتعلم لتعلم اللغة يمكن أن تحدد لنا أغراض تعليم اللغة كما تحدد لنا وسائل تحقيقها<(11).
أما كل من جارفنكل Garfinkel وهاملتون Hamiltion فقد قررا ـ فى كتابهما فى معرض حديثهما عن الإجراءات والطرق التطبيقية لتصميم مناهج وطرق تعليم اللغات الأجنبية فى ضوء الأهداف المبنية على أساس من الحاجات والأغراض والاهتمامات الفعلية للدارسين ـ أن معرفة هذه الحاجات والأغراض والاهتمامات تفيد في :
أ) اشتقاق الأهداف والتأكد من صدقها وتنظيمها وترتيبها طبقاً لأهميتها.
ب) صياغة الأهداف صياغة إجرائية أدائية.
ج) وضع الخبرات التعليمية المشتقة من الأغراض والاهتمامات والتي تشـد قابليـة المتعلم لتعلم اللغة(12).
ويقول هنري هولك Henri Holec(13) : >وهناك مداخل لتعليم اللغات الأجنبية تحاول زيادة فاعلية تعلم اللغة الأجنبية لاعلى أساس طرق التدريس ولكن على أساس الدرجة التي أخذت بها حاجات وأغراض واهتمامات المتعلم في الاعتبار* ولم يكن الاهتمـام فـي هـذه المداخل منصباً على المعلومات والمعارف* ولكن اهتمامها انصب على العلاقة بين المحتوى وفنيات التدريس من جانب وبين المتعلم من جانب آخر* ولقد أدى هذا إلى انتشار واسع لتعليم اللغة من أجل أغراض خاصة يعبر عنها الدارسون Language for special purposes هذا الاتجاه الذي أدى أيضًا إلى تعدد في الأهداف والبرامج والمقررات<.
ويضيف هولك Holec(14) : >إن الأمر الأساسي في تحديد الحاجات والدوافع والأغراض هو أنها سبيلنا لوضع نظام تدريس اللغة وتحسين مواده بحيث يكون أكثر فعالية* ولهذا السبب فإن معرفة حاجات وأغراض ودوافع أكبر عدد ممكن من المتعلمين أمر ضروري كلما أمكن ذلك خاصة وأن هذا النظام سيقام على أساس من هذه الحاجات* سواء أكانت مشتركة بين جميع الدارسين أو خاصة بهم كأفراد وجماعات<.
إن المادة التعليمية (اللغة) التي ينبغي أن يحصلها الدارس يجب أن تحدد من خلال الأهداف الاتصالية والأغراض الاستعمالية لجماعة الدارسين* دون النظر بكثير من الاعتبار للكفاءة الاتصالية للمتحدثين باللغة. إن هذه الأهداف تتكون من سلوكيات الاتصال التي يعتقد الدارس أنه سوف يحتاجها أو يحتاج السيطرة عليها لكي يؤدي لغوياً بنجاح في المواقف التي سيجد نفسه فيها* وهذه الأهداف ستختلف من مجموعة من الدارسين إلى مجموعة أخرى* بحيث يمكن بناء مناهج ووضع مواد تعليمية تتناسب مع كل مجموعة. مثال ذلك أننا قد نجد مجموعة من الدارسين للعربية تريد أن تدرس الثقافة الإسلامية* ومجموعة أخرى تريد أن تسأل عن الأماكن والأوقات والأشياء والبيع والشراء وتتحدث في الحياة العامة لأنها تريد أن تعمل وتعيش في البلاد العربية* ومجموعة أخرى تريد أن تقرأ مقالات متخصصة في الأدب العربي* أو تشارك في عمل اقتصادي أو دبلوماسي... الخ.
وعادة ما يعبر الدارس عن غرضه أو حاجاته من تعلم اللغة في تصوره الإجرائي لهذا الغرض أو الحاجة* وعندما نقدم له تعليم اللغة في تصوره الإجرائي لها فإنه سيحاول الوصول إلى هذا المستوى الإجرائي من تعلم اللغة.
يقول ويدوسون(15) في تفسيره للحاجات بالنسبة لمتعلم اللغـة الأصليـة : >إن تعبير (حاجات المتعلم) يتسع لتفسيرين :
الأول :
يشير إلى ما يحتاج المتعلم فعله مع اللغة حينما يتم تعلمه لها* وهذا هو تفسير الحاجات من وجهة نظر أهداف تعليم اللغة في اتصالها بالسلوك اللغوي الذي هو نهاية التعلم.
والثاني :
يشير إلى ما يحتاج المعلم فعله لكي يحصل اللغة فعلاً* وهذا هو تفسير الحاجات من وجهة نظر عملية التعلم ووسائلها<.
والتفسير الأول هو الذي نأخذ به ونقصده في هذا السياق* يقول كلارك : >إن أول خطوة في أي مشروع لتدريس اللغة الأجنبية ينبغى أن يعتمد على تصميم مقرر يعكس الحاجات والرغبات اللغوية The language needs and wishes للمتعلم* وأن إغفال ذلك يقودنا إلى كارثة نواجهها فى تدريس اللغة في الفصول حيث لا وجود لما يريد المتعلم أن يتعلمه من اللغة<(16).
إنه ينبغي لمصمم المقرر وواضع مفرداته أن يصحب معه الأغراض والحاجات الاستعمالية الضرورية للدارس لكى يتعلم ما يريد أن يتعلمه learn to learn what he wants to* وإذا كان الدارس سوف يتعلم بشكل فعال ما يريد أن يتعلمه* وفي ذات الوقت ما يحتاج لتعلمه من اللغة* فإننا ينبغي بل ومن المهم أيضاً أن نترك برنامج تعليم اللغة لتحدد رغبات وحاجات الدارسين أهدافه ومحتواه(17).
إن بناء المقرر فقط في ضوء الكفاءة اللغوية المطلقة قد لا يحقق بالضرورة رغبات الدارس* ولذلك يقول فان إك Van Ek : >ينبغى أن يخطط المقرر في صورة الحد الأدنى* وتعطى الحرية للمعلم في هذه الحالة لكى يقدم بعض المواد والمواقف التعليمية في دروسه من خلال ما يشعر بأنه أساسي لمجموعة الدارسين الذين أمامه* بمعنى أن يكون مرجعه فيما يقدمه نوعية ورغبات وحاجات الدارسين<. والواقع أن مثل هذه المقررات تمكن المعلم في الواقع العملي من تدريس المادة اللغوية من منظور استخدام اللغة استخداماً فعلياً* وفي شكل مهارات أدائية اتصالية* وبشكل أكثر فعالية من تدريسها من منظور تعليم اللغة كلغة فقط* أو تقديم معلومات منتقاة من اللغة تدور حول اللغة.
وفي سياق حديث أحمد المهدي عبد الحليم عن البحث التربوي في تعليم العربية لغير الناطقين بها يثير قضية الدوافع ويقول : >إن السؤال الرئيسي في هذا المجال هو : ما دوافع غير الناطقين بالعربية إلى تعلمها ؟ ويلي هذا السؤال سؤال آخر هو : ما المهارات التي يودون تعلمها ؟ ويقول إن معرفة الإجابة على هذين السؤالين ذات أهمية بالغة في تحديد مداخلنا إلى تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها* وفي اختيار محتويات المادة التي نعلمهـا وتنسيقها* ووضع التدريبات اللازمة لها* وكذلك اختيار الطريقة أو الطرق التى نعلم بها. وليست أهمية معرفة الدوافع قاصرة على اتخاذها أساساً لتحديد الأهداف ووضع البرامج واختيار المواد والطرق* ولكنها مهمة أيضاً في معرفة الوسائل والأدوات التي تمكن المعلمين من الاحتفاظ بمستوى عال ـ دائماً ـ من الدافعية لدى من يتعلمون اللغة العربية* رغم ما قد يصادف بعضهم من صعوبات في تعلمها<(18).
وتساعد معرفة الدوافع أيضاً في تحديد المهارات* وأيها يحتاج إلى تركيز في عملية التعلم من حيث المادة والطريقة* فنوع الحاجة مثلاً (قراءة القرآن الكريم) يشير إلى التركيز على مهارة القراءة والفهم* وهكذا. ولعل الأمر الملح في هذا الصدد هو الحاجة إلى وضع أدوات موضوعية لمعرفة هذه الدوافع.
نخلص من العرض السابق إلى أمرين :
الأول :
أن هناك اتجاهاً سائداً ومعتمداً في ميدان تعليم اللغات الأجنبية يعتمد على دوافع الدارسين في تخطيط عملية تعليم وتعلم اللغة الأجنبية* هذا الاتجاه يتمثل فى عدة مداخل وبرامج منها :
1. مدخل رغبات المتعلمين Learner's want's approach.
2. مدخل تعلم اللغة مـن أجـل أغـراض خاصــة Language for special purposes approach.
3. مدخل قائم على أساس تقسيم الدارسين إلى مجموعات ووضـع برامـج تتفـق وحاجات ورغبات كـل مجموعـة A group-based learning programs وهذه المداخل تأخذ في اعتبارها عدة أمور(19) :
1. أن أغراض المتعلم من تعلم اللغة هي الأساس الرئيس في وضع البرامج.
2. أن محتوى مقررات اللغة على ذلك تتحدد في ضوء بعض أو كل الطرق التالية :
أ) الحصر : أي حصر المهارات الأساسية فقط "الفهـم والتحـدث والكـلام والقراءة والكتابة" تلك التي ينبغي أن يتضمنها البرنامج من حيـث أنهـا مطلوبة لأغراض الدارس.
ب) الاختيار : أي اختيار المفردات والتراكيب والمضامين وأنمـاط القواعــد ووظائف اللغة التي ينبغي أن يتضمنها المحتوى من حيث أنهـا مطلوبة لأغراض الدارس.
ج) المباحث والموضوعات : أي الموضوعات والمواقف* ومـواقف استخـدام اللغة التى ينبغى أن يتضمنها البرنامج من حيـث أنها مطلوبة لأغراض الدارس.
د) الحاجات الاتصالية : أي الحاجات الاتصالية والتفاعل المناسـب عـــن طريق اللغة مع الآخرين أفراداً وجماعات* تلـك التي تتصل بأغراض الدارسين.
الثانى :
أن دراسة دوافع الدارسين لتعلم اللغة العربية كلغة أجنبية تفيدنا في عدة أمور :
1. ربط المقرر ومفرداته بما يمكن توقع حدوثه في حجرة الدراسة.
2. الاهتمام بوضع مقررات خاصة* تتضمن ترجمة حقيقيـة للأهـداف التــى وضعت في ضوء التحديد الموضوعي لدوافع الدارسين.
3. تأكيد العلاقة التدريسية بين المعلم والدارسين من خلال تعرفه على دوافعهـم.
4. تحديد عمليات التدريس وإجراءاتها بما يتناسب مع المهارات التــي يرغـب الدارســون في اكتسابها* وتوجيه هذه العمليات والإجراءات نحو تحقيق الأهداف.
5. تكييف مهارات التدريس عند المعلم مع طبيعة عمليات التدريس وإجراءاتـها التي تتناسب مع المهارات اللغوية المطلوبة للدارسين.
6. تعرف أفضل طرق إثارة دوافع الدارسين للتعلم والاحتفاظ بحماسهـم* وذلـك بربط هذه الطرق برغباتهم وأغراضهم.
7. وضع وابتكار أدوات ووسائل وأساليب تقيس مدى تقدم الدارسين والمعلمـين تجاه تحقيق الأغراض.
أنواع الدوافع :
يمكن أن ننظر إلى دوافع الدارسين لتعلم اللغة الأجنبية من منظورين :
المنظور الأول :
وفيه ننظر إلى الدوافع من منظور ما يسمى بالدوافع التكاملية والدوافع الوسيلية(20).
أ) الدوافع التكاملية :
هي تلك التي تعكس مستوى عال جداً من الدافـع الشخصـي لتحصيـل لغــة ما تمثل شعوبها له قيمة اتصالية* وذلك من أجل تسهيل عملية اتصاله بهذه الشعوب. وهذه الدوافع التكاملية تتصل بالرغبة في تعلم اللغة.
وهذا النوع من الدوافع يقوم بدور نشيط في تعلم اللغة* حيث أجمعت الأبحاث على أن الطلاب أصحاب الدوافـع التكاملية يثبتون نجاحاً واتجاهاً إيجابياً نحوها ونحو شعبها أكثر من أي دوافع أخرى. وهذه الدوافع التكاملية تتصل بالرغبة في تعلم اللغة. يقول جاردنر (Gardner, R.) ولامبرت (Lambert, W.)(21) إن الكفاءة في اللغة الأجنبية تعتمد على ما هو أكثر مـن أن تكـون للمتعلـم أذن لتحصيل اللغة* إن دوافع المتعلم نحو اللغة والدرجة التي ترجع إليها رغبته في مشاركة أصحابها سماتهم وثقافتهم وأنشطتهم* تحدد إلى حد كبير مستوى النجاح في تعلم لغة جديدة* وهما بهذا المعنى يقصدان الدوافع التكاملية(22).
ويقول جاردنر في مكان آخر* إنه لأمر لا شك فيه أن التحصيل الناجح للغة الأجنبية يعتمد وبشكل كبير على عوامل الدافعية بشكل خاص* وأن مفتاح النجاح يكمن أيضاً في اختيار دوافع تكاملية تجاه الثقافة الأجنبية* تلك التي يعبر عنها الدارسون في رغباتهم Willingness في مشاركة الجماعة اللغة.
ب) أما الدوافع الوسيلية :
فهي الرغبة في تحصيل اللغة من أجل أغراض نفعية* ويدخل فيهـا تشجيـع الوالدين والآخرين وما شابه ذلك. وهذه تقوم بدور أقل في تعليم اللغة (فتعلم اللغة يقل نجاحاً إذا كانت دوافع الدارسين وسيلية أكثر منها تكاملية* لأن القيمة هنا كغاية لتحصيل الكفاية في اللغة الأجنبية تتقدم* ويقل البحث عن علاقة نشيطة مع المتحدثين باللغة وينحصر الأمر في معرفة بعض المعلومات عن ثقافة اللغة)(23).
ولقد قام جاردنر ولامبرت بدراسة قائمة على فرض مؤداه أن التحصيل في تعلم اللغة الثانية يعتمد على مجموعة من الدوافع شبيهة بالدوافع الضرورية لتعلم اللغة الأم* بمعنى الرغبة لأن يصبح المتعلم عضواً في ثقافة الجماعة.
وقد قاما باستخدام عدد من المقاييس المتنوعة مع 75 من المتحدثين باللغة الإنجليزية في مونتريال في الصف الحادي عشر* منهم 43 من الذكور* و32 من الإناث. ولقد قاما بالتمييز بين من يدرسون اللغة الفرنسية في العينة من أجل أن يطلعوا على الثقافة الفرنسية* وبين هؤلاء الذين يتعلمونها من أجل أغراض نفعية. ولقد وجدا أن الطلاب الذين يدرسون اللغة من أجل معرفة ثقافتها أكثر تفوقاً من الآخرين في تحصيل اللغة* ولقد توصلا من خلال استخدام التحليل العاملي لسجلات التحصيل إلى أن هناك عاملين رئيسيين يكمنان خلف التحصيل في تعلم اللغة الأجنبية* هما :
1. القدرة اللفظية.
2. الدافعية المتمثلة في الرغبة في أن يكون الدارس عضواً له قيمة في جماعة اللغة.
فلكل نوع من هذه الدوافع دور مهم في تعلم اللغة ؛ ومن ثم ينبغي التعرف على هذه الدوافع ومداها عند دارسي اللغة العربية من غير الناطقين بها ذلك >أن العلاقة بين الدوافع التكاملية وتعلم اللغة* والدوافع الوسيلية وتعلم اللغة لا تخضع مباشرة لنوعية هذه الدوافع* ولكن ترجع إلى السياق النفعي لثقافة اللغة بالنسبة للمتعلم<(24).
وثقافة اللغة العربية بالنسبة للدارسين المسلمين المقبليـن على تعلمها في ظننـا ثقافيـة نفعية من جوانب كثيرة على رأسها دراسة الدين الإسلامي والتفقه فيه.
وترتيباً على ذلك ينبغي أن نأخذ في اعتبارنا الكشف عن هذين النوعين من الدوافع وتبيان مدى توافر كل منهما لدى الدارسين* مع العلم أن >كل برامج تعليم اللغات إما أن تكون متصلة بالدوافع التكاملية* أو بالدوافع الوسيلية أو بهما معاً<(25).
المنظور الثاني :
وفيه نقسم الدوافع طبقاً لما يمكن أن تصنف فيه من جوانب الحياة وأنشطتها فهناك دوافع دينية* ودوافع تعليمية ثقافية* ودوافع مهنية اقتصادية* ودوافع شخصية اجتماعية. يقول أحمد المهدي عبد الحليم : >إن هذه الدوافع يمكن أن تكون واحداً أو أكثر مما يمكن تصنيفه إلى : دوافع اقتصادية* وسياسية* ودينية* وثقافية* واجتماعية* وعسكرية* ومهنية<(26).
فالدوافع الدينية لتعلم اللغة العربية >قديمة قدم الإسلام نفسه* وواسعة سعة انتشاره في مختلف أرجاء المعمورة* وينظر دارسو اللغة العربية من المسلمين إلى تعلمها باعتباره واجباً دينياً لا يقل أهمية عن تعلم الدين نفسه* لهذا فهم يقدمون على تعلمها بدافع ذاتي قوي لتحقيق فهم أفضل لتعاليم الدين الحنيف وليكونوا* بعد عودتهم رجال دين أو أئمة أو مدرسين للعربية والشريعة الإسلامية<(27). وقد تتمثل دوافع هذا الجانب في قراءة القرآن مثلا* أو فهم تفسيره* أو دراسة التاريخ الإسلامي* أو العمل في نشر الدعوة الإسلامية... إلخ.
أما الدوافع التعليمية الثقافية فتتمثل في رغبة الدارس في تعلم العربية مثلاً ليواصل الدراسة بها والتخصص في علوم اللغة* أو لأنها متطلب أساسي لدخول كلية من الكليات الجامعية* أو للاتصال بالثقافة العربية الإسلامية أو لقراءة الكتاب العربي والصحافة العربية.. إلخ. وهي دوافع قديمة ومستمرة حتى الآن* ويقبل الكثيرون على دراسة اللغة العربية مدفوعين بمثل هذا النوع من الدوافع.
أما الدوافع المهنية والاقتصادية* فتتمثل في رغبة الدارس لتعلم العربية مثـلاً* لأن تعلمها يساعده على الحصول على عمل ما فى البلاد العربية* أو للعمل في الإدارات العربية ببلده* أو ينجح في تجارته مع البلاد العربية* أو لأنه سيعمل دبلوماسياً في إحدى البلاد العربية* وهذه الدوافع تكتسب أهميتها من اهتمام العالم بالمنطقة العربية وثرواتها وموقعها الاستراتيجي... إلخ.
أما الدوافع الشخصية الاجتماعية* فتتمثل في رغبة الدارس لتعلم العربية مثلاً* لأن أصدقاءه يتحدثونها ويقرءون بها* وهو يود أن يكون مثلهم* أو لأنه يريد الإقامة في البلاد العربية* أو لأنه سمع أنها لغة سهلة* أو لأنه أحبها من خلال معلمها في بلاده* أو لكونها أصبحت لغة عالمية* أو لأن تعلم اللغات الأجنبية أصبح ضرورة عالمية... إلخ.
وعلينا في برامج تعليم اللغة العربية الاهتمام بهذه الدوافع في ضوء أوزانها عند الدارسين. ونخلص من هذا الفصل إلى عدة أمور :
1. أن دوافع الدارسين تلعب دوراً في غاية الأهمية في تعلم اللغة العربية من حيث أهدافها وبرامجها وطرقها ووسائل تعليمها لغير الناطقين بها.
2. أن هناك دوافع تكاملية ودوافع وسيلية ينبغي الكشف عن كل منها وأخذها في الاعتبار عند بناء البرامج ووضع المقررات.
3. أن هناك دوافع دينية وتعليمية وثقافية* ومهنية واقتصادية* وشخصية اجتماعية ينبغي الكشف عنها عند الطلاب وأخذها في الاعتبار عند تخطيط البرامج والمقررات.
4. أن هذه الدوافع في حاجة إلى أداة لتحديدها والكشف عن مصادرها ودرجة شيوعها وحدتها عند الدارسين.

الأساس الخامس : طبيعة عملية تعلم اللغة واكتسابها

يستند هذا الأساس على ما يزودنا به علم النفس التربوي من نظريات التعلم ومبادئه إجابة عن السؤال : كيف يتعلم الإنسان؟. ومن ثم كيف تتم عملية تعلم اللغة وتعليمها ؟ ويحتاج مخطط منهج تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها والقائم على بنائه أن يعود للمصادر التي تتناول المبادئ النفسية والتربوية لتعلم اللغات الأجنبية* وللكفايات التي تتناول عملية اكتساب اللغة حتى يتسنى له مراعاة ذلك في كل عناصر المنهج* وسنكتفي هنا بإشارات موجزه لبعض مبادئ التعلم في عملية تعليم اللغة وتعلمها* وهي أن :
أ) نوعية الخبرات اللغوية ومواقف تعلم اللغة هي التي تحدد نوعية التعلم المطلوب والعكس صحيح.
ب) المواقف والخبرات اللغوية لا تكون ذات فعالية في مساعدة المتعلم على اكتساب اللغة إلا إذا كانت في مجموعها ذات معنى ودلالة* ووظيفية بالنسبة للمتعلم ومرتبطــة بأغراضه من تعلم اللغة.
ج) مواقف تعليم اللغة يجب أن تعتمد على استغلال نشـاط الـدارس ومشاركتـه فـي الممارسات اللغوية* وفعاليته في التجرؤ على استعمال اللغة دون خوف من خطأ* أو خجل من ضعف أو قصور في الأداء اللغوي.
د) الموقف الجيد لتعليم اللغة وتعلمها يعتمد على شمول وتنوع الخبرات اللغوية* إذ يجب أن يتضمن الموقف استماعاً وكلاماً وقراءة وكتابة* كمـا يتضمـن أنشطـة مرئيـة وصوتية* وحوارات ومناقشات* ولعب أدوار ومعامل وتدريبات... إلخ.
هـ) تنظيم خبرات تعلم اللغة يجب أن يكون في صورة قابلة للتعلـم مـن وجهـة نظـر الدارسين* فقد نبدأ من البسيط إلى المعقد* أو من السهل إلى الصعب* أو من الجزء إلى الكل* أو من الكل إلى الجزء* أو قد نبدأ بالأصوات ثم أشكال الحــروف ثـم الكلمات ثم الجمل.. إلخ* وقد نبدأ بالجمل ونتجه إلى الكلمات ثم إلى الحروف.. إلخ. المهم أن يتفق تنظيم المادة وتتابعها مع طبيعة الدارسين بحيث تكون قابلــة للتعلـم لديهم.
و) تعلم اللغة يكون أكثر فاعلية وتحقيقاً لاكتساب اللغة وممارستها حين يوجــه المعلـم الدارسين ويثير اهتمامهم وينمي ميولهم* ويوقظ حاجاتهم وأغراضهم ويوجه تدريسه نحو ما يشعرهم أنهم يتعلمون ما يشبع حاجاتهم ويحقق أغراضهم من تعلم اللغة.
إن معرفة من يقوم بوضع منهج تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها بكل من النظام الصوتي والصرفي والتركيبي والدلالي للغة العربية* وتمكنه من خصائص العربية والصعوبات التي يمكن أن تواجه متعلميها من غير الناطقين بها وما تكشف عنه الدراسات التقابلية* كل هذا يجعله قادرًا على توصيف المحتوى اللغوي واختياره بشكل يتناسب وقابليته للتدريس والتعلم* ويجعل الصياغة اللغوية متناسقة مع خصائص اللغة متجنبة ومعالجة للصعوبات التي يمكن أن تواجه المتعلم.
وإذا أعدنا النظر في هذه الأسس الخمسة نكتشف أنها تترابط وتتكامل في علاقات تأثـير وتأثر* فهى أشبه ما تكون بالبناء الخرساني المتماسك* والذي إذا سقط منه عمود تهاوى المبنى كله. فالأساس الأول* وهو الخبرة اللغوية لا يمكن أن تتـحدد وتخـتار دون أن تسـتند إلى الثقافة العربية الإسلامية* لأن اللغة تحمل ثقافتها ؛ أي ثقافة ناطقيها وهو الأساس الثالث. كما أن هذه الخبرة اللغوية بمحتواها الثقافي لا يمكن أيضاً أن تختار وتعد بشكل سليم إلا في ضوء طبيعة وخصائص متعلميها من غير الناطقين بها* إذن فالمتعلم يؤثر في الخبرة اللغوية والثقافية المقدمة له* كما أن هذه الخبرة تؤثر في المتعلم من حيث هي وسيلته لتعلم اللغة. بالإضافـة إلى ذلك لابد أن تكون الخبرة اللغوية والثقافية المقدمة في المنهج قابلة لأن تعلم وأن تتعلم في الوقت نفسه* لذا يأتي الأساس الخامس* وهو دراسة طبيعة عمليتي تعليم اللغة واكتسابها ليحدد لنا مدى قابلية الخبرة للتعلم. يحكم كل هذا طبيعة اللغة العربية وخصائصها* وهو الأساس الثاني* بمعنى أن هذه الخبرة اللغوية مستمدة من اللغة ولابد أن تتسق هذه الخبرة مع طبيعة اللغة وخصائصها وإلا كنا نعلم خبرة لغوية غير منسوبة للغة بعينها* لذا فإغفال أساس من هذه الأسس عند إعداد منهج تعليم اللغة العربية لغير الناطقين يؤدي إلى قصور في المنهج وفشل في تعليم اللغة وتعلمها.



الفصل الرابع
عناصر بناء المنهج


مقدمة

ذكرنا أن عناصر بناء أي منهج تعليمي* ومن ثم بناء منهج لتعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها تتمثل في :
أ) الأهداف.
ب) المحتوى ومستواه وتنظيمه.
جـ) طريقة التدريس والوسائل المعينة.
د) دليل معلم العربية لغير الناطقين بها.
هـ) التقويم.
وفيما يلي نعرض لكل عنصر عرضاً موجزًا.

أولاً : الأهداف

1. تمثل الأهداف التعليمية لمنهج تعليم اللغة العربية حجر الزاوية ونقطة البداية للمنهج* من حيث أنها هي التي تحدد محتوى المنهج ومستواه لغوياً وثقافياً* وتحدد أنسب طرق التدريس والوسائل والأنشطة المعينة* كما أنها تمثل نقطة النهاية من حيث أنها تحدد مستوى التقويم ووسائله وأساليبه* وخطة تطوير المنهج وتعديله. والهدف التعليمي هو وصف للسلوك اللغوي الذي نتوقع حدوثه أو نرمـي إلــى حدوثه لدى الطالب نتيجة لمروره بخبرات المنهج وتفاعله مع مواقف تدريــس اللغة.
2. ولكي تنجح عملية بناء المنهج لابد من مراعاة أسس وشروط صياغة الأهـداف صياغة سلوكية. من هذه الأسس والشروط* أن :
أ) يكون الهدف محددًا وواضحاً.
ب) نستطيع ملاحظته في ذاته أو في نتائجه.
ج) نستطيع قياسه وتقديره بشكل دقيق.
د) يذكر على أساس مستوى الطالب.
هـ) يرد في عبارة الهدف ما يعرف باسم الحد الأدنى للأداء.
و) تشتمل عبارة الهدف على فعل سلوكي يشير إلى نوع السلوك اللغوي.
ز) تشمل جوانب السلوك المعرفي والمهاري والوجداني.
ح) يكتب الهدف طبقاً للمكونات التالية :
أن + فعل سلوكي + الطالب + مصطلح من المادة + الحد الأدنى للأداء*
مثال :
* أن يضع الطالب خطاً تحت الفاعل في نص من أربعة أسطر في ثلاث دقائق.
* أن يقرأ الطالب نصاً من خمسة أسطر قراءة جهرية في دقيقتين دون خطأ في الإعراب.
3. ينبغي أن تتضمن أهداف منهج تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها عدة مستويات من الأهداف(28) :
أ) أهداف عامة للمنهج* ومن أمثلة هذه الأهداف :
* فهم اللغة العربية الفصيحة المستعملة ؛ أي الاستماع الواعي في مواقف الحياة العامة.
* التحدث باللغة العربية وسيلة اتصال مباشر وتعبيرًا عن النفس.
* قراءة اللغة العربية بيسر* وإدراك للمعاني والتفاعل معها.
* الكتابة باللغة العربية تعبيرًا عن مواقف وظيفية* وتعبيرًا ذاتيا عن النفس.
ب) أهداف عامة لكل مهارة من مهارات اللغة الأربع* وهي الاستماع والتحدث والقراءة والكتابة* حيث ينبغي على واضع المنهج أن يحدد أهدافاً عامـة لتعليم كل مهارة من هذه المهارات.
ج) أهداف خاصة : وهي الأهداف السلوكية المبتغاة* أو التي نسعى إلى تحقيقها من تعليم كل مهارة من مهارات اللغة الأربع.
د) أهداف خاصة بالمستويات : فلدينا في تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها ثلاثة مستويات هي المستوى الابتدائي* والمستوى المتوسط* والمستــوى المتقدم* وهنا ينبغي أن نضع أهدافاً خاصة لكل مهارة من مهارات اللغـة الأربع* وذلك لكل مستوى من مستويات تعليم اللغة فتصبح لدينا أهــداف خاصة سلوكية لتعليم الاستماع والتحدث والقراءة والكتابة فـي المستـوى الابتدائي* ومثلها للمتوسط* ومثلها للمتقدم.
والشكل التالي يوضح أنواع الأهداف ومستوياتها.

هـ) يبقى أن نشير إلى الأهداف السلوكية المتصلة بالموقف التعليمي داخل حجــرة الدراسة أو ما شابهها* حيث يقوم المعلم بتحديد الأهداف التعليمية لكل درس يدركه الطلاب* ويسعى هو إلى تحقيقه بالتدريس كما يسعى إلى قياسه مع نهاية كل درس.
ولكي يكون حديثنا عن الأهداف إجرائياً* نقدم نماذج لبعض الأهداف العامة لكـل مـن الاستماع والكلام والقراءة والكتابة* ثم نماذج لبعض الأهداف الخاصة لهذه المهارات الأربع في المستويات الثلاثة لتعلم اللغة.

1. الاستماع :
مثال لأهداف عامة :
* التعرف على الأصوات العربية وتمييز ما بينها من اختلافات صوتية ذات دلالة عندما تستخدم في الحديث العادي وبنطق سليم.
* التعرف على الحركات الطويلة والقصيرة والتمييز بينها.
مثال لأهداف خاصة :
* المستوى المبتدئ.
ــ ربط صوت بعض الكلمات بدلالاتها ومعانيها.
ــ التعرف على التضعيف والتنوين وتمييزهما صوتياً.
* المستوى المتوسط.
ــ فهم بعض الأخبار القصيرة والمألوفة.
ــ فهم التعليمات والإرشادات والحوارات المتصلة بمواقف حياة المتعلم.
* المستوى المتقدم :
ــ متابعة نشرة الأخبار وإعادة حكايتها.
ــ فهم ما يدور في حلقة نقاشية حول موضوع يهم الطالب.

2. الكلام :
مثال لأهداف عامة :
* أن ينطق المتعلم أصوات اللغة العربية* وأن يؤدي أنواع التنغيم والنبر بطريقة مقبولة من أبناء اللغة.
* أن ينطق الأصوات المتجاورة والمتشابهة.
مثال لأهداف خاصة :
* المستوى المبتدئ :
ــ أن ينطق اللغة العربية نطقاً صحيحاً وبطريقة مقبولة.
ــ أن يستخدم عبارات التحية والاستقبال والتوديع والرد عليه.
* المستوى المتوسط
ــ أن يطلب الأشياء من الآخرين* ويستجيب لطلبهم في عبارات واضحة.
ــ أن يتعامل باللغة في السوق والمطعم والسفر والصحة... إلخ.
* المستوى المتقدم
ــ أن يتحدث عن شئ استهواه من الثقافة العربية الإسلامية.
ــ أن يتحدث عن تجربته مثلاً في تعلم اللغة العربية.

3. القراءة :
مثال لأهداف عامة :
* أن يقرأ الطالب اللغة العربية من اليمين إلى اليسار بشكل سهل ومريح.
* أن يقرأ نصاً ما قراءة جهرية بنطق سليم.
مثال لأهداف خاصة :
* المستوى المبتدئ
ــ أن يتعرف على شكل الحروف العربية.
ــ أن يفهم ما يقرأ من كلمات وجمل.
* المستوى المتوسط :
ــ أن يتوقف في القراءة الجهرية عند علامات الترقيم بتنغيم يعبر عن المعنى.
ــ أن يقرأ بعض الأخبار القصيرة والمألوفة.
* المستوى المتقدم :
ــ أن يفهم الأفكار الرئيسية والتفصيلية فيما يقرأ.
ــ أن يقرأ بعض الموضوعات في الكتب العربية.

4. الكتابة :
مثال لأهداف عامة :
ــ أن يكتب الكلمات العربية بحروف منفصلة* وحروف متصلة.
ــ أن يعرف قواعد الكتابة العربية ويطبقها في كتابته.
مثال لأهداف خاصة :
* المستوى المبتدئ
ــ أن يكتب الحروف العربية من اليمين إلى اليسار.
ــ أن يكتب بعض الجمل البسيطة عن طريق النقل.
* المستوى المتوسط :
ــ أن يكتب بطاقات الدعوات والتهاني.
ــ أن يدون بعض الأفكار والمذكرات البسيطة.
* المستوى المتقدم :
ــ أن يكتب موضوعاً مقالياً حول فكرة يود التعبير عنها.
ــ أن يكتب بعض الموضوعات الوظيفية* كالرسائل والتقارير... إلخ.

ثانياً : المحتوى والمستوى

يقصد بالمحتوى في منهج تعليم اللغة العربية لغير الناطقين به مجموعة المواقف التعليمية ذات المضمون اللغوي والثقافي والاتصالي المقدمة للطالب* وأيضاً الأنشطة اللغويـة والثقافية والاتصالية التي تسهم في تعلم اللغة عن طريق ممارسة الطـالب لهــا ومعايشـته لمضمونها.
ولكي نختار هذا المحتوى بشكل سليم* لابد من معايير لاختيار المحتوى اللغوي بشكل يستجيب لطبيعة اللغة العربية وخصائصها* وأيضاً يستجيب لطبيعة الدارس وسنه ومستواه وأغراضه ودوافعه. وهكذا في المحتوى الثقافي لا بد من معايير لكي يستوفي المحتوى طبيعة الثقافة العربية الإسلامية* وأغراض ودوافع المتعلم أو الدارس. وهناك أيضاً المعايير التربوية من حيث معالجة هذا المحتوى تربوياً وتعليمياً* بحيث يتحول إلى مادة تصلح وسيلة لتعلم اللغة وتعليمها* وذلك من حيث الكم والكيف والمعالجة التدريسية والتدريبات... إلخ.
وإلى جانب هذه المعايير* لابد من معرفة مجموعة من الطرق لاختيار هذا المحتوى* منها :
أ) آراء الخبراء والمختصين في تعليم اللغة العربية لغـير الناطقـين بهـا* وفـي الدراسات اللغوية* والدراسات النفسية* وأيضاً الخبراء في الثقافة العربية الإسلامية.
ب) تحليل دوافع الدارسين ورغباتهم وأغراضهم* والأنشطة اللغويـة التـي يـودون الانخراط فيها بعد تعلمهم العربية.
جـ) أهداف المنهج ومستوى المهارات اللغوية المطلوبة للأداء اللغوي.
د) الدراسات المقارنة لمناهج تعليم اللغات الأجنبية وخبرات أصحاب هذه اللغات فـي تعليم لغاتهم* بالإضافة إلى الدراسات التقابلية بين اللغة العربية ولغات الدارسين.
وبنظرة فاحصة نجد أن هذه الطرق ليست طرقاً منفصلة أو منعزلة عـن بعضـها* فهي في مجموعها تشكل الطريقة العلمية المتكاملة لاختيار المحتوى* إذ لابـد مـن آراء الخبراء والمختصين* ولا بد من دوافع الدارسين وأغراضهم* ولا بد مــن الارتباط بأهداف المنهج والاستعانة بمناهج تعليم اللغات الأخرى وخبرات القائمين على تعليمها* وأيضاً الدراسات المقارنة والتقابلية* فكل هذه الطرق مجتمعة تمكننا من اختيار محتوى المنهج بشكل علمي وسليم. ويبقى أن نشير إلى طريق آخر* ألا وهو ضرورة تجريب المحتوى وتعديله في ضوء هذا التجريب.
وهناك أيضاً معايير عامة لا بد من مراعاتها عند اختيار محتوى منهج تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها* منها :
1. صلة المحتوى بأهداف تعليم اللغة* بمعنى أن يكون المحتـوى ترجمـة أمينــة للأهداف يقدم خبرات تعليمية تحقق الأهداف لدى الدارسين.
2. صدق المحتوى وأهميته* وصدق المحتوى يعني أن يكون المضمـون اللغــوي والثقافي والاتصالي لهذا المحتوى صحيحاً علمياً من حيث ما يتضمنه من معلومات ومعارف وقواعد وأسس ومبادئ ونظريات* أما أهميته فتعني أن يكون المضمون بأبعاده المختلفة يقدم فائدة للدارس ويعينه على تحقيق أغراضه من تعلـم اللغـة* ويجد فيه زاداً جديداً يغريه بالاستمرار في تعلم اللغة وتحقيق نجاحات فـي هـذا التعلم.
3. ارتباط المحتوى بحاجات الدارسين* وهذا يعني أن يستجيب المحتوى لغوياً وثقافياً واتصالياً لحاجات الدارسين من تعلمهم العربية* وأن يتضمن هذا المحتوى مـواقف تعليمية تشبع هذه الحاجات وتلبيها* ولذا كان من الضروري أن يُختـار محتـوى المنهج في ضوء حاجات الدارسين من تعلم اللغة.
4. شمول المحتوى ومراعاته للفروق الفردية* وهذا يعني تعدد الخبرات اللغوية بمقدار اتساع اللغة* وتعدد الخبرات الثقافية بتعدد أنماط الثقافة وأنواعها وأبعادها الماضية والحاضرة والمستقبلية* وأيضاً تعدد الخبرات الاتصالية بتعدد مواقـف الاتصـال الحياتية وتنوعها* وبهذا يكون محتوى المنهج قد حقق شموله لخبرات متعددة* وفي ذات الوقت يقابل تعدد هذه الخبرات الفروق الفردية بين الدارسين حيث سيجد كـل دارس حاجاته وما يحقق رغباته.

مستوى المحتوى وتنظيمه :
ترتبط عملية اختيار المحتوى بما يسمى المستوى ؛ أي الكيفية التي تمكننا من توزيع خبرات هذا المحتوى على مستويات تعليمية مختلفة* وعلى فترات زمنية متتابعة*وتقرير ماذا يدرس من هذا المحتوى ؟ ولمن ؟ ومتى ؟. وفي هذا السياق لا بد من الإشارة إلى ضرورة مراعاة معايير تنظيم المحتوى* وهي التكامل والاستمرار والتتابع.
ونعني بالتكامل ترابط خبرات المحتوى ومواقف التعلم* بحيث يؤثر كل موقف في الموقف الآخر* وتؤثر كل خبرة لغوية في الخبرة الأخرى* حيث نأخذ في اعتبارنا أن تعليم الاستماع ينمي تعليم الكلام* وتعليم الكلام ينمي مهارات الاستماع* وكلاهما ينمي مهارات القراءة والكتابة... وهكذا تتكامل الخبرات وتترابط.
أما الاستمرار فنعني به أن يبدأ المحتوى في المستوى الأول لتعليم اللغة بخبرات شاملة متكاملة* ولكن بشكل ضيق وسطحي* وكلما تقدمنا بالمحتوى إلى مستويات أعلى اتسع وتعمق* وهكذا تستمر عملية اكتساب الخبرات اللغوية اتساعاً وعمقاً.
أما التتابع* فنعني به أن تتتابع الخبرات اللغوية فتمهد الخبرة السابقة للخبرة اللاحقة* وأن يكون لهذا التتابع منطق تنظيمي* فقد تبدأ الخبرات اللغوية وتتدرج بالشكل التالي :
ــ من الكل إلى الجزء.
ــ من البسيط إلى المعقد.
ــ من السهل إلى الصعب.
ــ من الجديد إلى القديم.
ــ من المقدمات إلى النتائج.
وكمثال على منطقية التنظيم تتابع قواعد اللغة تتابعاً منطقياً* فلابد من دراسة الجملة الفعلية قبل أن ندرس الفاعل* وندرس الفاعل قبل أن ندرس المفعول به* وهكذا.
ولا بد أن نشير هنا إلى أن هناك صعوبات تواجه الخبراء عند اختيار المحتوى وتنظيمه في ضوء مستويات تعليم اللغة* ومستويات الدارسين* ودوافعهم وحاجاتهم وأغراضهم. وفي ضوء أهداف الناطقين بالعربية من تعليم لغتهم.. إلخ. ولذا* فالأمر يحتاج إلى جهود مثابرة ومحاولات دءوبة ومستمرة في هذا المضمار.

ثالثاً : الطريقة والوسائل والأنشطة

أ) تمثل طريقة التدريس عنصراً مهماً من عناصر بناء المنهج* فإذا انتهينا من اختيار المحتوى وتنظيمه* علينا أن نتساءل : ما طرق التدريس واستراتيجياتـه وفنياتــه وإجراءاته اللازمة لتدريس هذا المحتوى ؟ وهنا لا بد علـى واضعـي المنهـج أن يقوموا بتحديد أنسب الطرق والاستراتيجيات التدريسية المناسبة لتدريس المحتوى* ومن ثم لا بد أن يدرك المتخصصون أن هناك موجهات لاختيـار أنسـب الطـرق والاستراتيجيات* منها :
1. الأهداف : فأهداف المنهج يمكن أن تمثل موجهاً أساسياً لاختيـار الطـرق والوسائل والأساليب التدريسية المناسبة لتحقيق هذه الأهداف.
2. المحتوى : نقول في علم التربية إن المحتوى والطريقة وجهان لعملة واحدة* فالمحتوى يحدد ما يناسبه من طرق تدريس ووسائل وأنشطة* وأيضاً طـرق تدريس وإجراءاته وفنياته يمكن أن تحدد شكل المحتوى* ومن ثم يعتبر المحتوى موجهاً لاختيار ما يناسبه من طرق تدريس.
3. إدراك المعلم لخبرات الدارسين ومستوياتهم ودوافعهم والفروق الفردية بينهم.
4. إدراك المعلم لطبيعة اللغة العربية وخصائصها وصعوبات تعلمها.
5. إدراك المعلم ومعرفته بمختلف مصادر تعليم اللغة العربية وأنشطتها.
6. إدراك المعلم للعلاقة بين الطريقة والوسيلة والنشاط.
ب) ونظراً للعلاقة الوثيقة بين طريقة التدريس والوسائل التعليمية والنشاط* فمــن الضروري أن نشير إلى أنه ينبغي على واضعي منهج تعليم اللغة العربيـة لغـير الناطقين الالتفات إلى ربط المحتوى وطريقة التدريس بالوسائل السمعية والبصـرية ومعامل اللغة والأجهزة* بحيث يوجـه المحتوى وطريقـة التدريس منفـذ المنهـج (المعلم) إلى أنسب الوسائل التعليمية والأساليب التكنولوجية التي تساعد الدارســين على تعلم اللغة بشكل أكثر فعالية* وتعبر بهم من الخبرة غير المباشرة ـ إذا كانت اللغة تعلم خارج الدول العربية ـ إلى الخبرة المباشرة* وكأنها تعلـم في وطنهـا مـن حيـث الاستعانة بناطقيها عن طريق الوسائل السمعيـة والبصريـة والمعامـل والأساليـب التكنولوجية الأخرى.
كما يتطلب الأمر من واضعي المنهج تخطيط برنامج نشاط لغوي ينبثق من محتويات المنهج ويدعم تعلم هذا المحتوى ويفعله* ويصبح ميداناً للاستعانة بالوسائل المعينة والتكنولوجيات* فتعلم اللغة يحتاج إلى ممارسة حية لها* واستعمالات حياتية* ومعايشة لمواقف أداء لغوي من تلك التي يحتاجها الدارسون ويقبلون على تعلم اللغة من أجل النجاح لغوياً في أدائها* لذا فبرنامج نشاط لغوي يقوم على المناقشات والحوارات ولعب الأدوار والتمثيل واستخدام الإذاعة والشرائط والرحلات ومواقف الاتصال المختلفة مما يتيح فرصة لممارسة المحتوى اللغوي في مواقف اتصالية ــ نقول مثل هذا البرنامج أمر ضروري كجزء من منهج تعليم اللغة. وحبذا لو تضمن البرنامج الكيفيات المختلفة والفنيات المتعددة والأساليب المناسبة لممارسة أنشطة البرنامج بطريقة فعالة ومجدية. أما ما يتصل بطرق تدريس اللغة العربية لغير الناطقين بها* فقد خصص لها كتاب آخر.

رابعاً : دليل المعلم

يرى البعض أن دليل المعلم عنصر مهم من عناصر المنهج* وهي رؤية يمكن أن تكون أكثر قبولاً فـي ميدان تعليم اللغات الأجنبية بشكل عام* وميدان تعليم اللغة العربية بشكل خاص* ذلك أنه عادة ما يكون معلمو اللغات الأجنبية التي تعلــم فـي غـير بلادهـا ليـسوا من الناطقين بها* ومن ثم يحتاجون إلى دليل أو مرشد يعوضهم عما لدى المعلمين من أبناء اللغة والناطقين بها من خبرة وبصيرة ومعرفة بأمور لغتهم مما قد لا يدركه المعلمون من غير أبناء اللغة* هذا بشكل عام* أما فيما يتصل باللغة العربية* فالحاجة إلى دليل للمعلم أكثر إلحاحاً* لأسباب منها تأخر الاهتمام بإعداد معلم للغة العربية باعتبارها لغة أجنبية* وقلة الخبرة العلمية والميدانية لإعداد هذا المعلم* وقلة عدد المعلمين المؤهلين لهذه المهمة من الناطقين بالعربية* وكثرة من يمارسون هذه المهمة في أنحاء كثيرة من العالم سواء أكانوا عرباً أو ممن تعلمـوا العربية وبدأوا يعلمونها* ولذلك على واضعي المنهج ومخططي البرامج والمقررات ومعدي المواد التعليمية والكتب أن يتعرفوا على أمرين :
أولهما : مفهوم دليل المعلم من حيث إنه كتاب أو مادة لها أهداف ووظائــف تحققها لدى المعلم* من حيث إقداره على تدريس المقرر اللغوي بشكل فعــال* لأن الدليل يبصره بأشياء تتصل بـأهداف المقــرر ومحتـواه وتدريســه وتقويمه. ومن هنا يأتي التعرف على الأمر الثاني.
ثانيهما : محتوى دليل المعلم المتمثل في أن هذا الدليل يحكي للمعلم ما يلي :
ــ أسس إعداد المادة التعليمية التي سيقوم المعلم بتدريسها والأمور التـي روعيت في عملية الإعداد.
ــ مصادر إعداد هـذه المادة* والأساليب التي اتبعت في صياغتهـا وعرضها.
ــ أهداف تدريس المادة.
ــ أنواع التدريبات وأهدافها وطرق معالجتها.
ــ أكثر طرق التدريس وفنياته وإجراءاته المناسبة لهذه المادة فعالية.
ــ عرضاً لنماذج من تدريس بعض أجزاء هذه المادة.
ــ اقتراح الوسائل التعليميـة والأنشطـة الإضافيـة التي تثري تدريس المادة.
ــ اقتراح وسائل وأساليب لتقويم نتائج تعلم هذه المادة.
على أن يخاطب المعلم بأن هذا الدليل مساعد وموجه ومرشد غير مفروض عليه ولا هو مقيد به* ويمكنه التغيير والتعديل في ظل ظروف الموقف التدريسي وشروطه.

خامساً : تقويم تعلم اللغة

ولكي تكتمل معرفة من سيقوم بوضع المنهج وبنائه بهذه العملية* لابد أن يعرف أن العملية التعليمية لا تنتهي بالتدريس* إذ نحتاج أن نسأل أنفسنا ماذا حققنا للدارسين من تعلم للغة ؟ ما مستوى نمو المهارات اللغوية لديهم ؟ ما جوانب القصور في عملية تعليـم اللغة ؟ ... إلخ. هذه الأسئلة* وهي أسئلة تتطلب منا أن نقوم عملية تعلم اللغة* أي أن نشخصها ونعالج جوانب قصورها* خاصة فيما يتصل بتعلم الدارسين للغة وتمكنهم من مهاراتها والقدرة على ممارستها* لذلك يعتبر التقويم عنصراً أساسياً من عناصر بناء المنهج ومكوناً حتمياً لاكتمال هذا البناء* لهذا أصبح من الضروري أن يأخذ واضعو المنهج هذا العنصر في اعتبارهم مما يتطلب منهم معرفة ما يلي :
أ) مفهوم التقويم وعلاقته بعناصر المنهج* من حيث إنه يرتبط بالأهداف والمحتوى وطريقة التدريس والنشاط وتحصيل الدارس وتعلمه.
ب) مفهوم التقويم في تعليم اللغات الأجنبية مـن حيث إنه يتعامل مـع مـا يسمى بالكفاءة اللغوية إرسالاً واستقبالاً* تحدثاً وكتابة واستماعاً وقراءة.
جـ) شروط عملية التقويم من حيث ضرورة أن تقوم كل عناصر المنهج* ويقـوم اكتساب الدارس للكفاءة اللغوية استماعاً وتحدثاً وقراءة وكتابة* ومـن حيث أن يكـون هـذا التقويم عملية تتم أولاً بأول مع تدريس كل مهارة* بل ومع كـل درس* حتى تتـم معالجة أي قصور في حينه ووقته وبشكل مستمر* ومن حيث كيفية بناء الاختبـارات اللغويـة الشفهية والتحريرية الأدائية بشكل يقيس الأداء قياسـاً صحيحـاً ولا يقيس المعرفـة اللغوية فقط.
د) خطوات عملية التقويم من حيث تحديد الأهداف ثم ترجمتها إلى مواقف لغوية سلوكية* ثم إعداد أدوات قياس السلوك اللغوي وتقديره* ثم تهيئـة مواقـف لغويـة يؤديهـا الدارسون من خلال أدوات القياس* من اختبارات وبطاقات أداء وملاحظـة وبطاقـات تقدير.. إلخ* ثم تحديد النتائج ودراستها وإعادة النظر في مواقف تعليم اللغة وتعلمها في ضوء هـذه النتائج.
هـ) وسائل التقويم وأساليبه* ونعني بهذا فنيات بناء الاختبارات اللغوية بأنواعها المختلفـة الموقفية والمعملية* والشفهيـة والتحريريـة* المقاليـة والموضوعيـة* الفرديـة والجماعية.. الخ.
وفي الفصل التالي نقدم نموذجاً لمنهج حديث من مناهج تعليم اللغات مطبقاً على تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها من المسلمين.


الفصل الخامس
المنهج متعدد الأبعاد


مقدمة

من أبرز الاتجاهات الحديثة في ميدان مناهج تعليم اللغات الأجنبية ما يسمى بمنهج اللغة الأجنبية متعدد الأبعاد Multidimensional curriculum F.L.. ولقد ظهرت فكرة هذا المنهج أول ما ظهرت في المؤتمر الذي عقده المجلس الأمريكي لتعليم اللغات الأجنبية "ACTFL" سنة 1980 حول : "أولويات تدريس اللغة الأجنبية". ولقد تعددت المحاور التي دارت حولها الدراسات والبحوث في هذا المؤتمر* ومن أبرز هذه المحاور "المناهج والمواد التعليمية".
وفي اللجنة التي خصصت لمناقشة محور المناهج والمواد التعليمية قدمت خمس دراسات قام بها عدد من أبرز علماء تعليم اللغات الأجنبية في الولايات المتحدة الأمريكية هم(29) :
1. روبرت لافايت ولوراين سترا شيم Robert Lafayette & Lorraine Strasheim من جامعة انديانا.
2. ولجا ريفرز Wilga Rivers من جامعة هارفارد.
3. ستيرن H.H. Stern من مركز أنتاريو للبحوث التربوية.
4. ألبرت فالدمان Albert Valdman من جامعة إنديانا.
5. روبرت زايس Robert Zais من جامعة ولاية كنت. وأضيفـت إليهـا ورقـة أخـرى للمناقشة قدمتها : هيلين وارنربيرك H.W. Burke من قسم التربية بفرجينيا.
وهذه الدراسات هي :

1. Robert Lafayette & Lorraine Strasheim : "Foreign Language Curricula and Materials for the Twenty-First Century", in Lange, D.L. (ed.), 1980, 29-34.

2. Wilga Rivers : "Practical implementation of new trends and directions", in Lange, D.L. (ed.), 1980, 8-11.

3. H.H. Stern : "Directions in Foreign language curriculum development", in Lange, D.L. (ed.), 1980, 12-17.

4. Albert Valdman : "The incorporation of the nation of Communicative Competence in the design of the introductory foreign language course syllabus", in lange, D.L. (ed.), 1980, 18-23.

5. Robert Zais : "Curriculum and Materials development : A feremiad on the part-4 standard for the eighties", in Lange, 1980, 24-27.

6. H.W. Burke : "Reactions : Curriculum and Materials", in Lange, D.L., 1980, 87-89.

وبعـد مناقشـة هـــــذه الدراسـات خلصت اللجنـة إلى ورقـة سمـيت "ورقـة بوسطـن" "Boston Paper"* وفي هذه الورقة نشأت فكرة المنهج متعدد الأبعاد* حيث قام ستيرن(30) في عام 1981 معتمداً على ورقة بوسطن بتقديم دراسة إلى المجلس الأمريكي لتعليم اللغات الأجنبية يحدد فيها ملامح المنهج الجديد سماها : نحـو منهـج متعـدد الأبعـاد للغة الأجنبية Toward a Multidimensional foreign language curriculum* وهي الدراسة التي اعتمد عليها في تأصيل شكل البرنامج المقترح الذي نقدمه كنموذج.
والمنهج متعدد الأبعاد كما أوصت به ورقة بوسطن يقوم على أساس أربعـة أنواع من المقررات* هي :
1. المقرر اللغوي.
2. المقرر الثقافي.
3. المقرر الاتصالي.
4. المقرر العام في تعليم اللغة.
وهذه المقررات توضع في ضوء حاجات ورغبات ودوافع الدارسين* بالإضافة إلى العناية المقصودة بكل مقرر من هذه المقررات بحيث يختلف الأمر عن الاتجاه القديم في تعليم اللغات الأجنبية* والذي يركز فقط على الجانب اللغوي من أصوات ونحو وصرف في ضوء المهارات اللغوية الأربع* أما الجوانب الأخرى فينظر إليها على أنها ثانوية أو وسائل لتحقيق أهداف الجانب اللغوي. أما في هذا الاتجاه الجديد* فإنها تأخذ عناية مقصودة ومنظمة بنفس القدر الذي يعطى للمقرر اللغوي. وهنا ينبغي الإشارة إلى ضرورة إحداث نوع من التكامل بين المقررات الأربعة بحيث تؤدي في مجموعها وتكاملها إلى منهج قوي لتعليم اللغة.

العوامل التاريخية والنظرية للمنهج

أ) العامل التاريخي :
لقد برز الاتجاه نحو المنهج متعدد الأبعاد في تعليم اللغات الأجنبية كنتيجة للتطور والنمو في هذا الميدان خلال العشرين عاماً الماضية. ففي الستينات من القرن الماضي شغل المتخصصون بطرق التدريس خاصة الطريقة السمعية الشفوية والطريقة العقلية الاداركية* أما في السبعينات فقد استمرت جهودهم موجهة نحو طرق التدريس حيث قدموا مجموعة من طرق التدريس الجديدة مثل الطريقة الإيحائية Suggestopedia * وطريقة تعلم اللغة في جماعتها* والطريقة الطبيعية والطريقة المباشرة.. إلخ. مما أدى في النهاية إلى الاتفاق على ما يسمى بالمدخل الانتقائي Eclectic approach في ضوء أنه لا توجد توليفة أو وصفة واحدة لتعلم اللغة* وأنه لا بد من البحث عن استراتيجيات متعددة Multiplicity of strategies لتدريس اللغة الأجنبية بفعالية.
ولقد أدى هذا إلى أن القضية الرئيسية لم تعد تتمثل في : كيف تدرس اللغة ؟ ولكن أصبحت تتمثل في : ما أهداف ومحتوى منهج تعليم اللغة؟ ومن هنا بدأت تبرز أشياء مثل الحاجات والأهداف والمحتوى اللغوي* وأخذت تمثل مركز الاهتمام عند المتخصصين في تعليم اللغات الأجنبية. ولقد ترتب على ذلك أن قدم عدد كبير من التجارب على أنماط مختلفة من المناهج والمقررات مثل : منهج التركيب اللغوي* ومنهج المواقف اللغوية* ومنهج الموضوعات* والمنهج الوظيفي مما أدى إلى ظهور ما يسمى بالمدخل المتكامل لمنهج تعليم اللغة الأجنبية* هذا المدخل الذي أوحى بفكرة المنهج المتعدد Multiple curriculum.
ولقد أثر في ظهور هذا المنهج أيضاً عوامل أخرى عديدة* منها ظهور علم الاجتماع اللغوي* وعلم النفس اللغوي والبحوث التي تناولت الفرق بين تعلم اللغة واكتسابها* والتي تناولت المداخل الاتصالية لتدريس اللغة. والشيء ذو الأهمية الخاصة والذي استحق التدعيم بالبحث والدراسة* هو أنه حتى في مواقف تعلم اللغة تظهر مواقف اتصالية مبنية على اهتمامات الدارسين* وتظهر موضوعات دراسية تجعل الدارس ينخرط في استخدام اللغة* وهذه المواقف والموضوعات تقدم إسهامات مباشرة في تعلم اللغة* ومثل هذه المواقف والأنشطة الاتصالية لا ينبغي أن تؤجل إلى أن ينتهي تعلم المقرر اللغوي كما كان يحدث سابقاً.
ولعل منهج تعليم اللغة الأجنبية متعدد الأبعاد ـ بشكل أو آخرـ كان نتيجة لمثل هذه التطورات التي تحركت نحو الأمام بالمنهج ذي البعد اللغوي الواحد وطريقة التدريس المحددة إلى المداخل المتعددة لمحتوى المنهج وأهدافه وتدريسه.

ب) العوامل النظرية :
أما على المستوى النظري* فيمكن الدفاع عن المدخل متعدد الأبعاد* ذلك لأنه يعكس الطبيعة الاجتماعية* والأسرار الثقافية للغة أكثر من المدخل ذي البعد الواحد القائم فقط على اللغويات البحتة. وفي ضوء ذلك فإن المقررات الثقافية والاتصالية تصبح أساسية في تدريس اللغة* وهي تتعدى بمنهج تعليم اللغة النظرة الضيقة المحصورة في التركيز على الأفعال والتراكيب اللغوية والمفردات والتدريبات اللغوية المنعزلة إلى النظر إلى اللغة باعتبارها ظاهرة اجتماعية ثقافية.

جـ) العوامل التربوية :
أما على المستوى التربوي* فإننا نجد أن التصور الضيق لمنهج اللغة الأجنبية لا يؤدي إلى إسهام ملموس على مستوى المنهج الشامل للمؤسسة التعليمية* ذلك أنه لا يستطيع أن ينافس بقية فروع المنهج الأخرى مثل العلوم الطبيعية والجغرافيا والتاريخ. أما التصور متعدد الأبعاد للمنهج* فإنه يتيح الفرصة لتقديم برنامج تعليمي للغة له قيمة عند الدارسين والمعلمين في آن واحد* حيث يرتبط بدوافعهم وبحياة اللغة نفسها* وحياة شعوبها والثقافة التي تضمها وتعبر عنها* وأيضاً بالقدرة على استخدامها وتوظيفها في مواقف الاتصال والمعرفة التي دفعتهم إلى تعلمها.

تخطيط المنهج متعدد الأبعاد

يحتاج تخطيط هذا المنهج عدة أمور :
1. دراسة وتحليل دوافع الدارسين إلى تعلم اللغة* والخروج منها بتلك العناصر المشتركة التي يمكن أن تناسب كل المقررات* وتلك التي تخص كل مقرر على حدة.
2. اشتقاق أهداف المنهج على مستوى كل مقرر* مـع إحداث تكامـل وترابـط بين هـذه الأهداف.
3. وضع مفردات لكل مقرر في ضوء النظرة التكاملية التي تعني أن المنهج متعدد الأبعـاد ما هو إلا الدخول إلى تعليم اللغة من الزوايا المختلفة لكل مقرر* بحيث يدعم المقـررات الأخرى ويقويها.
والمشكلة الرئيسية في هذا المنهج تبرز عندما نواجه بضرورة تصنيف المقررات إلى مراحل ومستويات تغطي عدداً من السنوات التعليمية* وهي مشكلة لم تحل حتى الآن* ولذلك يقول ستيرن : ولسوء الحظ فإن تنظيم المنهج بشكل متتابع يحقق المبادئ التربوية ويتمشى مع طبيعة اللغة وطبيعة عملية التعلم يظل القضية التي بدون حل في تعليم اللغة* وستظل هكذا حتى تقدم لنا التجــارب والمحاولات في وضع المقررات في سياق تتابعي ومستويات متدرجة نتائج يقلبها الميدان.

محتوى المقررات المختلفة :
سبقت الإشارة إلى أن منهج تعليم اللغات الأجنبية متعدد الأبعاد يتضمن أربعة مقررات* هي : المقرر اللغوي* المقـرر الثقافي* المقـرر الاتصالي* المقـرر العام في اللغـة.
وفيما يلي نبين المقصود بمحتوى كل مقرر.

أ) المقرر اللغوي :
وفيه يكون التركيز على اللغة كموضوع للدراسة والممارسة* على أن يأخذ هذا التركيز الاتجاه نحو استخدام اللغة وليس وصف استخدامها* وبحيث يسعى المحتوى إلى الانتقال من المبادئ التركيبية في اللغة إلى الوظيفية التي تهتم بالمعنى والدلالة والوظيفة الاجتماعية والنفسية للغة* ولذا ينبغي أن تصاغ الأهداف في هذا المقرر لا في شكل كفاءة لغوية بقدر ما يكون في شكل كفاءة اتصالية.
معنى هذا أن الجانب التركيبي من اللغة يقدم في شكل مبسط وفي أضيق الحـدود* بحيث لا يتضمن سوى الأساسيات اللغوية الضرورية* خاصة فيما يتصل بالنحو* أما الجانب الوظيفي فيركز على مهارات اللغة الأربع* وهي الاستماع والحديث والقراءة والكتابة. وهذا الجانب الأخير يعبر عنه في شكل مواقف الاستخدام اللغوي الذي يود الدارسون الاشتراك فيها كنتيجة لتعلم اللغة* مثال ذلك على مستوى المبتدئين :
مثال :
أن يسيطر الدارس على القدرة على التعامل الناجح باللغة العربية في المواقف التالية :
أ) أن يسأل عن الأماكن ويفهم الاتجاهات.
ب) شراء الطعام والهدايا والطوابع... إلخ.
ج) يتبادل التحية والتعريف بنفسه.
أي أن المحتوى اللغوي يمكن أن يتلخص في مقرر يتضمن شكل التركيب اللغوي وكيفية توظيفة واستخدامه ويوضع ذلك في شكل موضوعات ومواقف ومهارات.

ب) المقرر الثقافي :
ويركز على السياق الاجتماعي الثقافي للغة. والثقافة في هذا المقرر تعامل على أنها شيء يمكن ملاحظته وممارسته وتحليله. والدارس لا يعدو أن يكون في البداية ملاحظاً للعلاقات الاجتماعية والمؤسسات* فيكتسب المعلومات الثقافية ويتآلف مع المجتمع ومع أنشطته التي تستخدم فيها اللغة* ثم بعد ذلك يستطيع أن يمارس ويكتسب كفاءة ثقافية. فالدارس يستطيع أن يتعلم عن طريق الشرح كيف يلقي التحية وكيف يستجيب لها* وكيف ينبغي أن يسلك في مطعم* أو في أثناء اشتراكه في الغداء مع أسرة من الأسر.
إن الهدف الأساسي لمثل هذا المقرر هو اكتساب الوعي الثقافي من خلال المعرفــة والفهم* ثم التدرج إلى اكتساب نوع من الكفاءة الثقافية تلك التي تتصاعد نمواً مع الكفاءة اللغوية التي يسعى إليها المنهج عن طريق المقرر اللغوي والثقافي معاً.
والمشكلة التي عادة ما تقابل مخطط المنهج هي كيف يمكن تحديد الموضوعات الثقافية التي ينبغي تناولها مع اتساع مدلول كلمة ثقافة ؟ ولذا فالأمر يحتاج إلى دراسات تحدد الموضوعات الثقافية التي يقبل الدارسون على دراسة اللغة العربية من أجلها* والتي في ضوئها يمكن بناء هذا المقرر* وهي الدراسات التي تحدد ميول وأغراض الدارسين التي في ضوئها يتم اختيار محتوى المقرر الثقافي* وهذا المدخل يقوم على اختيار الموضوعات الثقافية التي لها قيمة تعليمية وتناسب الدارسين* مستندين في ذلك على معلوماتنا عن ثقافة اللغة المستهدفة وعلى نتائج استفتاء الدارسين في عناصر الثقافة التي يودون معرفتها. ولعلنا في هذا النموذج نستجيب إلى ما أشار إليه ستيرن Stern من أن المشكلة الرئيسية في تدريس الثقافة هي الحاجة الشديدة لأبحاث تقدم لنا معلومات عن الثقافة والمجتمع* ولعل هذا يدفع معاهد وأقسام تعليم اللغات في الجامعات إلى عمل مثل هذه الدراسات* وبدون هذه الأبحاث يظـل تدريس الثقافة أمـراً فلسفياً يعتمد على مجموعـة مـن الأنمـاط الثقافيـة الثابتـة "Stereotyping".

جـ) المقرر الاتصالي :
إن اللغة والثقافة تعالجان بالدراسة والملاحظة والممارسة* والدارس للغة والثقافة يصبح مشاركاً لمن يتحدثون اللغة في بعض أغراضهم وأنشطتهم. ومعايشة الدارس لحياة الناطقين باللغة المتعلمة يدعم عملية التعلم* إلا أنه في كثير من الأحيان يتردد الدارس في خوض المواقف اللغوية الحقيقية* وفي هذه الحالة يصبح من الضروري البحث عن طرق ووسائل لتدعيم معايشة الدارس لحياة الناطقين باللغة* وإتاحة فرص للاتصال الحقيقي* ويتم ذلك عن طريق الموضوعات الدراسية والمحتوى الذي يشد اهتمام الدارس نحو ممارسة اللغة في مواقف اتصال حقيقية.
ولتحويل هذه الفكرة إلى مقرر* يحتاج مصمم المنهج في المقام الأول إلى قائمة بمجموعة من الأنشطة الاتصالية التي تدفع الدارس إلى الاشتراك بفعالية في عملية الاتصال* وعلى أساس هذه القائمة يمكن أن نضع مقرراً يكمل المقرر اللغوي والثقافي. ولكن الأمر الذي ينبغي أن ننبه إليه هو أنه ليس هنالك حد فاصل بين أنشطة تعلم اللغة التي تكـون جزءً ا من المقرر اللغوي* وتلك التي تنتسب إلى المقرر الاتصالي* كل ما في الأمر أنه إذا كان التركيز بشكل رئيسي على اللغة* وُضِعَ النشاط في المقرر اللغوي* وإذا كان التركيز على الموضوع أو الموقف أو النشاط وبعيداً عن اللغة* فإنه يوضع في المقرر الاتصالي.
إن النشاط الفعلي القائم على ممارسة اللغة واستخدامها يعتبر الأصل في المقرر الاتصالي* أما الجانب اللغوي فهو شيء مساعد ومطلوب للتعبير عن الموقف* حتى في الحالات التي يركز التدريس انتباهه فيها على العناصر اللغوية* من تركيب نحوي* ومقررات* وأساليب* وتنغيم من أجل الحدث* أو الموقف الاتصالي* فإن ذلك يعتبر أيضاً عملية اتصالية من وجهة نظر المقرر الاتصالي.
لهذا يصبح إعداد مواقف اتصالية في حجرة الدراسة أمراً في غاية الأهمية لتدريس وتعليم اللغة الأجنبية.

د) المقرر العام لتعليم اللغة :
والمقـصــود بـه إعـطاء الـدارس مـجموعة مـن المعـلومات حول موضوعات مثل : اللغة والثقافة* اللغة والمجتمع* اللغة والفكر* اللغة والفن والأدب* سواء تم ذلك في ضوء مفهوم اللغة بشكل عام* أو الارتباط باللغة المستهدفة ذاتها. ونحن نرى أن هذا البعد في المنهج لا ضرورة له إلا في المستويات المتقدمة التي تصبح اللغة الأجنبية بالنسبة للدارس أداة للدراسة الأكاديمية* إلى جانب أن الدارس يستطيع أن يدرس مثل هذه الموضوعات بلغته الأم. ومن هنا سوف لا يتضمن البرنامج المقترح في هذا السياق هذا البعد.

التكامل بين هذه المقررات في إطار برنامج واحد :
عند تصميم أي برنامج في ضوء المنهج متعدد الأبعاد يحتاج الأمر لإحداث تكامل بين المقررات المختلفة* فليس من المتصور أن نضع مقررات مستقلة* ومن ثم فلا بد من وضع تصور لكيفية إحداث هذا التكامل.
يمكن إحداث هذا التكامل عن طريق البدء بأحد المقررات ثم التحرك نحوه بالمقررات الأخرى* فمثلاً يمكن صياغة ووضع المقرر اللغوي في مستويات ثلاثة : مبتدئ* متوسط* ومتقدم* ثم اختيار المحتوى الثقافي الذي يناسب المحتوى اللغوي وجعله وسيله لدراسة المحتوى اللغوي* ثم تفصيل المحتوى الاتصالي وتحديد أي مواقف الاتصال تناسب هذا المستوى اللغوي وصياغتها... وهكذا. ويمكن البـدء بتصور عن المقرر الثقافي ثم وضع المستويات اللغوية بالنسبة له ثم المستويات الاتصالية* وهكذا..
مثال ذلك :
1. تحديد الكفايات اللغوية التي ينبغي أن يصل إليها الدارس في المقرر اللغوي وتقسيم هذه الكفايات إلى مستويات للتعلم.
2. تحديـد المعلومـات حــول الوطـن والنـاس والمجتمـع والعقائــد والعبـادات والعادات... المناسبة لتقديمها في كل مستوى لغوي.
3. تحديد المواقف الاتصالية المناسبة للمحتويين اللغوي والثقافي.
وبهذا تتكامل وتترابط المقررات المختلفة داخل برنامج واحد.


الفصل السادس
تصور مقترح لبرنامج تعليم العربية


مقدمة

وفي ضوء هذا التصور لمدخل متعدد الأبعاد لبناء برنامج لتعليم اللغة الأجنبية* نقوم بوضع تصور مقترح لبرنامج لتعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها من المسلمين الكبار كمثال تطبيقي على هذا المنهج* مستندين في ذلك على دراسة مهمة قام بها أحد مؤلفي هذا الكتاب(31).

حدود التصور

نود في البداية أن نحدد عدة أمور فيما يتصل بهذا التصور المقترح للبرنامج* وهي :
1. أن التصور يقوم على تخطيط عام عريض دون تفصيلات واسعة خاصة فيما يتصل بالمقرر اللغوي.
2. أن هذا التصور سيعتمد أساساً على عبارات الدوافع التي تقع تحت تصنيفي "دوافـع قوية جداً* ودوافع قوية"* مـع الإشارة إلى الدوافع المتوسطة والضعيفة مما قدمته لنا دراسة محمود كامل الناقة المشار إليها.
3. أن التصور يعني مخططاً لبرنامج عام تليه بعض المقترحات فيما يتصل بتمايز كـل من البرنامج الصباحي والبرنامج المسائي.
4. أنه بالرغم من أن المواد التعليمية التي تعد لمقابلة دوافع الدارســين تعتـبر قلـب البرنامج كله* إلا أننا سنقتصر على اقتراح مقررات عامة دون تحويلها إلى مــواد تعليمية بالفعل.
5. أن الإطار العام لهذا التصور سيدور حول الموضوعات التالية :
أ) اشتقاق الأهداف وصياغتها.
ب) تحديد المهارات اللغوية.
ج) المقررات :
* المقرر اللغوي.
* المقرر الثقافي.
* المقرر الاتصالي.
د) مقترحات بشأن طرق التدريس.

أولاً : أهداف البرنامج

استمدت أهداف هذا البرنامج من تحليل عبارات الدوافع التي كشف البحث المشار إليه عن قوتها في تحريك الدارسين ودفعهم إلى تعلم العربية. وسنقسم هذه الأهداف إلى :
ــ أهداف تتصل بطبيعة اللغة.
ــ أهداف تتصل بالثقافة العربية الإسلامية.
ــ أهداف تتصل بعملية الاستخدام الاتصالي للغة.

أ) الأهداف اللغوية :
يهدف هذا البرنامج إلى أن يصبح الدارس ــ في نهايته ــ قادراً على أن :
1. يقرأ القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف.
2. يقرأ الكلمة العربية المطبوعة في الكتب والصحف العربية.
3. يدرك جمال اللغة العربية وبلاغتها من خلال التراث الأدبي للغة.
4. يواصل الدراسة والتخصص في أحد علوم اللغة.
5. يصل إلى المستوى اللغوي الذي يمكنه من الالتحاق بالدراسات الجامعية.
6. يكون قادراً على تدريسها ونشرها في بلاده.
7. يحيط بمجموعة من المعارف والمعلومات حول اللغة العربية.
8. يتحدث باللغة العربية مع أصدقائه.
9. يستمع إلى برامج الإذاعة العربية.
10. يدرك خصائص اللغة العربية وسماتها وعلومها المختلفة.

ب) الأهداف الثقافية :
يهدف هذا البرنامج إلى أن يصبح الدارس في نهايته قادراً على أن :
1. يفهم الدين الإسلامي بأركانه وعقائده وعباداته وتشريعاته.
2. يفهم تفسير القرآن الكريم.
3. يفهم الحديث الشريف ويعرف سيرة الرسول"ص".
4. يفهم التاريخ الإسلامي ويلمَّ به.
5. يحفظ ما تيسر من القرآن الكريم.
6. يحصل مجموعة من المعلومات والمعارف عن الثقافة العربية الإسلامية.
7. يحصل مجموعة من المعلومات والمعارف حـول الشعـوب والأوطـان العربية.

جـ) الأهداف الاتصالية :
يهدف هذا البرنامج إلى أن يصبح الطالب ــ في نهايته ــ قادراً على أن :
1. يستمع بفهم لمتحدثي اللغة العربية.
2. يتحدث بالعربية في شؤون الحياة المختلفة* ويتفاعل مع أبناء العربيــة وثقافتهم.
3. يخطب باللغة العربية داعياً وناشراً للدين الإسلامي.
4. يقرأ قراءة صحيحة واعية* ويفهم المقروء ويستوعبه.
5. يكتب كتابة صحيحة إملائياً* ويعبر عن أفكاره بلغة سليمة.

ثانياً : المهارات اللغوية

ولتحقيق أهداف البرنامج نرى التركيز على الأهداف الأخيرة وتفصيلها في ضوء المهارات اللغوية الأربع* وهي : الاستماع والحديث والقراءة والكتابة* ولذلك فالبرنامج يهدف في مجال المهارات اللغوية إلى أن يتمكن الدارس من أن :

الاستماع :
1. يميز بين أصوات لغته وأصوات العربية.
2. يميز بين أصوات اللغة العربية.
3. يعرف نظام التنغيم والنبر في العربية.
4. يفهم المتحدث بالعربية عندما يتحدث في موضوعات مألوفة في حياة الدارس اليومية* مثل النشاط الدراسي اليومي* والأنشطة الرياضية وأنشطـة وقـت الفراغ.. إلخ.
5. يفهم بعض عبارات التحية* والتعبيرات الشائعة* وطرح بعض الأسئلة في المواقف العامة.
6. يفهم بعض العبارات التي يتعلمها في المواد التعليمية ويستوعبها.
7. يفهم الدلالة الصوتية لعلامات الترقيم.
8. يفهم حديثاً متصلاً في موضوع ما حتى لو تضمن معاني ومفردات غير مألوفة له.

الحديث :
1. يسيطر على النظام الصوتي للغـة العربية* بحيث يفهمه العربي عندما يتحدث.
2. يعبر عن خبراته في الحاضر والماضي والمستقبل.
3. يعيد ويصف ويشرح مواقف وأفكاراً تتصل بما سبق أن درسه مـن مــواد تعليمية.
4. يطوع الصيغ النحوية والمفردات ومصطلحات الكلام ليعـبر عـن أفكـاره ومشاعره وحاجاته ورغباته.
5. يختار مدخل الحديث المناسب للموقف سواء أكان الموقف رسميـاً أو غــير رسمي* اجتماعياً أو غير اجتماعي.. إلخ.
6. يستخدم قاموساً ثنائياً بالعربية وبلغته الأم للبحث عن كلمة أو أكـثر احتــاج إليهـا أثنـاء الكلام.
7. يستخدم السياق والتنغيم للتعبير عن معنى كلمة غير معروفة لديه.

القراءة :
1. يقرأ قراءة صامتة ويفهم المقروء دون ترجمة.
2. يقرأ نصاً مألوفاً له قراءة جهرية مع نطق وتنغيم مفهومين.
3. يعبر في قراءته عن المعنى مستخدماً علامات الترقيم.
4. يفهم مادة مقروءة مألوفة له ولكنها تتضمـن بعض المعلومات والمفـردات الجديدة.
5. يستنتج المعنى العام من قراءة نص غير مألوف لديه.
6. يقرأ ويفهم مواد تتصل بالسفر والرحلات في البلاد العربية مثـل علامات المرور* والخرائط* وقوائم الأطعمة* وجداول المواعيد... الخ.
7. يستخدم القاموس العربي الثنائي للبحث عن المفردات التي يعجز عن فهمها عن طريق السياق أثناء القراءة.
8. يستخدم المهارات المتعددة للقراءة في أغراض مختلفة مثل القراءة الخاطفة* والقراءة من أجل الحصول على الفكـرة الرئيسية* أو الأفكار التفصيلية واستخلاص الهدف من المادة المقروءة* ومثـل القـراءة الناقـدة* أو القراء ة من أجل جمع معلومات... الخ.
9. يحصل على المعلومات من المصادر العامة مثل المكتبة العامة* أو مكتبـة المعهد* أو الكتب الأساسية.. إلخ.
10. يكتسب معلومات ومعاني واسعة من الصحف والمجلات والدوريات العربية* والاستمتاع بقراءة هذه المطبوعات.

الكتابة :
1. يعرف قواعد الكتابة العربية وقواعد الهجاء.
2. يستخدم في كتابته علامات الترقيم استخداماً صحيحاً.
3. يسجل كتابة بعض الملاحظات أو التعبيرات الشفوية.
4. يكتب جملة كاملة المعنى يسمعها من متحدث.
5. يكتب إجابة عن ما يطرح عليه من أسئلة حول إسمه وعنوانه في وطنه وفي الدولة العربية التي يتعلم فيها* وعن مكان ووسيلة قدومه... إلخ.
6. يستخدم القاموس الثنائي للبحث عن كلمات تساعده على التعبير عـن المعنى الذي يرغبه.
7. يعبر كتابة عن أفكاره في خطابات أو بطاقات* مستخدماً قواعــد وأصـول كتابة الرسائل والبرقيات والبطاقات... إلخ.
8. يعبر عن أفكاره في شكل مقالات وكتابات قصصية بسيطة.
9. يعبر عما تعلمه من اللغة وعنها وعن ثقافاتها إذا ما تطلب منه ذلك في مواقف الاختبار والتقويم.

ثالثاً : المقررات

أ) المقرر اللغوي :
يقترح البرنامج أن يدرس الطلاب في هذا المقرر ما يلي :
1. الأصوات العربية : تصنيفاتها وأنواعها ومخارجها.
2. أساسيات النحو والصرف : تلك التي تعتمد في تقديمها على تصور علم اللغــة التطبيقي والتي تختار وتنظم في ضوء الدراسات التي دارت حول تعليم قواعــد النحو والصرف في اللغة العربية* وبالقدر الذي يمكّن الدارس من دراسة المقررات الأخرى الثقافية والاتصالية.
3. الأساليب البلاغية العربية مـن خـلال نصوص مستمـدة مـن القـرآن الكريـم والحديـث النبوي الشريف ومختارات من الأدب العربي.
4. مجموعة من الموضوعات والنصوص لتعليم مهارات القراءة من تعرف ونطــق وفهم وتحليل الأفكار* ولتعليم مهارات الكتابة سواء منها الحـركي أو الفكـري* بحيث تتضمن هذه النصوص أفكاراً تتصل بالثقافة العربية الإسلامية.
5. دراسات حول طبيعة اللغة العربية وخصائصها وتطورها عبر العصور.
6. دراسات في القواميس والمعاجم العربية وطرق البحث فيها.
7. دراسات في الأدب العربي وتاريخه عبر العصور المختلفة.
8. دراسات في علم اللغة الحديث يتضمن بعض الدراسات التقابلية بين اللغة العربية وبعض اللغات الأخرى على المستوى الصوتي والصرفي والنحوي.
9. دراسـات حـول أمـهات الكتب العربية في شـتى مجالات وفـروع اللغـة العربية.

ب) المقرر الثقافي :
يقترح البرنامج أن يدرس الطلاب في هذا المقرر مجموعة من المقررات الصغيرة* وهي كما يلي :
1. مقرر في قراءة القرآن الكريم وتلاوته.
2. مقرر في تفسير القرآن الكريم وفهمه.
3. مقرر في دراسة الحديث النبوي الشريف والسنة المطهرة.
4. مقرر في السيرة النبوية* وحياة الخلفاء الراشدين والمسلمين الأوائل.
5. مقرر في حفظ القرآن الكريم.
6. مقرر في العبادات والعقائد.
7. مقرر في الشريعة الإسلامية.
8. مقرر في التاريخ الإسلامي.
9. مقرر في الدعوة الإسلامية والخطابة.
10. مقرر في طبيعة المجتمع العربي وعاداته وتقاليده ومدنه وثرواته ومأكلـه ومسكنه وعلاقاته الأسرية ونظمه الاجتماعيـة والتعليميـة والسياسيــة والاقتصادية مـن خلال مختلف أوطانه وشعوبه.

جـ) المقرر الاتصالي :
يقترح البرنامج أن يدرس الطلاب في هذا المقرر ما يلي :
1. مـوضوعـات حـول الـسفر والـرحلات والانـدماج فـي الحـياة اليومية يتـم مـن خـلالها تنـميـة مـهارتي الاسـتماع والكـلام* مـثل ما يـلزم السـائح في بلــد عـربي مــن جـمـل وعبــارات ومـواقف حـديثة تـدور حول الأطعمة والفنــادق ومـكاتـب الـبريـد والــبرق والهاتـف والاتجاهات والشوارع واللافتات والتعامـل مـع البنـوك والوصـول إلى الأماكـن والعناوين...* إلخ.
2. مواقف اتصالية في حجرة الدراسة مثل :
ــ إدارة الفصل والتفاعل اليومي بين الطلاب.
ــ إلقاء التعليمات والتوجيهات والإرشادات.
ــ تقليد ومحاكاة ومناقشات ومباريات لغوية.
3. تسجيلات صوتية تخصص لها فترات في معمل اللغة.
4. مواقف بيع وشراء ومجاملات وخطابة وحوارات وندوات.
5. إقامة حفلات وأنشطة تعتمد على التحدث باللغة العربية.
6. قراءات واسعة في بعض المجلات والصحف والكتب.
7. الاستماع إلى برامج الإذاعة من نشرات وندوات ولقاءات.
8. كتابة رسائل وبرقيات وبطاقات.

رابعاً : مقترحات وتوصيات

يقترح البرنامج فيما يتصل بطرق التدريس والوسائل التعليمية ما يلي :
ــ أن تتنوع طرق التدريس* فتشمل كل الطرق المعروفة* كالطريقة المباشرة والطريقـة الطبيعية* والطريقة السمعية الشفوية* وطريقة القراءة* والطريقة الوظيفية.
ــ أن يكيف المعلم طريقته بما يتناسب مع تدريس كل مهارة من مهارات اللغة* ومـع كل موضوع من موضوعات الثقافة* ومع كل هدف من أهداف عمليـة الاتصـال باللغة العربية.
ــ أن ينوع المعلم من أنشطة التعليم بحيث يتضمن البرنامج أنشطة للاستماع* وأنشطـة للحديـث* وأنشطة للكتابة.
ــ أن تتنوع الوسائل التعليمية ما بين وسائل محسوسة إلى تسجيلات صوتية ومسجلات ومعامل لغوية* وأيضـاً وسائـل بصريـة وأفـلام وشرائـح وصـور ورسـوم ورحلات... إلخ.
ــ في الأنشطة والتدريبات ينبغي الالتفات إلى :
أ) التدريبات الاتصالية والتوليدية والحوارية.
ب) تدريبات الأسئلة والإجابات.
جـ) التدريبات الآلية.
د) تدريبات الفهم مثل إكمال الجمل الناقصة.
هـ) تدريبات مواقف التخمين والألغاز.
و) تدريبات لعب الدور.
ز) تدريبات إعادة تركيب الجمل والفقرات.
ح) تدريبات الأمر والطلب.
ط) تدريبات أزمنة الفعل والتدريبات النحوية بأنواعها المختلفة.


المراجع


المراجع العربية

1. أحمد المهدي عبد الحليم* البحث التربوي في تعليم العربية لغير الناطقين بها* المجلة العربية للدراسات اللغوية* معهد الخرطوم الدولي للغة العربية* العدد الأول* أغسطس سنة 1982.
2. رشدي أحمد طعيمه* يمكن الرجوع إلى تفصيل المكونات عنده في كل من مؤلفيه :
أ) "الثقافة الإسلامية مدخل لتعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها"* دراسة مقدمة إلى ندوة معلمي اللغة العربية لغير الناطقين بها في الجامعة الإسلامية* المدينة المنورة* مارس سنة 1981.
ب) تعليم العربية لغير الناطقين بها* مناهجه وأساليبه* منشورات المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (إيسيسكو)* الرباط* سنة 1989.
3. سليمان داود الواسطي* "دارسو اللغة العربية من الأجانب ونوعياتهم"* ندوة مناهج تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها* الدوحة* قطر* مايو سنة 1981.
4. فتحي يونس* محمود الناقه* رشدي طعيمه ؛ تعليم اللغة العربية* أسسه وإجراءاته* جـ1* القاهرة* سعد سمك للطباعة* سنة 1996.
5. محمود كامل الناقه* برامج تعليم العربية للمسلمين الناطقين بلغات أخرى في ضوء دوافعهم* سلسلة دراسات في تعليم اللغة العربية* وحدة البحوث والمناهج* معهد اللغة العربية* جامعة أم القرى* سنة 1985.
6. محمود كامل الناقه* فتحي يونس* المنهج التوجيهي لتعليم أبناء الجاليات الإسلامية ــ التربية الإسلامية واللغة العربية* المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (إيسيسكو)* الرباط* 1999.
7. محمود كامل الناقه* رشدي أحمد طعيمه* طرائق التدريس الخاصة للغة العربية لغير الناطقين بها* المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (إيسيسكو)* الرباط* 2003 .

المراجع الأجنبية

8. Altman B. Haward and C. Vaughan James (ed) "Focus on the learner", in, Foreign Language Teaching, Meeting Individual Needs, Oxford, Pergamon Press, Lted 1979.

9. Bowers, Roger : "The individual learner in the class", in Foreign Language Teaching, Meeting Individual Needs, Oxford, Pergamon Press, Lted, 1979.

10. Burstall , Clare : "Factors affecting foreign language learning, A consideration of some recent research findings", Language Teaching and Linguistics Abstracts, Vol. 8, N! 1, Cambridge University Press, January 1975.

11. Clark , J. L. : "Syllabus design for general levels of achievement", in, Foreign Language Learning, Lothian Regional Council Education Advisory Service, 1974.

12. Garfinkel , Alan and Stanly, Hamilton (eds) : Design for Foreign Language Teacher Education, Massachusetts, Newbury House, 1976.

13. Gardner, R.C. and Lambert W.E. : "Motivational variables in second language learning", International Journal of American Linguisrics, 1966.

14. ------------------------- : Attiudes and Motivation in Second Language Learning, Mass : Newbury House, 1972.

15. -------------------------- : "Motivational variables in second language acquisition", Canada Journal of Psychology, N! 13, 1959.

16. Holec Henri : "Learner training : Meeting needs in self-directed Learning", in Foreign Language Teaching, Meeting Individual Needs, Oxford, Pergamon Press, Lted , 1979.

17. Lange, D.L. (ed) : Proceedings of the National Conference on Professional Priorities, American Council on the Teaching of Foreign Language, November, 1980, Boston, Mass : ACTFL material center, 1980.

18. Lane, Harlan : Why is College Foreign - Language Instruction in Trouble ? Ann arbor : University of Michigan, Center for Research on Language and Language Behavior, 1968.

19. Medly, Frank W. : "Identifying needs and setting goals". The ACTEL Foreign Language Education Series (10). Building for Success, National Textbook Company, 1979.

20. NSSE, Adapting the Secondary School Program to the Needs of Youth 52 Year Book, part 1.

21. Rivers, Wilga : Teaching Foreign Langauge Skills. University of Chicago, 1972.

22. Stern H.H. : زToward a multidimensional foreign language curriculumس. in Robert Mead (ed) Foreign Languages : Key Links in the Chain of Learning, 1983.

23. Strevens, Peter : "Special purpose language". A Perspective Language Teaching and Linguistics Abstracts, Vol (10) n! 3, July 1977.

24. State of Minnesota, The Extend Foreign Language Sequence, with Emphasis on New Courses for Levels, Department of Instruction, St. paul, 1971.

25. Widdawson , H. G. : Criteria for Course Design, ESP, 1979.



(1) فتحي يونس* محمود الناقه* رشدي أحمد طعيمة* 4* ص 13-11.
(2) رشدي أحمد طعيمة* 2.
(3) محمود كامل الناقة* 5.
(4) NSSE, 20, pp. 2-4-220-221
(5) State of Minnesota, 24, p. 50
(6) Strevens, 23, pp. 145-146
(7) Altman, H. & Fames, 8, p. 1
(8) Altman, H. & Fames, 8, p. 4
(9) Altman, H. & Fames, V, 8, p. 8
(10) Lane, H., 18, p. 3
(11) Medley, F., 19, p. 42
(12) Garfinkel, A. & S., 12
(13) Garfinkel, A. & S. Hamilton, 12, p. 33
(14) Garfinkel, A. & S. Hamilton, 12, p. 33
(15) Weddawson, H., 25, p. 15
(16) Clark, J. 11, p. 66
(17) Bowers, R. 9, p. 67
(18) أحمد المهدي عبد الحليم* 1* ص 166.
(19) Holec, H., 16, p. 150
(20) Gardner, R. & Lambert, W. 13, pp. 24-44
(21) Gardner, R. & Lambert, W., 14
(22) Burstall, C., 10, p. 6
(23) Gardner, R. & Lambert, W., 15, pp. 266-272
(24) Burstall, C., 10, p. 7
(25) Strevens, 23, p. 156
(26) أحمد المهدي عبد الحليم* 1* ص 166.
(27) سليمان داود الواسطي* 3* ص 9.
(28) محمود الناقة وفتحي يونس* 6.
(29) lange, D.L. (ed)
(30) H.H. Stern, p. 120
(31) محمود كامل الناقة* 5.


الباب الثالث

الفصل الأول
التعليم الإفرادي


مقدمة

شـاءت حكـمة اللـه أن يتفاوت البشر في قدراتهم وملكاتهم وأرزاقهم... إلخ : { ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم }(1). وهذه التفاوتات بين البشر هي ما اصطلح عليها في الأدبيات التربوية بالفروق الفردية. لكل منا إمكاناته في التعلم* والتربية الجيدة هي التي تضع هذا في الاعتبار. وتزايدت الدعوة لذلك حتى صار المتعلم* و ليس المعلم* محور الاهتمام. وصار التعلم* وليس التعليم* هو مناط الأمل وغاية التربية.
إن مما تحرص المدارس التربوية بشكل عام على تحقيقه هو ألا يضيع حق الفرد أمام تيار الجماعة.
ومـن هـنا ظـهرت مـدارس عـديــــدة اتخـذت مـن مفـهوم التعـليم الإفــرادي Individualized instruction شعاراً لها. ولعل هذه فرصة لتصحيح بعض الترجمات. إذ يشيع بين بعض التربويين استخدام مصطلح تفريد التعليم ترجمة للمصطلح الأجنبي السابق* وكان ينبغي أن يكون ترجمة لمصطلح Individualized instruction. وإضافة لما سبق فهناك عوامل أخرى دفعت إلى شيوع هذا الاتجاه* تفريد التعليم* وفيما يلي أهمها.

عوامل انتشار المفهوم

أدت العوامل الآتية إلى ظهور حركة تفريد التعليم وظهور مدرسة التعليم الإفرادي :
1. التسارع المعرفي وزيادة حركة إنتاج المعرفة وتضخمها بالشكل الذي يصعب معه ملاحقتها بواسطة الأساليب التربوية التقليدية.
2. التقدم الهائل في التقنيات التربوية مما ساعد على توظيفها وتطوير أساليب التدريس بواسطتها.
3. التطور في الدراسات النفسية التي أكدت ظاهرة الفروق الفردية وشخصت عوامل الاتفاق والاختلاف بين الطلاب وأساليب مواجهتها.
4. الإحساس المتفشي بين أولياء الأمور والمجتمع بشكل عام* بعجز النظام التعليمي بشكله الحالي عن الوفاء بمتطلبات كل فرد.
5. العزوف البادي عن العملية التعليمية بين كثير من الطلاب سواء بالتسرب من المدرسة أو بالانقطاع عنها فترات معينة أو عدم الاستجابة للتكليفات المنزلية أو إثارة الشغب والعنف.. إلى غير ذلك. والسبب الأساسي الذي يكمن وراء ذلك هو إحساس الطلاب بوجود هوة كبيرة تفصل بينهم وبين ما يتعلمون. فهو لا يتمشى مع ميولهم ولا يلبي حاجاتهم ولا يساهم في مستقبلهم الوظيفي.
6. ظهور حركة المحاسبية accountability أو المساءلة* وهي التي تعنى بتحديد مسؤولية المعلم عن نتائج طلابه ومسؤولية كافة أطراف العملية التعليمية عما أو كل إليهم من عمل* بل ومسؤولية الطالب عن تعلمه.
7. وأخيراً تنامت الدعوات إلى دعم برامج التربية الخاصة التي توجه لذوي الحاجات الخاصة سواء كانوا معاقين أو بطيئي التعلم أو من ذوي صعوبات التعلم.... أو غيرهم. ولقد أدت هذه الدعوات إلى إعادة النظر في البرامج التربوية والمناهج الدراسية لتؤكد على مراعاة الطالب كإنسان له خصوصيته.

مفهوم التعليم الإفرادي

يعرفه أحد الباحثين : بأنه نظام تعليمي يتم فيه تفصيل الموقف التعليمي وفقاً لحاجات التعلم لدى الفرد* وتبعاً لخصائصه. وهو يهتم أساساً بثلاثة متغيرات هي : الأهداف* ويتم تحديدها على أساس حاجات المتعلم ورغباته* وطموحاته* ومهاراته* ودوافعه* أما المتغير الثاني* وهو عادات الدرس : فيتطلب توافر شرطين تعليميين هما : تشخيص المتعلم ووجود مجموعة متنوعة من المواد والمعينات التعليمية* أما المتغير الثالث* وهو الوقت : فلا بد له من أن يتسم بالمرونة.
في حين ترى دراسة أخرى : أن التدريس الفردي أسلوب في التدريس يهتم بالفرد ويركز عليه كوحدة مستقلة لها متطلبات معينة* وميول خاصة واتجاهات محددة* تختلف في مجموعها عن ميول واتجاهات الفرد الآخر* ويعتمد هذا الأسلوب على تقديم المادة الدراسية في صورة وحدات متسلسلة منطقياً ومرتبة حسب الأهداف المحددة لعملية التعليم والتعلم* حيث يتعلم التلاميذ تحت إشراف المعلم وتوجيهه* كل حسب سرعته وقدرته الخاصة حتى يصل في النهاية إلى المستوى المرغوب فيه للتمكن من المادة الدراسية.
وترى دراسة أخرى : أنه التعليم الذي يوجّه إلى كل فرد على حدة ويتخذ صوراً متعددة* فمن المعلمين من يقوم بإعطاء عدد مختلف من الأسئلة لكل طالب حسب حالته* ومنهم من يقوم بتطويع طريقته في التدريس لتناسب بعض التلاميذ في الفصل* فبجانب التدريس للأعداد الكبيرة أو المتوسطة يقومون بالتدريس لكل تلميذ (أحياناً).
وهناك مجموعة أخرى من المعلمين يفهمون التعليم الفردي على أنه تطويع المهام أو الواجبات والتعيينات* كإعطاء كتاب المطالعة مثلاً لكل فرد حسب ميوله. وفي كل هذه الحالات يظل توجيه العملية التعليمية ــ إلى حد كبير ــ في يد المعلم* فهو الذي يقوم بتحديد وتشخيص حاجات المتعلم* ويقوم بتوصيف التعلـم اللازم لكل متعلم* ويحدد الهدف وأسلوب التعلم وطرق التقييم والمعايير.

خصائص التعليم الإفرادي

ومن هذه التعريفات كلها يمكن الخروج بما يلي :
1. تعد حاجات الطالب وميوله واهتماماته المحور الذي تدور حوله العملية التعليمية* ومن ثم تأخذ طريقها في مختلف مراحل هذه العملية بدءاً من تحديد المنطلقات والفلسفات والرؤى والأهداف إلى التقويم.
2. تنوع طرق التدريس* فلا توجد في استراتيجيات التعليم الإفرادي طريقة واحدة مثلى تصلح لجميع الطلاب في جميع المراحل وتحت نفس الظروف.
3. تعدد المواد التعليمية المطروحة حتى يتناسب كل منها مع جمهور معين ذي خصائص معينة.
4. المعلم في التعليم الإفرادي موجّه للعملية التعليمية وليس محور العمل فيه. وتقاس كفاءته بمدى قدرته على استثارة الطالب للتعليم* وقدرته على معرفة حاجاته وأساليب تنميتها* وكذلك أسلوب التعلم المناسب له وكيفية مواجهته. فضلاً عن دوره في تشخيص مواطن الضعف لدى بطيئ التعلم أو الوقوف على الصعوبات التي تواجه طلابه.
5. إن التعليم الإفرادي يعتمد على تنظيم المادة الدراسية في صورة وحدات مرتبطة منطقياً* حيث يسير الطالب في التعليم حسب سرعتـه وقدراته الخاصة تحت إشراف وتوجيه المعلم.
6. إن عملية التفريد في أي نظام عملية نسبية. فهناك أنظمة على درجة عالية من التفريد* كما أن هناك أنظمة أخرى على درجة منخفضة.
7. يتفق التعليم الإفرادي مع التعلم الذاتي في أن التدريس به يوجّه للفرد أصلاً وليس للأعداد الكبيرة أو المتوسطة* وفيه يقوم التلميذ بدور كبير في الحصول على المعرفة بصورة إيجابية. ويختلف التعلم الذاتي عن التعليم الإفرادي في درجة الحرية التي تعطى للطالب في تحديد الأهداف التي يسعى لتحقيقها لنفسه* وأسلوب التعلم ووسائله* وكذلك الدور الذي يقوم به المدرس في وضع البرامج المحكمة لذلك.

إجراءات التعليم الإفرادي

وتلخص الأدبيات التربوية إجراءات التعليم الإفرادي فيما يلي :
1. تصور المقــرر الدراسي كنظام : فكما هو معروف* فإن أي نظام له مدخلاته ومخرجاته وعملياته. كما أن له آلية للتغذية الراجعة. ويندرج تحت هذا النظام مجموعة من الأنظمة الفرعية* تمثل وحدات المقرر* بحيث تتناول كل وحدة من هذه الوحدات موضوعاً معيناً من موضوعات الدراسة.
2. الخطو الذاتي : نظراً لاختلاف سرعة التعلم من فرد إلى آخر* فإن هذا النظام لابد أن يسمح لكل فرد بالتقدم نحو تحقيق أهداف التعلم وفق سرعته الخاصة به* وليس وفق معدل زمني يفرض على جميع المتعلمين. ومن ثم يمكن لكل متعلم أن ينتهي من دراسته لوحدات المقرر دون انتظار زملائه حتى ينتهوا من دراستهم.
3. الحرية : الحرية هنا قد تكون حرية المتعلم في الاختيار من بين البدائل التعليمية المتاحة له* أو قد تعني الحرية في اختيار مكان التعلم سواء كان هذا المكان هو حجرة الدراسة* أو كان المكان خارج هذه الحجرة.
4. الأهداف التعليمية : تعتبر الأهداف التعليمية الخطوة الأولى التي يجب تحديدها بدقة في أي نظام تعليمي. هذه الأهداف ينبغي أن تتم صياغتها بصورة إجرائية كما ينبغي أن ترتب بصورة منطقية أو سيكلوجية* بحيث لا ينتقل المتعلم من تعلم مجموعة من الأهداف إلى تعلم مجموعة أخرى قبل إتقان المجموعة الأولى. كما لابد أن يزود المتعلم في أي نظام للتعليم الفردي بالأهداف التعليمية قبل أن يبدأ التعلم. ومن ثم تسهم هذه الأهداف في توجيه وإرشاد هذا المتعلم أثناء دراسته.
5. اختبارات التشخيص والتسكين : وهما نوعان ضروريان من الاختبارات. ففي اختبارات التشخيص يتم تحديد مصدر الصعوبات التي يعاني منها المتعلم وأسبابها تمهيداً لتحديد العلاج المناسب لهذه الصعوبات. أما اختبارات التسكين فهي تستخدم لتحديد المستوى المناسب لتعليم الطالب وفق استعداداته أو قدراته أو معلوماته السابقة. وبمعنى آخــر تساعد هذه الاختبارات على تحديد نقطة البداية التي يجب أن يبدأ عندها المتعلم عملية التعلم. وبهذا تتعدد نقاط البداية بالنسبة للمتعلمين في التعليم المفرد* فقد يبدأ بعض المتعلمين في دراسة الوحدة الأولى بينما يبدأ البعض الآخر في دراسة الوحدة الثانية أو الثالثة وهكذا.
6. الإتقان : تحدد في أنظمة التعليم الفردي مستويات للإتقان قبل أن يبدأ التعلم. ويمثل مستوى الإتقان معياراً لجودة التعلم المطلوبة من المتعلم. كما أن تحديد مستوى الإتقان يعتبر شرطاً ضرورياً للاستمرار في التعلم. حيث لا يسمح للمتعلم بالانتقال من وحدة ما إلى الوحدة التي تليها ما لم يصل إلى مستوى الإتقان المحدد سلفاً.
7. تنوع أساليب التعلم : يعني أسلوب التعلم أفضل طريقة يمكن أن يستخدمها المتعلم في التعلم* فقد يتعلم الفرد بصورة أفضل من خلال القراءة أو من خلال الاستماع أو من خلال القراءة والاستماع معاً... إلخ* ومن ثم فإن نظم التعليم المفرد تقدم عدداً من البدائل التعليمية التي يمكن أن يختار المتعلم منها ما يناسب أسلوبه في التعلم.
8. تعدد أماكن التعلم : قد تتعدد أماكن التعلم فتشمل حجرة الدراسة* أو المعمل* أو مركز مصادر التعلم* أو المكتبة* أو الورشة* أو قد يخرج المتعلم إلى زيارات ميدانية وحقلية.
9. تنوع الاختبارات : يستخدم أي نظام لتفريد التعليم ــ بالإضافة إلى اختبارات التشخيص والتسكين اللذين سبق ذكرهما ــ أنواعاً أخرى من الاختبارات مثل الاختبارات القبلية* والاختبارات البعدية* والاختبارات الضمنية والاختبارات النهائية.
10. التقويم مرجعي المحك : في نظام التعليم المفرد لا يقارن أداء الطالب بأداء زملائه. ومن ثم فلا تستخدم الاختبارات جماعية المحك. وإنما يقاس تقدم الطالب بما حققه من أهداف في ضوء مستويات تحددها هذه الأهداف. فإذا أخفق الطالب في نهاية المقرر مثلاً في الوصول إلى مستوى الإتقان المحدد سلفاً (كأن يحقق 90% من الأهداف) فإنه يعطى تقديراً غير مكتمل* ويطلب منه إعادة المقرر أو بعض من وحداته للوصول إلى المستوى المطلوب.

نماذج التعليم الإفرادي

التعليم الإفرادي تتعدد نماذجه ولكنها في نهاية المطاف تدور كلها حول المتعلم كفرد له ما يميزه عن غيره* ومن أكثر النماذج شيوعاً في الأدبيات التربوية ما يلي :
نموذج التدريس الفردي الوصفي : يعتبر هذا النموذج تطبيقاً للنظرية السلوكية في التعلم* ولذلك فهو يقوم على أساس أن نشاط الطالب في الفصل هو استجابة لمثيرات تقدم له* ولا يقوم على أساس المبادأة من جانب الطالب. ولذلك ترتب الأهداف التعليمية هرمياً وتقسم كل مادة تعليمية إلى مستويات* كل مستوى يحتوي على عدد من الأهداف السلوكية المحددة* حيث يتم بناء المواد والأنشطة المختلفة حول هذه الأهداف السلوكية. ويعد هذا النموذج من التصنيفات البارزة للمنهج في المدارس الابتدائية بالولايات المتحدة الأمريكية في مواد القراءة والخط والهجاء والرياضيات والعلوم والدراسات الاجتماعية.
التدريس الفردي الإرشادي : يعتبر التدريس الفردي الإرشادي أحد الاتجاهات المعاصرة في التدريس* التي تساعد على مواجهة الفروق الفردية بين الطلاب* وتعمل على الوصول بكل طالب إلى مستوى مناسب من التمكن من المادة الدراسية المقررة عليه من خلال إعدادها إعداداً يسمح بالتعلم الذاتي* كما تسمح للمتعلم بأن يتقـدم في عملية التعلم وفقاً لسرعته الخاصة. وهو يعني أن التدريس يتم على أساس فردي* وبطريقة موجهة عند نقطة مناسبة لتحصيل الطالب الفرد في البرنامج التعليمي* وبأسلوب يجعل الطالب يعمل ويتقدم من خلال خلايا تعليمية متتابعة من الخبرات* وبمعدل تحدده إمكاناته الذاتية وعادات عمله الفردية* وذلك للتمكن من كل الأهداف التعليمية المرغوب فيها. وكل ذلك يتم في حجرة الدراسة تحت إشراف المعلم وتوجيهه.
التدريس الفردي التشخيصي العلاجي : يعتمد هذا النموذج على الأسس الفنية التي نادى بها بعض أصحاب المدرسة السلوكية التي اعتمدت على القياس والتجريب. والتشخيص ضروري في تفريد التعليم* حيث إنه لابد وأن يحدث الأهداف المنشودة في الدراسة* وأيضاً قبل البدء في تقديم العملية التعليمية التي يجب أن يدرسها الطالب. وتستخدم عملية التشخيص في تحديد مستوى بداية التعلم عند كل طالب في البرنامج التعليمي* وهي بذلك تهدف إلى تحديد الخلفية المعرفية للطالب* وطريقته في التعليم بالإضافة إلى التعرف على ميوله وقدراته ومشكلات التعلم لديه. وعلى أساس هذا التشخيص يتم تحديد الأنشطة والمواد التعليمية التي تؤدي إلى تصحيح وعلاج مواطن الضعف لدى كل طالب* وبهذا يمكن الوصول بكافة مستويات الطلاب إلى الأهداف المنشودة.


الفصل الثاني
التعلم الذاتي


مقدمة

تجمع الأدبيات التربوية على أن أفضل طريقة لاكتساب المعلومات هي تلك التي يصل إليها المتعلم بنفسه* وبناء على استبصاره الذاتي مما يجعلها أثبت في ذاكرته وأكثر وضوحاً. وإننا نتعلم بطريقة أفضل إذا اشتركنا إيجابياً في تحديد الأهداف المنهجية للتعلم* ومارسنا التعلم بالطريقة التي تناسبنا* وتوفر لدينا الفرص للدراسة المتعمقة التي تجمع شتات العلوم المختلفة في خبرة نستطيع تطبيقها في الحياة العملية* وأدركنا أن ما نتعلمه له فائدة مباشرة لحياتنا ومهنتنا* واشتركنا في العملية التعليمية بحرية دون فرض أو إرغام.
ويرى برونر أن الغرض من التربية يجب أن يكون تعليم الفرد كيف يتعلم* أو ما يمكن أن يطلق عليه مهارة البقاء* وذلك لكي نعـده لعالم متجدد ومتطور. ونتيجة لذلك ينادي "برونر" بالتعليم عن طريق الاكتشاف الذي يتيح الفرص للمتعلم لكي ينمي قدراته ومهاراته في الاعتماد على النفس في عملية التعلم. فزيادة التوجه الذاتي في التعلم تؤدي إلى تحسن ذاكرة المتعلم وتزيد من انتقال أثر التدريب* كما تزيد الاهتمام بالتعلم. إن الهدف النهائي من العملية التربوية هو تدريب الفرد على متابعة تعليمه بحيث ينقل إليه عبء متابعة تعليمه* وأن وظيفة المدرسة هي تعليم الطالب كيف يتعلم.
مما سبق يتضح أنه يجب أن تعطى الفرصة لكل طالب لكي ينمي قدراته كفرد* وأن يكون قادراً على اتخاذ القرارات بطريقة فعالة ومؤثرة لحل المشاكل التي تواجهه والاستفادة مما تعلمه في المدارس لحل هذه المشكلات* ومساعدة الطلاب على تحمل مسؤوليات البحث المستقل* وأن يصبحوا متعلمين خلال حياتهم* وأن نوفر الفرص لهم لكي ينقدوا ويتخيلوا ويكونوا مستقلين* بدلاً من التأكيد الشديد على الطاعة والاعتماد والاتكالية على المعلم الذي يعتبره الطلاب أعقل فرد في حجرة الفصل.
من أجل هذا ارتفعت الصيحات في المجال التربوي لتأكيد مفهوم التعلم الذاتي واعتباره لغة العصر في مجال التعليم والتعلم.
ولكن ما مفهوم التعلم الذاتي ؟

مفهوم التعلم الذاتي

يعرف التعلم الذاتي بأنه العملية الإجرائية المقصودة التي يحاول فيها المتعلم أن يكتسب بنفسه القدر المقنن من المعارف والمفاهيم والمهارات والاتجاهات والقيم عن طريق الممارسات والمهارات التي يحددها البرنامج الذي بين يديه* من خلال التطبيقات التكنولوجية التي تتمثل في استخدام المواد والأجهزة والمواقف التعليمية. وتوجد تعريفات عديدة للتعلم الذاتي وتتفق كلها على أن المتعلم هو محور العملية التعليمية* كما أنه يقوم بتعليم نفسه بنفسه* ويختار طريقة دراسته ويتقدم فيها وفقاً لقدرته وسرعته الذاتية.
وهـناك مـن يـعرف الـتعلم الـذاتي بأنـه أحـد أسـاليب الـتعلم التي يستخدمها المـتعلم نفـسه ودون مسـاعدة أحـد* سـواء كـانت كـتباً خـاصة أو مـبرمجة أو آلات تعلـيمية مصـممة لأداء دور تعليـمي (كمـا يحـدث فـي التـعليم المـبرمج)* أو يسـتخدم فيـها المتـعلم وسـائل تصـله عـن طـريق الـبريد أو وسـائل النـشر المختلفة (كما يحـدث فـي التعـليم بالـمراسلة)* ويسـتخدم فـيها المـتعلم تكنـولوجيا الاتـصال الجمـاهيري فيـستمع ويـرى بـرامج مـتخصصة تـبث مـن خـلال الإذاعـة والتلفزيون.... وما شابه ذلك. ويتفق التعريف السابق مع تعريف آخر للتعلم الذاتي مؤداه أنه العملية المستمرة التي يكتسب بها أي فرد اتجاهات وقيماً ومهارات ومعلومات من الخبرة اليومية ومن المؤثرات والمصادر التعليمية في بيئته* كالأسرة والخبرة* ومن العمل واللعب* ومن السوق والمكتبة* ووسائل الاتصال الجماهيري* وما شابه ذلك.
وجدير بالإشارة هنا أن مصطلح التعلم الذاتي هو الأدق في هذا السياق وليس التعليم الذاتي. ذلك أن التعلم أمر فردي خاص يحدث من الفرد للفرد نفسه وليس خضوعاً لمؤثر خارجي يتولى مهمة التعليم.
كما ينبغي الإشــارة إلى أنه نوع من أنواع التعلم الإفرادي. لذلك يطلق عليه البعض مصطلح (التعلم الذاتي الفردي).

اختلاف المصطلحات

التعريفات السابقة للتعلم الذاتي تدل على إشكالية تواجه التربويين عند محاولة التعريف الإجرائي الدقيق للتعلم الذاتي ؛ إذ تختلط به مفاهيم ومصطلحات أخرى. من أجل هذا وجب التمييز بينها كالتالي :
1. الاستخدام الذاتي : تنظيم الإمكانات والأجهزة والمواد التعليمية بالشكل الذي يجعلها متاحة للفرد وليستخدمها بنفسه.
2. التعلم الذاتي : يشير هذا المصطلح إلى المواقف التي يقوم فيها الدارس بالأدوار المختلفة بنفسه ودون تحكم أو توجيه من المعلم.
3. التوجيه الذاتي : يشير هذا المصطلح إلى نوع الاتجاهات التي لدى الفرد نحو مهمات التعلم* حيث يتحمل مسئولية كافة القرارات الخاصة بتعلمه* وإن لم يتول مسؤولية تنفيذ هذه القرارات.
4. الاعتماد الذاتي : يصف هذا المصطلح المواقف التي يعد الدارس فيها مسؤولاً مسؤولية تامة عن إصدار القرارات الخاصــــة بتعلمه* وكذلك عن تنفيذها* وفي حالة الاعتماد الذاتي الكامل لادخل للمعلم أو للمؤسسة التعليمية في عملية التعلم عند الدارس* بل إن الدارس يعد مواده التعليمية بنفسه.
5. شبه الاعتماد الذاتي : يصف هذا المصطلح المرحلة التي يبدأ فيها إعداد الفرد للاعتماد الذاتي.
6. المواد المتاحة للاستخدام الذاتي : يقصد بها تلك المواد التعليمية المناسبة للدارس والمتاحة له لكي يستخدمها بنفسه.
7. الفرق بين التوجيه الذاتي والاعتماد الذاتي : الشخص الموجّه ذاتياً هو ذلك الذي يتحمل مسئولية عمليات التعلم الخاصة به* فإذا ما تعدى ذلك إلى القيام باتخاذ إجراءات التعلم لنفسه وبنفسه يصبح لديه اعتماد ذاتي* حيث لا يتوقع من الآخرين مساعدة فيما يختص بتنظيم عملية التعلم. وليس معنى الاعتماد الذاتي الانعزال عن الآخرين* بل قـــد يعمل الفرد وسط آخرين ومعهم* ومع ذلك فهو يعتمد على نفسه.
8. التعليم الإفرادي : يعد هذا المصطلح محايداً بالنسبة لمن يتحمل مسؤولية التعلم. ويعرفه البعض بأنه : عملية التعلم (فيما يتصل بالأهداف والمحتوى وطرائق التدريس ومعدل السرعة) التي يتم إعدادها لفرد معين* أخذاً في الاعتبار سماته الخاصة* وقد سبق أن عرضنا له.

الأساس النفسي والتربوي للتعلم الذاتي

فيما يلـي بعض النقــاط الأساسية ذات العلاقة بالأســاس النفسي والتربوي لبرامج التعلم الذاتي* وهي :
1. اعتبار أن كل طالب حالة خاصة في تعلمه.
2. مراعاة مبدإ الفروق الفردية في التعلم.
3. التحديد الدقيق للسلوك المبدئي للطالب.
4. التحديد الدقيق للسلوك النهائي للطالب.
5. مراعاة السرعة الذاتية لكل طالب أثناء التعلم.
6. تقسيم المادة التعليمية إلى خطوات صغيرة هادفة.
7. التسلسل المنطقي للخطوات التعليمية وتكامله.
8. التعزيز الفوري والتغذية الراجعة بعد كل خطوة.
9. الإيجابية والمشاركة في التعلم.
10. حرية الحركة أثناء التعلم وحرية الاختيار لمواد التعلم أساسيان في عملية التعلم.

خصائص المتعلم ذاتياً

يتميز الطالب الذي يحسن توظيف استراتيجية التعلم الذاتي بأن لديه :
1. القـدرة على إدراك ما هو مناسب له ومهم* والحساسية لمعرفة ما هو ضروري لتعلمه.
2. القدرة على تحديد المشكلة التي تواجهه والعمل على حلها والنظر إليها كتحديات وليست عقبات.
3. الوعي بمصادر المعلومات والقدرة على استخدامها.
4. المرونة في النظر إلى الأشياء واتباع طرق غير تقليدية لعملها.
5. الاستقلال في التفكير ( لا يجب أن يخبره المعلم ماذا يفعل ).
6. المهارة في اتباع التعليمات والقواعد بمرونة.
7. إدراك مسؤولية التعلم وتقبلها.
8. حب الاستطلاع والسعي دائماً نحو الجديد والانفتاح على الخبرات المختلفة.
9. المبادأة بالنفس في عمل الأشياء وأخذ المبادرة.
10. المثابرة والطاقة المرتفعة للعمل.
11. الدافعية الذاتية.
12. القدرة على الدفاع عن موقف ما.
13. الاعتراف بمسؤوليته في التعلم وعنه.
14. القدرة على تنظيم خبراته والتعامل معها.
15. الوعي بجوانب القوة والضعف في نفسه ( التقويم الذاتي )
16. امتلاك المهارات الأساسية في الدراسة.
17. القدرة على وضع خطة لعمل ما مع تنفيذها.
18. الإحساس بالرضى عن التعلم.
19. القدرة على ضبط النفس والتحكم الذاتي.
20. يفضل العمل خلال فريق حل المشكلات.
21. الشعور بأنه متخذ القرار وليس مجرد منفذ له.
22. القدرة على تبني التعلم الذاتي جزئياً أو كلياً.

معايير برنامج التعلم الذاتي

أ) معايير الأهداف :
1. أن يكون في الإمكان تحقيقها باستخدام أسلوب التعلم الذاتي.
2. الاتساق مع أهداف تدريس المادة بشكل خاص والأهداف العامة بشكل عام.
3. أن تكون أهداف البرنامج وافية شاملة لجميع جوانب الخبرة.
4. ألا تعتبر أهـداف البرنامج نهايات يقف عندها المعلم* وإنما بدايات لنشاط أكثر وتعليم جديد.
5. أن تصاغ أهداف البرامج بطريقة إجرائية تفيد في اختيار المحتوى.
6. أن تكون أهداف البرنامج واقعية وواضحة ومحددة ومتوازنة ويمكن تحقيقها.
7. أن تكون مقبولة لدى المعلمين* ومهمة في نظر الدارسين.
8. أن تكون أهداف البرنامج متدرجة ومنظمة في مجموعات حتى يسهل ترجمتها إلى خبرات تعليمية.
9. أن تصاغ أهداف البرنامج بطريقة تسهل عملية القياس والتقويم.

ب) معايير المواد التعليمية :
1. أن تكون المادة العلمية صحيحة علمياً* وذات أهمية* مع الاستعانة بأحدث الكتب والمؤلفات وأدقها.
2. أن تكون في مستوى الدارسين ويسهل تدريسها* ويمكن تعلمها.
3. أن تكون ذات منفعة للدارسين* وتفيدهم في حل مشاكلهم.
4. أن تكون المادة العلمية متوازنة من حيث عملها واتساعها.
5. أن تحقق المادة العلمية الكثير من أهداف البرنامج وكفاءاته التي تم تحديدها.
6. أن يتضمن المحتوى بعض المفاهيم والتعميمات والمبادئ والنظريات* وكذلك بعض المهارات والقيم والاتجاهات.
7. يراعى في تنظيم المادة العلمية أن تكون في صورة تراكمية تستهدف تغطية كل النواحي المحددة قدر الإمكان* كما يراعى أن يكون بعض المحتوى في صورة مشكلات.
8. عدم إغفال التنظيم السيكولوجي من أجل التنظيم المنطقي للمادة.
9. أن يكون هناك مجال للاختيار في المادة العلمية وفي القراءات الخارجية والخبرات التعليمية لمن يريد الاستزادة أو التعمق في الدراسة.
10. يراعى التتابع والتكامل في اختيار المادة العلمية.

ج) معايير النشاط :
1. أن تشتمل المادة التعليمية على نشاطات تعليمية يمكن للمعلم والطالب الاستعانة بها لتحقيق الكفاءات التعليمية المحدودة* وأن تساعده في تحقيق الأهداف التي تسعى إليها المادة.
2. أن تشتمل المادة التعليمية على القراءات والبحوث الخارجية* وأن تجيب على الأسئلة المطروحة* والمشاركة في بعض النشاطات الجماعية.
3. أن تشتمل المادة التعليمية على نشاطات تعليمية متنوعة ومتمايزة* وأن تحتوي على أساليب متعددة تتيح للمعلمين والطلاب فرص الاختيار من بينها* وذلك بهدف تلبية الاحتياجات الفردية المتنوعة لهم* والإفادة من قدراتهم واستعداداتهم المختلفة.
4. أن يعطى المعلم فرصة ممارسة كفاءات النشاطات التعليمية بشكل فعال وفي مواقف حقيقية* وإذا لم يتح ذلك* ففي مواقف مصطنعة لهذا الغرض بقصد التدريب على إتقان هذه الكفاءات.
5. أن يعطى المعلم والطالب فرصة اكتساب الكفاءات التعليمية من خلال النشاطات التعليمية باستخدام أسلوب التعلم الذاتي بطريقة منظمة وتدريجية* وتحقق التكامل بين كفاءات تعليم المادة وتعلمها.



الفصل الثالث
التعلم عن بعد(2)


مقدمة

التعلم عن بعد Distanse learning مفهوم قديم حديث* فلقد شهدت الأدبيات التربوية ما يسمى بالتعليم بالمراسلة. وانتهينا الآن إلى التعليم عبر الأقمار الصناعية. ولعل الأسباب التي دعت إلى التفكير في هذا النمط من التعليم قديماً هي الأسباب التي تشهدها الأدبيات الحديثة أيضاً* مضافاً إليها التقدم التكنولوجي المذهل.
وتواجه التربية الحديثة تحديات فرضت إعادة النظر في أساليب التدريس والتفكير في أنماط أخرى تعتبر المتعلم محور الحركة فيها. من هذه التحديات :
1. استخدام التكنولوجيات الحديثة بنسب وتطبيقات ملائمة في التعليم والتدريس.
2. التنوع المتزايد في العملية التعليمية وعلاقة ذلك بالطلاب المتعلمين المعدين بطريقة هامشية ويلتحقون بمعاهد التعليم الجامعي ويطلبون طرقاً جديدة لتعلمهم مدى الحياة.
3. يؤكد الطلب على مجتمع المعلومات المتغير بصفة متزايدة أهمية اكتساب الكفايات المرنة في ظل هياكل العمل المبنية على عمل الفريق.

مفهوم التعلم عن بعد

يتلخص التعلم عن بعد في كونه عمليات تنظيمية ومستجدة تشبع احتياجات المتعلمين من خلال تفاعلهم مع الخبرات التعليمية المقدمة لهم بطرق غير تقليدية تعتمد علـى قدراتهـم الذاتية* وذلك من خلال استخدام تكنولوجيا الوسائط التعليمية المتعددة دون التقيد بزمان أو مكان محددين* ودون الاعتماد على المعلم بصورة مباشرة.

فلسفة التعلم عن بعد

تقوم الفكرة الأساسية للتعلم عن بُعد على أساس تقديم التعليم والتدريب لكل من يريد* في الوقت الذي يريد* والمكان الذي يريد* دون التقيد بالطرق والوسائل التقليدية المستخدمة في العملية التعليمية العادية. وعلى ذلك فإنه يمكن بلورة المبادئ الأساسية التي تقوم عليها الفلسفة التربوية للتعلم عن بعُد في النقاط التالية :
1. إتاحة الفرص التعليمية المتاحة لكل الراغبين والقادرين على ذلك دون حدود نهائية يقف عندها التعليم أو التعلم* وتذليل العقبات الزمانية والمكانية والعملية التي تعوق عملية التعلم.
2. المرونة في التعامل بين أطراف العملية التعليمية لتخطي الحواجز والمشكلات التي قد تنشأ بفعل النظام أو بفعل القائمين عليه.
3. ترتيب موضوعات المنهج* وأساليب التقويم حسب قدرات المتعلمين وظروفهم واحتياجاتهم.
4. استقلالية المتعلمين وحريتهم في اختيار الوسائط التعليمية وأنظمة التوصيل بصورة فردية حسب ظروفهم العملية وأماكن وجودهم.
5. تصميم البرامج الدراسية بصورة تتناسب مع الاحتياجات الفعلية للدارسين في مجالات عملهم المختلفة* واعتماد الدرجات العلمية التي تمنح لهم بعد معادلتها بالدرجات العلمية في المؤسسات التعليمية العادية.
6. تلبية حاجات بعض الشرائح الاجتماعية ذات الظروف الخاصة من خلال تقديم برامج التعليم والتدريب التي تساعدهم على الاندماج الاجتماعي والثقافي في المجتمع الذي يعيشون فيه.
7. الإسهام في تحسين نظم التعليم التقليدي سواء في مجالات البرامج الدراسية الأساسية أوالتكميلية أوالإضافية* وفي مجالات صيغ التعليم وأساليبه التدريسية* وفي مجالات التنمية المهنية للمعلمين في كافة مواقع العمل البيئية ومستوياته الدراسية.

أهداف التعلم عن بعد

تتلخص أهداف التعلم عن بعُد فيما يلي :
1. توفير فرص التعليم والتدريب للراغبين والقادرين من الفئات التي فاتها الالتحاق بمؤسسات ومعاهد التعليم الضمني التقليدي لأسباب اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية أو جغرافية أو غير ذلك.
2. الإسهام في إعداد المواطن المثقف الذي يهتم بقضايا أمته ويواجه تحديات الهيمنة الأجنبية على موارد ومقدرات الأمة العربية الإسلامية.
3. توفير فرص التعليم والتدريب أثناء الخدمة للفئات المنخرطة فعلاً في سوق العمل في الدول العربية.
4. تقليل أعداد الدارسين العرب الذين يلتحقون بمؤسسات ومعاهد التعليم الضمني الأجنبية نتيجة لعدم قبولهم بمعاهد التعليم الضمني القريبة في بلادهم بسبب تدني مجموع الدرجات التي حصلوا عليها في المرحلة الثانوية.
5. الإسهام في إعداد المواطن الذي يمتلك المعارف والمهارات والقدرات والاتجاهات المناسبة التي تمكن من العمل بصورة مستقلة* أو ضمن فرق عمل مشتركة في حل مشكلات المجتمع الذي يعيش فيه.
6. توفير البرامج التعليمية التي تلبي متطلبات سوق العمل وخطط التنمية المستدامة في الدول العربية على أسس علمية مدروسة.
7. مشاركة مؤسسات العمل الأهلية في عملية التعليم استكمالاً لدور الدولة ؛ واستنهاضاً لها والتي أوشكت أن تضيع في خضم احتكار الدولة لعملية التعليم.
8. تأكيد الهوية الحضارية للأمة ومواجهة العولمة ؛ وذلك من خلال تقديم النموذج الحضاري الإسلامي المستنير بصورة عملية في برامج التعلم عن بعُد.

أنماط التعلم عن بعد

كان من نتيجة التفاعل بين حاجات المتعلمين وتكنولوجيا الاتصال الحديثة نشوء مجموعة من أنماط التعلم عن بعُد* ويعبر كل نمط من هذه الأنماط عن مرحلة معينة من مراحل التفاعل التعليمي أثناء تطور التعلم عن بعُد. هذا ويمكن إيجاز أنماط التعلم عن بعُد فيما يلي :
أ) التعليم بالمراسلة : ويقوم هذا النمط على استخدام المادة المطبوعة وإرسالها عن طريق البريد إلى الدارسين الذين يقومون بدراستها والتعليق على ما قرأوه من نصوص* ثم يقومون بإرسال هذه التعليقات* وما يثيرونه من تساؤلات إلى المعلمين عن طريق المراسلات البريدية أيضاً* وهكذا تكتمل دائرة الاتصال بين الدارسين والمشرفين والمعلمين.
ب) تكنولوجيا الوسائط المتعددة : ويعتمد هذا النمط من التعلم عن بعُد على استخدام النص المكتوب* والتسجيلات السمعية والبصرية بمساعدة الحاسوب عن طريق الأقراص المرنة أو المدمجة أو الهاتف أو البث الإذاعي والتليفزيون في توصيل المعلومات للدارسين.
ج) التعلم المتفاعل عن بعُد : ويقوم هذا النمط على إجمالي التفاعل بين المتعلم والمعلم عن بعُد من خلال المؤتمرات المرئية* والاتصالات البيانية المسموعة والمرئية* وقنوات التعليم التي تبثها الأقمار الصناعية.
د) التعلم المرن : وهذا النمط من التعلم عن بعُد يجمع بين الوسائط المتعددة التفاعلية التي تقوم بتخرين المعلومات على شبكة الاتصال العالمية* حتى يكون الدارسون قادرين على استقبالها في أي وقت يشاءون* وذلك من خلال الأقراص المدمجة التفاعلية* وشبكة الاتصالات Internet* والفصل الدراسي الافتراضي* والمكتبات والكتب الإلكترونية* وقواعد البيانات عند الطالب* والمناقشات بالاتصال المباشر* ومقررات تحت الطلب* وغيرها كثير.

خيارات تكنولوجية

يتوافر لمخططي التعليم عن بعُد مدى واسع من الخيارات التكنولوجية التي تتمثل في المجموعات التالية :
أ) الصوت : تشتمل الأدوات السمعية التعليمية على التكنولوجيات التفاعلية كالتليفون* المؤتمرات السمعية والراديو المتغير الموجه. أما الأدوات السمعية الساكنة غير التفاعلية* فتتمثل في الأدوات ذات الاتجاه الواحد مثل الأشرطة والراديو.
ب) الفيديو : تتضمن أدوات الفيديو التعليمية على الأشكال الثابتة : مثل الشرائح ؛ الأشكال المتحركة المنتجة مسبقاً كالفيلم وشريط الفيديو* الأشكال المتحركة في الوقت الحتمي المجمعة من المؤتمرات السمعية أي الفيديو المستخدم في اتجاه واحد أو في اتجاهين مع الصوت.
ج) البيانات : ترسل الحاسبات الآلية المعلومات وتستقبلها إلكترونياً. ولهذا السبب يستخدم لفظ "بيانات" لوصف المجموعة العريضة من الأدوات التعليمية وتطبيقات الحاسبات الآلية في مجال التعليم عن بعُد* والتي تشتمل على :
ــ التعلم بمساعدة الكمبيوتر (CAI) الذي يستخدم الحاسب الآلي كأداة متضمنة ذاتياً تعرض الدروس الفردية.
ــ التعليم الذي يدار بواسطة الكمبيوتر (CMI) حيث يستخدم الكمبيوتر في إدارة وتنظيم العملية التعليمية ومتابعة سجلات الطلاب وتقدمهم.
ــ التعلم الوسيط بالكمبيوتر (CME) الذي يصف تطبيقات الكمبيوتر التي تسهل إمداد التعليم كما في حالة كل من : البريد الإلكتروني* مؤتمرات الكمبيوتر في الوقت الحتمي* تطبيقات شبكة الويب* إلخ.
د) المواد المطبوعة : تعتبر هذه المواد العنصر الأصلي لبرامج التعلم عن بعُد والأساس الذي بزغت منه كل نظم إمداد أو تقديم هذه البرامج التعليمية* وتتوافر أشكال متنوعة من المواد المطبوعة* مثل الكتب الدراسية* مراشدات الدراسة* مخططات المقرر* دراسات الحالة التمارين* الاختبارات*... إلخ.

تكنولوجيا المعلومات والتعلم عن بعد

أ) الحاسوب في التعليم عن بعُد :
شهدت السنوات الأخيرة من القرن العشرين وبداية القرن الواحد والعشرين تطورات سريعة ومتلاحقة في تكنولوجيا المعلومات تتصل بشبكات الكمبيوتر* وزيادة قدرة وقوة معالجات الحاسبات الشخصية (Pcs)* والتقدم المذهل في تكنولوجيا التخزين الممغنطة* إلخ. وقد جعلت هذه التطورات للحاسب الآلي قوة وتأثيراً كبيراً على التعليم عن بعُد حيث وّفرت أدوات ووسائل تفاعلية جديدة للتغلب على الوقت والمسافة للوصول إلى المتعلمين أو الطلاب في أي مكان وفي أي وقت.
وتتمثل تطبيقات الحاسوب في التعليم عن بعُد في المجموعات العريضة التالية :
1. التعليم بمساعدة الكمبيوتر (CAI) : يستخدم الحاسوب كآلة تدريس متضمنة ذاتياً في عرض الدروس المتفرقة لتحقيق الأهداف التعليمية المحددة. وتوجد نماذج عديـدة للتعليم بمساعدة الكمبيوتر تشتمل على : تمارين* التدريب* المحاكاة* حل المشكلات.... إلخ.
2. التعليم المـدار بواسطة الكمبيوتر (CMI) : يستخدم الحاسوب قدرات التخزين* والمعالجة* والاسترجاع لتنظيم وإدارة العملية التعليمية ومتابعة سجلات الطالب وتتبع تقدمه. وفي هذا النوع من التطبيقات يمكن إمداد المساندة الإدارية والرقابة لكل أنشطة العملية الإدارية المرتبطة بالالتحاق* وسـداد المصروفات* وتنظيم جدول الدراسة* ومتابعة حضور وغياب الطلاب* وتنظيم الاختبارات والامتحانات* ومنح الدرجة العلمية أو الشهادة.
3. الكمبيوتر كأداة اتصال تعليمي (CMC) : يصف هذا النموذج تطبيقات الكمبيوتر التي تسهل عملية الاتصال* ويتضمن ذلك أمثلة مثل البريد الإلكتروني* ومؤتمرات الكمبيوتر* واللوحات الإلكترونية... إلخ.

ب) شبكة الإنترنت والتعلم عن بعُد :
تعتبر شبكة الإنترنت هي شبكة الكمبيوتر الأكبر والأعظم قوة في العالم الحديث. وتشتمل هذه الشبكة على أكثر من خمسة عشر مليون كمبيوتر* ويضاف إليها عناوين إنترنت التي يستخدمها أكثر من مائة مليون شخص في كثير من دول العالم. وحالياً يرتبط الأفراد* والمدارس* والكليات* والجامعات* والمنظمات المختلفة بشبكة الإنترنت إما من خلال اتصال مع شبكات اتصالات وكمبيوتر لا تستهدف الربح* أو بواسطة الاشتراك في خدمات المعلومات المقدمة بواسطة شركات وهيئات تجارية. وبذلك تفتح شبكة الإنترنت مجالاً أوسع للخدمات والتطبيقات التعليمية يوجه خبراء التربية والتعليم لتوظيفه لخدمة التعلم عن بعُد حتى يمكنهم التغلب على الوقت والمسافة لوصول الطلاب إلى مصادر التعليم* بالإضافة إلى تعزيز وتحسين التعلم المستمر والتعلم مدى الحياة. حيث إنه بالوصول إلى شبكة الإنترنت يمكن لخبراء التعليم والمدرسين والمتعلمين استخدام الخدمات التالية :
1. البريد الإلكتروني (E. MAIL) : كما هو الموضوع في البريد العادي* يستخدم البريد الإلكتروني لتبادل الرسائل أو المعلومات مع الجمهور. وبدلاً من أن يقدّم البريد* في خدمة البريد العادي* إلى العنوان البريدي للشخص أو المنظمة* فإن البريد الإلكتروني يرسل بواسطة برامج الإنترنت من خلال شبكة الكمبيوتر إلى عنوان الكمبيوتر الخاص بالشخص المستهدف.
2. لوحات الأخبار : يمكن الوصول إلى كثير من لوحات الأخبار من خلال الإنترنت. ويوجد نوعان من لوحات الأخبار العامة على الإنترنت هما لوحة أخـبار "استخــدام الإنترنت" ولوحة أخبار "قائمة خدمات الإنترنت". وتشمل لوحة أخبار استخدام الإنترنت "آلافاً من مجموعات الأخبار المنظمة وفقاً للموضوعات المختلفة التي تغطي تقريباً كل شيء من تعميم الحاسبات العملاقة إلى الموضوعات الثانويـة مثل وضع فيشة الكمبيوتر في بريزة الكهرباء. ويتراوح توزيع معلومات هذه اللوحات في كل أنحاء العالم إلى مؤسسات وأفراد محددين. أما لوحات أخبار "قوائم الخدمات" فإنها تقدم قوائم إرســال ترتبط بالخدمات المتاحة وتوفر منتديات مناقشة عن موضوعات متنوعة أو تجزأ بواسطة الموضوع أو الاهتمام الخاص المعين.

ج) شبكة الويب العالمية (WWW) :
تعتبر شبكة الويب من الخدمات الإبداعية والمتميزة بشبكة الإنترنت. وتوصف شبكة الويب بأنها تمثل مبادرة استرجاع معلومات الوسائل / الوسائط المتعددة الفائقة والمتشعبة على نطاق واسع عبر الإنترنت* وتهدف إلى الوصول العام لكل الوثائق المتاحة مما يجعلها ذات صفة عالمية.
وتقدم شبكة الويب لمستخدميها أدوات اتصال لمواد عريضة من الموارد المتاحة والمتكاملة (النص* الرسومات* الأصوات* الفيديو.. إلخ) والمتوافرة على الإنترنت بطريقة موحدة ومريحة مقبولة من المستخدمين.
وتشتمل مزايا وإمكانات الإنترنت التعليمية على ما يلي :
1. استخدام البريد الإلكتروني للرسائل الموجهة من شخص إلى آخر أو من منطقة تعليمية لأخرى. ويمكن من خلال البريد الإلكتروني استلام التغذية الراجعة مباشرة من المدرس أو الموجه التعليمي بسرعة أكبر مما يتيحه البريد العادي التقليدي. كما يمكن للطلاب أن يقرأوا رسائل البريد الإلكتروني الموجهة إليهم في الوقت الملائم والمناسب لهم وتخزينها بسهولـــة للرجوع إليها فيما بعد.
2. إنشاء لوحة أخبار أو سبورة بيضاء للفصل الدراسي. ففي الغالب* يدرس الطلاب عن بعُد معزولين بعضهم عن بعض بدون مساعدة أو مساندة من زملائهم الطلاب الآخرين. وبذلك فإن إعداد لوحة أخبار أو سبورة خاصة بالفصل سوف يشجع التفاعلية بين الطلاب* ومع استخدام أو توظيف مؤتمرات كمبيوتر الفصل يستطيع الطلاب إبداء آرائهم وتعليقاتهم وطرح أسئلتهم للفصل. وبذلك يصبح كل طالب أو متعلم آخر ضمن فريق الفصل أن يكون حراً في الاستجابة لما هو مطروح* كما يمكن أن يستخدم المؤتمرات أيضاً في إعداد كل التعديلات على جدول الدراسة للفصل أو الخاص بالمقرر* والواجبات* والاختبارات*.. إلخ.
3. تضمين الطلاب في حوار مع زملائهم* والمدرسين* والباحثين من خلال تشجيع الاتصال من خلال لوحات الأخبار عن الموضوعات التي تدرس في الفصل أو التي ترتبط بالمقرر الدراسي المقدم.
4. تطوير صفحة محلية Home Page* أو موقع ويب Website للفصل الدراسي لتغطية المعلومات المختلفة عن الفصل. ويتضمن ذلك مخططات المقررات الدراسية المقدمة* والتمارين والواجبات* والمراجع ونبذة تعريفية عن المدرس والمساعد. ويمكن أن يقدم المدرس أيضاً شبكة من وصلات المعلومات على شبكة الويب التي يستفيد منها الطلاب في الفصل. على سبيل المثال* قد تشتمل الوصلات على بيانات بحث حقيقية عن الأسواق الزراعية* أو تغير المناخ العالمي* أو رحلات الفضاء الجوي*.. إلخ. وقد تشتمل الوصلات الأخرى على بيانات الوصول إلى فهارس المكتبة أو إلى صفحة موقع كل طالب على شبكة الويب.



الفصل الرابع
التعلم التعاوني(3)


مقدمة

قديماً قالوا في المثل العربي : المرء قليل بنفسه كثير بإخوانه. وتأتي الأعمال الجماعية التي يلتقي عندها مجموعة من الأفراد على رأس قوائم التفضيل في مختلف الأديان والمذاهب* >وهذا مما حث عليه الإســـلام ودعمته ثقافتنا العربية الإسلامية على امتداد العصور<.
وكان من الطبيعي أن تجد هــذه الأفكار صدى في الأدبيات التربوية* فظهر من بين ما ظهـــر من استراتيجيات تربوية* استراتيجية التعلم (وليس التعليم) التعاوني Cooperative learning. ونستعرض في هذا الفصل مفهومه ونماذجه وإجراءاته وتقويمه.

مفهوم التعلم التعاوني

لعل مفهوم التعلم التعاوني كغيره من المفاهيم التربوية يحتاج إلى تحديد حتى يسهل التواصل بين العاملين في ميدان طرائق التدريس. فالتعلم التعاوني كما تشير بعض الدراسات هو الأسلوب الذي يستخدمه الطالب لتحقيق أهدافه الفردية* وذلك بالعمل المشترك مع زملائه لتحقيق أهدافهم* وبحيث تكون العلاقة بين تحقيق أهدافه وأهداف زملائه علاقة موجبة. بينما تعرفه دراسة أخرى بأنه أسلوب يتعلم فيه الطلاب في مجموعات صغيرة* يتراوح عددهم في كل مجموعة ما بين تلميذين (2) و6 تلاميذ مختلفي القدرات والاستعدادات* ويسعون نحو تحقيق أهداف مشتركة* معتمدين على بعضهم بعضاً. وتحدد وظيفة المعلم في مراقبة المجموعات وتوجيهها وإرشادها.
ولئن كان التعاون يعني أن تعمل مجموعة ما لتحقيق أهدافها المشتركة* فإن التعلم التعاوني ما هو إلا استخدام مجموعات صغيرة في عملية التعلم* بحيث تحتوي هذه المجموعات على طلاب مختلفي القدرات والمستويات* وبحيث يمارس هؤلاء التلاميذ أنشطة تعلم مختلفة ومتنوعة* وبحيث يكون كل عضو من أعضاء المجموعة مسؤولاً عن تعلمه بالإضافة إلى مساعدة زملائه في المجموعة على التعلم* ومن ثم يصبح التعلم متعة. وتعرفه دراسة أخرى بأنه >نموذج تدريس يتطلب من الطلاب العمل مع بعضهم البعض والحوار فيما بينهم فيما يتعلق بالمادة الدراسية* وأن يعلّم بعضهم بعضاً. وفي أثناء هذا التفاعل الفعال تنمو لديهم مهارات شخصية واجتماعية إيجابية<.
وفي ضوء التعريفات السابقة نستخلص الصفات الآتية للتعلم التعاوني :
1. يتعلم التلاميذ في مجموعات صغيرة يتراوح عددها بين تلميذين (2) و6 تلاميذ.
2. تتكون كل مجموعة من تلاميذ مختلفي الاستعدادات والقدرات.
3. يسعى أفراد كل مجموعة نحو تحقيق هدف أو مجموعة أهداف مشتركة.
4. يعتمد أفراد المجموعة على بعضهم بعضاً اعتماداً إيجابياً لتحقيق أهدافهم المشتركة.
5. يتفاعل أعضاء المجموعة وجهاً لوجه* ويساعد بعضهم بعضاً.
6. يكون كل عضو في المجموعة مسؤولاً عن تعلمه وتعلم زملائه في المجموعة.
7. يستخدم أعضاء المجموعة مهارات العمل الجماعي التعاوني* مثل مهارات القيادة واتخاذ القرار والتواصل... إلخ* ويتنافس كل منهم حول السلوك الأجود.
8. يقوِّم أفراد كل مجموعة درجة جودة العمل الذي تم ومدى نجاحهم فيه.

نماذج التعلم التعاوني

استخدم المربون طرقاً متعددة للتعلم التعاوني داخل فصول الدراسة. وعلى الرغم من وجود سمات مشتركة بين هذه الطرق* إلا أنها تختلف عن بعضها سواء في أنواع التفاعل الحادث بين التلاميذ داخل مجموعات التعلم التعاوني* أو في ترتيب خطوات التنفيذ أو في أنواع المكافآت المقدمة للتلاميذ. وفيما يلي عرض لبعض هذه الطرق.

فرق تعلم الطلاب

يشير هذا العنوان إلى ثلاث طرق من طرق التعلم التعاوني التي استخدمت بكثرة في مجال تدريس الرياضيات للتلاميذ بمراحل التعليم المختلفة. وقد طور هذه الطرق روبرت سلافين وزملاؤه بجامعة جون هوبكنز الأمريكية. هذه الطرق هي :
1. فرق الطلاب وأقسام التحصيل.
2. فرق مسابقات الألعاب التعليمية.
3. التفريد بمساعدة الفريق.
وسوف نتناول بالتفصيل إحدى هذه الطرق.

طريقة فرق الطلاب وأقسام التحصيل

تتكون هذه الطريقة من عدة خطوات أساسية هي :
1. تقديم الدرس : في هذه الخطوة يقدم المعلم المحتوى التعليمي لتلاميذه باستخدام المحاضرة أو المناقشة أو العرض العملي* مستخدماً في ذلك أية وسيلة تعليمية مناسبة.وعلى التلاميذ أن يركزوا انتباههم على ما يقدمه المعلم*لأن ذلك سيساعدهم على العمل مع مجموعاتهم (فرقهم) كما سيزيد من قدرتهم على الإجابة عن أسئلة الاختبارات القصيرة المقدمة لهم والتي ستدعم وتعزز درجات المجموعات التي ينتمون إليها.
2. تكوين المجموعات الصغيرة (الفرق) : تتكون كـل مجموعة من 4 إلى 5 تلاميذ مختلفي التحصيل* والجنس* والجنسية..إلخ. والمهمة الرئيسية لكل مجموعة هي إعداد أعضاء المجموعة للإجابة عن أسئلة الاختبارات القصيرة إجابة صحيحة* بعد دراستهم لأوراق العمل المقدمة لهم دراسة جيدة. إن مفهوم العمل التعاوني يتم التأكيد عليه في هذه الخطوة من خلال دعم أعضاء المجموعة لبعضهم البعض* مما يزيد من الجهد لدفع الفريق نحو النجاح والتفوق.
3. تقديم الاختبارات الفردية القصيرة : بعد مرور حصة أو حصتين أو أكثر* وبعد دراسة التلاميذ لأوراق العمل المقدمة لهم* يجلس التلاميذ لاجتياز اختبارات قصيرة فردية تحتوي على أسئلة مرتبطة بما تعلموه في مجموعاتهم. وفي هذه الاختبارات يعمل كل تلميذ بمفرده وعلى مسئوليته الشخصية عن تعلمه ويمنع تماماً من التعاون مع زملائه.
4. درجات التقدم الفردية : الفكرة الرئيسية وراء منح التلاميذ درجات التقدم هذه هي تحديد هدف لكل تلميذ يجب أن يسعى إليه.وهذا الهدف لن يتحقق إلا من خلال بذل مزيد من الجهد يفوق الجهد الذي بذله التلميذ سابقاً. ولمنح التلاميذ درجات التقدم هذه يحدد المعلم أولاً : درجة لكل تلميذ تسمى درجة الأساس* وهي في أبسط صورها عبارة من متوسط درجات التلميذ في كل الاختبارات القصيرة السابقة* ثم ثانياً : يمنح كل تلميذ عدداً من الدرجات يساوي الفرق بين درجة آخر اختبار قصير اجتازه وبين متوسط درجاته في كل الاختبارات القصيرة السابقة* طالما أن درجة هذا الاختبار الأخير زادت عن هذا المتوسط. وأخيراً : يمكن حساب درجات تقدم المجموعة الواحدة ككل بجمع درجات التقدم لكل عضو من أعضائها.
5. التقدير والاعتراف : المجموعـة التي تصل إلى المستوى الذي يحدده المعلم لإتقان التعلم أو تزيد عن ذلك المستوى* يمكن أن يتم تقديرها والاعتراف بجهودها عن طريق إعطائها شهادات تقدير بتفوقها أو تعليق صورهم على لوحة الإعلانات داخل الصف* أو من خلال توزيع نشرة دورية على كل التلاميذ تبين تفوق هذه المجوعة أو تلك. هذا بالإضافة إلى تقدير التلاميذ الذين قدموا أعمالاً بارزة لمجموعاتهم.
6. طريقة تكامل المعلومات المجزأة : اقترح هذه الطريقة أرونسون ومعاونوه لأول مرة عام 1977* وذلك بهدف تدعيم وتعزيز التعاون بين التلاميذ أثناء تفاعلهم في مجموعات صغيرة يتراوح عدد أعضائها بين 5 و6 تلاميذ. كما يتم التركيز في هذه الطريقة على تدريس التلاميذ لبعضهم بعضاً* وهو ما يسمى بتدريس الأقران Peer teaching* وذلك بهدف تحقيق أكبر قدر ممكن من الاعتماد الإيجابي المتبادل بين التلاميذ وتفاعلهم معاً وجهاً لوجه* وتحمل كل منهم لمسؤولية تعلمه وتعلم زملاء مجموعته.
وقد وصف أرونسون* ومعاونوه إجراءات هذه الطريقة على النحو الآتي :
1. يحدد المعلم مع تلاميذه المهمة (الموضوع* المشكلة..إلخ) المطلوب تعلمها سواء كانت مشكلة* أو مقالة* أو جزءاً من فصل من كتاب... إلخ.
2. يقسم المعلم تلاميذ الفصل إلى عدد من المجموعات* بحيث تتألف كل مجموعة من 5 تلاميذ مثلاً متفاوتى القدرة* وتسمى هذه المجموعات بمجموعات الأساس.
3. يقسم المعلم المهمة المطلوب دراستها إلى عدد من الموضوعات الفرعية (المهام الفرعية) بحيث يكون عدد المهام الفرعية مساوياً لعدد أعضاء كل مجموعة من مجموعات الأساس.
4. يوزع المعلم على أفراد كل مجموعة المسؤوليات والأدوار التي يجب أن يقوموا بها.
5. يلتقي التلاميذ الذين معهم نفس المهمة الفرعية معاً في مجموعات جديدة تسمى مجموعات الخبراء. بمعنى أنه إذا كان عدد المهام الفرعية خمس مهام فيكون لدينا خمس مجموعات للخبراء.
6. يتدارس التلاميذ في مجموعات الخبراء موضوعاتهم الفرعية* أي مهامهم الفرعية ويتفقون معاً على أنسب الطرق لتعليم هذه المهام الفرعية لزملائهم.
7. يعود كل تلميذ بعد ذلك من مجموعة الخبراء بما تعلمه إلى مجموعته الأساس* ويقوم بتدريس المهمة الخاصة به لزملائه في مجموعته الأساس.
8. يعتبر كل تلميذ في المجموعة الأساس مسؤولاً مسؤولية تامة عن تدريس المهمة الخاصة به* وتعلم باقي المهام التي يدرسها له زملاؤه.
9. بعد أن يتم التعلم بعقد اختبار لجميع التلاميذ والذين يجيبون عن أسئلته بصورة فردية* وبعد تصحيح المعلم لهذا الاختبار* يزود التلاميذ بتغذية راجعة عن آرائهم على هذا الاختبار* ويقدر درجات كل مجموعة على حدة.
10. يمكن للمعلم أن يكافئ المجموعات الأكثر تفوقاً بالإضافة إلى التلاميذ الذين أسهموا بجهد ملحوظ أثناء التعلم.

طريقة البحث الجماعى

طوَّر هذه الطريقة شاران وشاران اعتماداً على نموذج ثيلين الذي افترضه للبحث الجماعي. وتتم هذه الطريقة من خلال ست مراحل أساسية حددها شاران وشاران كما يلى :
المرحلة الأولى : تحديد موضوع الاستقصاء* ويتم تحديد موضوع الاستقصاء من خلال ثلاث خطوات* هي :
1. يقدم المعلم لتلاميذه الموضوع أو المشكلة قيد البحث في صورة سؤال رئيس.
2. يقسم الموضوع الرئيس أو السؤال الرئيس إلى أسئلة فرعية.
3. يقسم التلاميذ إلى مجموعات متعاونة وتوزع الموضوعات الفرعية أو الأسئلة الفرعية على هذه المجموعات.
الـمرحلة الثـانية : تخـطيط الاسـتقصاء داخـل المـجموعات* يـصوغ أعضاء كـل مجموعة موضوعهم أو مشكلتهم في صيغة سؤال أوعدة أسئلة بحثية* ويخـططون معاً طـريقة البحـث المطـلوب للإجـابة عـن الـسؤال أو الأسـئلة. كـما يـقدم المـعلم فـي هـذه الخـطوة المـساعدة لمـن يحتـاجها* كما يـحدد دور كـل عضــو من أعضـاء المجـموعة* حيـث يقـوم أحـد الأعضـاء بـدور الرئـيس* أو المسجل* أو الناقد* أو المنسق* وهكذا. كما قد يزود المعلم تلاميذ كل مجموعة بأوراق عمل تحتوي على المشكلة موضع البحث* وأسئلة المشكلة* والمصادر التي يمكن الرجوع إليها... إلخ.
المـرحلة الثـالثة : تنـفيذ البـحث* يـتم فـي هـذه الـمرحلة تنفــيذ الاستـقصاء أو البـحث* حـيث تنـفذ كـل مجـموعة الخطة الموضوعة* والتي تم الاتفاق عليها سابقاً* ويجمع كل عضو من أعضاء المجموعة المعلومات اللازمة من مصادرها المختلفة* كما يحلل الأعضاء هذه المعلومات والبيانات التي حصلوا عليها ويتوصلون إلى استنتاجات بشأنها* كما يستخدمون هذه النتائج في حل المشكلة موضع البحث.
المرحلة الرابعة : إعداد التقرير أو المنهج النهائي* تمثل هذه الخطوة الناتج التراكمي لعمل كل مجموعة* والذي قد يكون على هيئة تقرير مكتوب* أو عرض عملي* أو أحد النماذج* أو شريط سمعي أو شريط فيديو* وفي هذه الخطوة يشكل أعضاء المجموعة من بينهم لجنة لتنسيق عملية عرض التقرير أو المنتج النهائي بعد عرضه على زملائهم في المجموعة.
المرحلة الخامسة : عرض التقرير النهائي* تعد كل مجموعة تقريرها النهائي* ثم تعرضه على جميع طلاب الفصل* حيث يضع التلاميذ أو المعلم مجموعة من المعايير للحكم على مدى جودة التقرير وعرضه.
المرحلة السادسة : التقويم* وتتم هذه المرحلة من خلال عدة طرق* منها :
1. يقـوم المعلم بتقويم عملية البحث التي قام بها التلاميذ في كل مجموعة (أي يقوم الخطة* والمصـــادر التي استخدمتها المجموعة* والاستنتاجات التي توصلوا إليها.. إلخ).
2. يمكن أن تقدم كل مجموعة سؤالين أو ثلاثة* وهذه الأسئلة تمثل الأساس الذي يمكن من خلاله تكوين اختبار نهائي لكل التلاميذ. وفي هذه الحالة تقوِّم كل مجموعة إجابات تلاميذ المجموعات الأخرى على الأسئلة التي صاغتها.
3. تقدم كل مجموعة عرضاً مختصراً لما تعلمته* ولكيفية تفاعل التلاميذ مع هذه العملية.

طريقة جونسون وجونسون (لنتعلم معا)

تعتـبر هـذه الطـريقة مـن الطـرق الفـعالة لاشتـراك التـلاميذ فـي عمـليتي التعلـيم والتعلـم* حـيث أوضـحت نـتائج البـحوث التـي أجـراها جـونسون وجـونسون (1994)* وجـونسون وجـونسون وسـميث (1991)* وجونسون وجونسون وهوليوبك أن تعاون التلاميذ في تخطيط وتنفيذ التعلم وتقويم الأداء يرفع من معدلات تحصيلهم الأكاديمي* ويزيد من اتجاهاتهم الإيجابية نحو المدرسة* ونحو المواد الدراسية* كما يزيد من دافعيتهم للتعلم* وينمي مهارات العمل الاجتماعي التعاوني.
مراحل تنفيذ هذه الطريقة :
تنفذ هذه الطريقة وفق المراحل الآتية :
أولاً : مرحلة التخطيط والإعداد :
تتضمن هذه المرحلة الخطوات الآتية :
1. تحديد الأهداف التعليمية : يصوغ المعلم الأهداف التعليمية المرجوة* سواء كانت معرفية أو وجدانية أو مهارية* مع إعطاء أهمية خاصة للمهارات الاجتماعية التعاونية.
2. تحديد حجم المجموعات : يتراوح عدد التلاميذ في كل مجموعة بين تلميذين (2) و6 تلاميذ* ولكن على المعلم المبتدئ أن يبدأ بمجموعات صغيرة العدد يتراوح عدد التلاميذ فيها من 2 إلى 3 فقط.
3. توزيع التلاميذ على المجموعات : يوزع المعلم التلاميذ على المجموعات بحيث تتألف كل مجموعة من تلاميذ مختلفي القدرات والاستعدادات* أي تكون المجموعات غير متجانسة بقدر الإمكان.
4. تحديد زمن عمل كل مجموعة معاً : من المفضل أن تعمل كل مجموعة لفترة زمنية معقولة* وقد تمتد هذه الفترة إلى فصل دراسي أو عام كامل.
5. ترتيب قاعة / غرفة الصف : يفضل أن يجلس أعضاء كل مجموعة في دائرة كي يحدث أكبر قدر من التفاعل.
6. إعداد المواد التعليمية : يعد المعلم المواد التعليمية بحيث تسمح للتلاميذ بالعمل التعاوني* ولتحفيز ذلك يقدم لهم أوراق عمل تحدد أدوارهم والمهام المنوطة بكل منهم* كما يعرض كل عضو في المجموعة ما أنجزه على زملائه لكي يحدث نوع من التكامل بين جهود أعضاء المجموعة الواحدة.
7. تحديد أدوار التلاميذ في كل مجموعة : يحدد المعلم أو أعضاء المجموعة أدواراً لكل منهم ؛ فقد يكون أحد الأعضاء رئيساً والآخر مسجلاً والثالث ملاحظاً والرابع فاحصاً...* وهكذا.
ثانياً : مرحلة شرح المهام وتنظيم التعاون :
تتكون هذه المرحلة أيضاً من عدة خطوات على النحو التالي :
1. شرح المهام الأكاديمية : في هذه الخطوة يحدد المعلم معلومات تلاميذه السابقة ويشرح لهم الأهداف المرجوة* كما يحدد أو يشرح لهم المفاهيم والمبادئ المتضمنة في الدرس.
2. شرح وتوضيح معايير النجاح : في هذه الخطوة يحدد المعلم لتلاميذه معايير النجاح سواء الخاصة بالمجموعات المتعاونة أو بالتلاميذ كأفراد* مع ملاحظة أن المعلم هنا لا يستخدم أساليب التقويم مرجعية المعيار* والتي يقارن فيها أداء التلميذ على الاختبار بأداء مجموعته التي ينتمي اليها* وإنما يستخدم أساليب التقويم محكية المرجع حيث يقارن أداء التلميذ بمستوى أداء محدد سلفاً.
3. بناء وتكوين الاعتماد الإيجابى المتبادل : يطلب المعلم من تلاميذ كل مجموعة تقديم عمل موحد أو تقرير موحد في نهاية التعلم* يعرضه المسؤول عن عرض التقارير في المجموعة*كما يوضح لهم أن الدرجات (العلامات) ستمنح لأعضاء الجماعة ككل* وبذلك يساعد التلاميذ بعضهم بعضاً لإنجاز المهام المطلوبة.
4. تحديد المسؤولية الفردية : إذا كان الهدف من العمل في مجموعات صغيرة متعاونة هو مساعدة كل عضو من أعضاء المجموعة على التعلم إلى أقصى درجة ممكنة* فإن تكامل بعض التلاميذ لن يحقق النتيجة المرجوة* لذا فإن المعلم بالإضافة إلى تقويمه لأداء المجموعة ككل* فإنه يقوِّم أداء كل فرد من أفراد المجموعة ويمنحه درجـة (علامة ) معينة* ومن ثم يتحمل كل فرد مسؤولية العمل التعاوني من ناحية ومسؤولية تعلمه من ناحية أخرى.
5. بناء التعاون بين المجموعات : إن التعاون المنشود لا يتوقف عند حد التعاون داخل المجموعة الواحدة بل يمتد ليشمل التعاون بين المجموعات* حيث يمكن لأية مجموعة انتهت من عملها أن يساعد أعضاؤها بقية المجموعات التي لم تنته من عملها بعد.
6. تعليم المهارات التعاونية : يعطي المعلم المهارات التعاونية في هذه الطريقة نفس الأهمية التي يعطيها لتعلم الجوانب المعرفية والوجدانية* هذه المهارات ما هي إلا مجموعة الأداءات التي تيسر للمتعلم التفاعل مع أعضاء مجموعته أثناء التعلم التعاوني.
هذه المهارات تصنف في أربعة مستويات متدرجة هي :
أ) مهارات التشكيل : تتضمن هذه المهارات العديد من المهارات الفرعية* مثل مهارات الانضمام للمجموعات بهدوء*البقاء مع المجموعة* التحدث بصوت هادئ* مساعدة الزملاء* اتباع التعليمات* وغيرها.
ب) مهارات العمل : مثل توضيح الأهـداف للزملاء* إرشاد وتوجيه الزملاء* تيسير عملية التواصل* إزالة التوتر* تقبل الآخرين وغيرها.
ج) مهارات الصياغة : مثل تلخيص الأفكار* تصويب أخطاء الزملاء* التوصل إلى إجماع الآراء* توضيح الفحوص أو الملبس..إلخ.
د) مهارات التعمق : مثل نقد الأفكار لا الأشخاص* إثراء وتعميق أفكار الزملاء* النظر إلى الأمور من وجهات نظر مختلفة... إلخ.
ثالثاً : مرحلة المراقبة والتدخل :
وتتم هذه المرحلة في عدد من الخطوات هي :
1. ملاحظة سلوك التلاميذ : يلاحظ المعلم ويراقب السلوك التعاوني لتلاميذه* وفي هذه الحالة يمكن استخدام بطاقات الملاحظة الخاصة بهذه المهارات.
2. تقديم المساعدة لأداء المهام : يساعد المعلم تلاميذه في إنجاز المهام الموكلة إليهم* وذلك عن طريق مراجعة الإرشادات أو إجراءات تنفيذ المهام معهم* أو يطرح عليهم أسئلة واستفسارات للإجابة عنها* أو يجيب عن أسئلة تلاميذه* أو قد يدرس ما لم يتعلمه التلاميذ من مهارات أكاديمية أو تعاونية.
3. التدخل لتعليم المهارات التعاونية : ليس من المتوقع أن تعمل كل المجموعات داخل الصف بنفس الكفاءة* ومن ثم يجب على المعلم التدخل لإعادة المجموعة أو أحد أعضائها إلى العمل مرة أخرى.فعلى سبيل المثال قد يعلو صوت إحدى المجموعات بصورة لافتة للنظر* فيتدخل المعلم لكى يخفضوا من أصواتهم* وقد يستأثر أحد أعضاء مجموعة ما بالعمل دون زملائه فيتدخل المعلم ليعيد توزيع المسؤوليات على أعضاء المجموعة...وهكذا.
4. خاتمة الدرس(الغلق) : هنا يمكن للمعلم أو أعضاء كل مجموعة أن يلخصوا ما تعلموه* أو يقدموا تقريراً عن المهام التي أنجزوها* أو يطرح المعلم عليهم أسئلة نقاشية عن الأفكار الأساسية التي تعلموها... وهكذا.
رابعاً : مرحلة التقويم :
تتضمن هذه المرحلة خطوتين هما :
أ) تقويم أداء التلاميذ ؛
ب) تقويم عمل المجموعات.
وبالنسبة لتقويم أداء التلاميذ* فقد يكون هذا التقويم قبلياً أو بنائياً أو ختامياً. وفي جميع الحالات لا يركز المعلم في تقويمه على الجوانب المعرفية وحدها* بل يهتم أيضاً بالجوانب الوجدانية والجوانب المهارية بأنواعها. كما يهتم المعلم بتزويد تلاميذه بتغذية راجعة تصحيحية حول درجة تعلمهم وتعاونهم. وكما سبق القول فإن هذا التقويم من النوع محكي المرجع وليس تقويماً معياري المرجع.
أما بالنسبة لتقويم عمل المجموعات* فإن أعضاء كل مجموعة يمكن أن يقوِّموا أداءهم أثناء العمل التعاوني* كما يقوّمون مدى جودة قيام المجموعة بوظائفها* وذلك لتحديد مواطن القوة والضعف في الأداء* ومن ثم العمل على تحسينها وتطويرها.

أدوار المعلم والطالب

أ) دور المعلم في دروس التعلم التعاوني :
فيما يلي شرح مختصر لأهم أدوار المعلم في أسلوب التعلم التعاوني :
أولاً : قبل الدرس :
1. إعداد بيئة التعلم.
2. إعداد وتجهيز الأدوات والخامات اللازمة.
3. تحديد الأهداف التعليمية.
4. تحديد حجم مجموعات العمل.
5. تحديد الأدوار لأفراد المجموعة.
6. ترتيب الفصل وتنظيم جلوس المجموعات.
7. تحديد وتوصيف العمل المطلوب.
8. تحديد السلوك الاجتماعي المطلوب التركيز عليه.
9. إعداد بطاقة ملاحظة أو أي أداة أخرى تمكن المعلم من مراقبة أداء التلاميذ.
10. تزويد التلاميذ بمشكلات أو مواقف.
11. مساعدة التلاميذ على تحديد المشكلة.
ثانياً : أثناء الدرس :
1. مراقبة المجموعات ومراقبة الحوار والمناقشة التي تدور بين أفراد كل مجموعة ومدى قيامهم بأدوارهم.
2. تجميع البيانات عن أداء التلاميذ في المجموعة.
3. إمداد التلاميذ بتغذية راجعة عن سلوكهم أثناء العمل.
4. متابعة سير تقدم أفراد المجموعة.
5. متابعة إسهامات الأفراد ضمن المجموعة.
6. حث التلاميذ على التقدم وفق خطوات محددة.
7. مساعدة التلاميذ على تغيير النشاطات وتنويعها وتقديمها.
ثالثاً : بعد الدرس :
بعد انتهاء المجموعة من العمل الذي كلفوا به تتاح لهم فرصة مناقشة سلوكهم وتفاعلهم مع بعضهم البعض ويكون لدرس التعلم التعاوني خاتمتان :
الأولى : تركز على أهداف المادة العلمية التي يدرسها التلاميذ.
الثانية : تركز على المهارات الاجتماعية التي تعلموها في الموقف* وفي النهاية يعلق المعلم بموضوعية ووضوح بعبارات محددة عما لاحظه على المجموعات في أثناء عملها* وما يقترحه في المستقبل* ويعرض تقييمه لأداء المجموعات.
ب) دور الطالب في التعلم التعاوني :
يقوم الطالب وفق نموذج التعلم التعاوني بدور نشيط وفعال ضمن ظروف اجتماعية مختلفة عن المواقف الروتينية التي تمارس في الظروف المدرسية الصفية العادية* إذ يقوم بمواقف فعالة ومتنوعة مثل :
1. مشاركته للآخرين في الأفكار والمشاعر.
2. تعبيره عن الفكرة بوضوح وبفاعلية.
3. توجيه الآخرين نحو إنجاز المهام.
4. حل الخلافات بين الأفراد وما يحدث من سوء تفاهم.
5. تقديره للإسهام مع الآخرين في العمل والتخلي عن الأنانية والتحيز.
6. تنشيطه للخبرات السابقة وربطها بالخبرات الجديدة.
7. جمعه البيانات والمعلومات وتنظيمها.
8. ممارسته الاستقصاء الذهني الضروري.
ولذا عند تقسيم الطلاب إلى مجموعات يكون لكل دارس في المجموعة دور محدد. ومن هذه الأدوار ما يلي :
أ) القائـد : ينظم أعمال المجموعة.
ب) الميـسر : تيسير أعمال المجموعة.
ج) المشجع : يقدم الدعم والتشجيع للأعضاء.
د) المسجل : يسجل البيانات التي توصلت إليها المجموعة.
هـ) النـاقد : يظهر جوانب القصور والقوة في أداء زميله* وأحياناً يقترح بعض التعديلات المناسبة.

تقويم التعلم التعاوني

إن تقويم التعلم التعاوني يتطلب إجراءات متنوعة على الرغم من الأساليب التقدمية الحديثة* فمن المحتمل أن تستمر المدارس في قياس وتقويم بعض مخرجات العملية التعليمية* كما أنه من الضروري أن يشارك الطلاب في تقييم أنفسهم بأنفسهم وتقييم إنتاجهم التعليمي ومهاراتهم الفردية* فالتقييم الذاتي وتقويم المدرب جزء من أعمال الدرس في الفصول التعاونية* والمدرسة تقدم دورات تدريبية وتأهيلية للمدرسين الذين يواجهون مشاكل ترتبط بتنظيم الفصل وطريقة تعليمه.
إن التعليم يأخذ الطلاب إلى آفاق جديدة تفوق كثيراً ما كان يفعله التعليم الفردي* فالتلاميذ والمدرسون تختلف أدوارهم* وكل يتفاعل بإيجابية مع محتوى المادة العلمية.
وفيما يلي حديث تفصيلي عن مزايا التعلم التعاوني وسلبياته.

المميزات

1. تنمو المهارات الاجتماعية للتلاميذ من خلال التفاعل بين أفراد المجموعة* مثل مهارات التواصل والاستماع* حل الخلافات* قبول الرأى الآخر... إلخ.
2. يرتفع مستوى تقدير الذات لدى التلاميذ* ومن ثم يمكن أن يعبروا عن أفكارهم وآرائهم* ويتلقون تغذية راجعة من زملائهم.
3. ترتفع ثقة التلميذ بنفسه عندما يجد أن أعضاء مجموعته لهم نفس الاهتمامات.
4. يعزز التعلم التعاونى تعلم الأقران ؛ فوجود التلاميذ معاً في مجموعات يزيد من ديناميكية الجماعة بصورة مقصودة* ويقلل من اعتماد التلاميذ على شرح المعلم.
5. يتعود التلاميذ على تحمل المسؤولية المتعلقة بتعلمهم وتعلم أقرانهم.
6. يتعود التلاميذ على النظام واتباع التوجيهات والإرشادات سواء الصادرة من المعلم أو الزملاء.
7. تنتقل مسؤولية التعلم من المعلم إلى التلميذ* ومن ثم تقل سيطرة المعلم على التلاميذ.

السلبيات

1. عدم توافر مواد المنهج المناسبة للتعلم في مجموعات صغيرة* فكثير من المناهج الدراسية مصممة لتعليم الإعداد الكبيرة أو للتعليم الإفرادي.
2. عدم إكمال التلاميذ للعمل الموكل إليهم* وهو ما قد يحدث في بعض الأحيان إما لعدم توفر الوقت الكافي* أو أن المعلم لم يتدخل في الوقت المناسب لمساعدة التلاميذ.
3. الشك في قيمة تحديد أدوار معينة للتلاميذ* ذلك أن هذه الأدوار كثيراً ما تكون ظاهرية* أو أن بعض التلاميذ لا يلتزمون بالأدوار المحددة لهم.
4. سلبية بعض التلاميذ* فبعض التلاميذ لا يشتركون في العمل بالقدر المطلوب.
5. محاولة بعض التلاميذ مضايقة زملائهم وخاصة رؤساء المجموعات* وذلك بعيداً عن رقابة المعلم.
6. محاولة بعض أعضاء المجموعات النيل من عمل المجموعات الأخرى.


الفصل الخامس
التدريس التبادلي


مفهومه

يقصــد بالتدريس التبادلي Reciprocal Teaching نشاط تعليمي يأخــذ شكل حوار بين المعلمين والطـــلاب فيما يخص نصاً قرائياً معيناً. وفي هذا النشاط يلعب كل منهم (المعلمون والطلاب) دوره على افتراض قيادة المعلم للمناقشة.
وقد يختلط هذا المفهوم باستراتيجية التدريس عن طريق طرح الأسئلة* وهي الاستراتيجية التقليدية في الأدبيات التربوية. والخلاف بين المفهومين أو الاستراتيجيتين كبير. صحيح أن المعلم يقود زمام المناقشة في التدريس التبادلي* لكن هذه الاستراتيجية تفسح المجال للطالب لأن يقود النقاش الجماعي والحوار مع زملائه كفريق من أجل إثراء النص ذاته عند مستوى معرفي معين يتناسب مع إدراك الطلاب. إن تبادل الأفكار بين المعلم والطلاب* وبين الطالب قائد المجموعة وبين المجموعة* ثم بين أفراد المجموعة بعضهم وبعض هومحور التدريس التبادلي.

استراتيجيات التدريس التبادلي

التدريس التبادلي يأخذ شكل استراتيجيـات يوظفها المعلم في شكل متتال تسلم كل منها للأخرى. وتكاد تجمع الأدبيات التربوية في هذا المجال على أن هذه الاستراتيجيات أربع* هي : التلخيص / توليد الأسئلة / الاستيضاح / التنبؤ. وإن كان البعض يضيف إليها استراتيجية خامسة هي القراءة* ويضيف آخرون استراتيجية التمثيل أو تكوين رؤيا Visualization. وفيما يلي عرض لكل منها :
ــ التلخيص Summarizing : ويقصد به قيام الطالب بإعادة صياغة ما درسه موجزاً إياه وبلغته الخاصة. وهذا يدربه على تمثل المادة وتكثيفها* والتمكن من اختيار أهم ما ورد بها من أفكار* وتحقيق التكامل بينها وبين ما سبق من أفكار. وقد يبدأ الطلاب بتلخيص جملة طويلة في كلمة مثلاً أو كلمتين* ثم تلخيص فقرة تتدرج في الطول ثم تلخيص النص كله. وأخيراً* فإن التلخيص يساعد على تجميع الأفكار السابقة وتذكرها تمهيداً لاستقبال أفكار أخرى جديدة في فقرات أو نصوص قادمة.
ــ توليد الأسئلة Generating Questions : ويقصد به قيام الطالب بطرح عدد من الأسئلة التي يشتقها من النص المتلقى. ومن أجل ذلك يلزم الطلاب أن يحددوا أولاً نوع المعلومات التي يودون الحصول عليها من النص حتى تطرح الأسئلة حولها. مما يعني تنمية قدراتهم على التمييز بين ما هو أساسي يسأل عنه وما هو ثانوي لا يؤثر كثيراً في تلقي النص. وطرح الأسئلة ليس مسألة سهلة. إن طرح سؤال جيد يعني فهماً جيداً للمادة ؛ تمثلاً لها وقدرة على استثارة الآخرين للإجابة. وجدير بالذكر أن الطلاب عندما يصوغون أسئلتهم يتولون بأنفسهم مراجعتها والتاكد من قدرتها على جمع المعلومات المطلوبة سواء من حيث أفكارها أو عددها أو صياغتها. وتدعم هذه الخطـوة سابقتها التلخيص. وتأخذ بيد الطالب خطوة للأمام نحو فهم النص. وتوليد الأسئلة هنا عملية مرنة ترتبط بالهدف الذي يتوخاه المعلم أو المنهج والمهارات المطلوب تنميتها. القراءة مثلاً لها مستويات كثيرة. هناك ما يسمى بقراءة السطور* وهناك قراءة ما بين السطور* وهناك قراءة ما وراء السطور. هناك مراحل في القراءة تبدأ بالتعرف ثم الفهم ثم النقد ثم التفاعل والتطبيق... وهكذا. ويمكن للمعلم أن يكلف الطالب بتوليد أسئلة تتناسب مع كل مستوى أو مرحلة مما سبق. ومن معايير التوليد الجيد للأسئلة أن تستثير الطلاب للإجابة وأن تساعدهم على توليد أسئلة جديدة. السؤال الجيد يستثير سؤالاً جيداً آخر. ومن المعايير كذلك أن تساعد الأسئلة على الأداء الجماعي وليس فقط الإجابة الفردية من طالب معين. ولقد تستلزم الإجابة على الأسئلة الجيدة مراجعة قراءة النص للبحث عن الإجابة المناسبة. وهذا أيضاً من معايير جودتها.
ــ الاستيضاح : Clarification : ويقصد به تلك العملية التي يستجلي بها الطلاب أفكاراً معينة من النص أو قضايا معينة أو توضيح كلمات صعبة أو مفاهيم مجردة يصعب إدراكها من الطلاب. وفي هذه العملية يحاول الطلاب الوقوف على أسباب صعوبة فهم النص. وبلغة اصطلاحية يحاولون تحديد أسباب تدني انقرائية النص. كأن تكون به كلمات صعبة أو جديدة* أو مفاهيم مجردة كما قلنا أو معادلات* أو معلومات ناقصة... وغيرها. ومثل هذه الأسباب تدفع الطلاب بالطبع لمزيد من القراءة والانطلاق فيها أو التوقف لطرح أسئلة جديدة يستوضح بها الطلاب قضايا أخرى. وتفيد عملية الاستيضاح هذه الطلاب ذوي الصعوبات في تعلم اللغة أو فهم نصوصها. ومستويات القراءة ــ كما سبق القول ــ متعددة وتندرج من قراءة السطور إلى ما بين السطور إلى ما وراءها. ويتفاوت الطلاب بالطبع في مسألة التعامل مع النص والمستوى الذي يصلون إليه. وعملية الاستيضاح تساعد بلاشك هذا الصنف من الطلاب ممن لايتجاوز قراءة السطور أو مجرد فك الخط كما نقول.
ــ التنبؤ : Predicting : يقصد به تخمين تربوي يعبر به الطالب عن توقعاته لما يقوله المؤلف من خلال النص. إنه جسر بين ما يعرفه الطالب الآن من النص وما لايعرفه منه. وتتطلب هذه الاستراتيجية من الطالب أن يطرح فروضاً معينة حول ما يمكن أن يقوله المؤلف في النص كلما خطى في قراءته خطوات معينة. وتعد هذه الفروض بعد ذلك بمثابة هدف يسعى الطالب لتحقيقه* سواء بتأكيد الفروض أو رفضها.. ويعد التنبؤ أيضاً استراتيجية تساعد الطالب على فهم بنية اللغة وما تحمله من دلالات* فقراءة عنوان النص والعناوين الرئيسة والفرعية والإحالات والإشارات وغيرها... كل هذا يمكن أن يعــدّ مؤشرات يستطيع الطالب من خلال فهمها توقع ما يرد في النص. وتكمن مهارة الطلاب في هذه العملية في استرجاع ما لديهم من معلومات سابقة بالنص وربطها بما يجد أمامهم من معلومات جيدة في هذا النص* وكذلك في قدرتهم على التقويم الناقد لأفكار المؤلف* فضلاً عن استثارة خيالهم.

أسسه ومنطلقاته

التدريس التبادلي استراتيجية تستند إلى مجموعة من الأسس والمنطلقات كما يلي :
1. تدعيم جهود الطلاب بعضها لبعض.
2. مواصلة دعم المعلم ( أو الخبير ) للطلاب بمجرد البدء في أداء المهام
3. تضاؤل دعم المعلم أو الخبير للطلاب كلما قطعوا شوطاً في التعلم. إن الأدبيات التربوية في هذا المجال تشبه جهود المعلم بالسقالة التي يستخدمها البناؤون في عملية البناء والتي يتخلصون منها بالتدريج كلما أكملوا شيئاً في البناء.
4. تتعدد مجالات استخدامه سواء زاد عدد الطلاب أو قلوا. ولقد استخدم التدريس التبادلي في الحالات الآتية :
* التدريس للمجموعة كاملة ؛
* التدريس لمجموعات صغيرة ؛
* التدريس لطالب طالب ؛
* التدريس لمجموعات صغيرة يقودها الرفاق.
5. تستخدم كل استراتيجية من الاستراتيجيات الأربع التي يشتمل عليها التدريس التبادلي في تمكين الطالب من بناء المعنى من النص الذي أمامه ومعالجة النص القرائي بالشكل الذي يضمن له حسن فهمه. وجدير بالذكر أن هذه الاستراتيجيات الأربع لا تلزم ترتيباً واحداً يتقيد به المعلم.
6. يفيد التدريس التبادلي بشكل كبير الأنواع الآتية من الطلاب :
* الطالب الذي يتلقى النص جيداً لكنه بطيء في فهم ما فيه.
* الطالب بطيء الإدراك في تلقى النص ومن ثم في فهمه.
* الطالب الذي يتعلم لغة أجنبية.
* الطالب الذي لا يجيد القراءة لكنه يجيد الاستمــاع (بنمط تعلمه هو السماعي ear oriented) ؛ إذ يفهم النص من سماع مناقشة بين زملائه.
* الطالب العادي الذي يجيد المهارات اللغوية المختلفة* إذ يساعده هذا النوع من التدريس في فهم أعمق للنص.

خطوات التدريس

تمر عملية التدريس التبادلي بخطوات نجملها فيما يلي :
1. خلال المرحلة الأولى للاتصال بالنص يتولى المعلم مسؤولية تقديم سؤال بذكر العنوان ويطلب من الطلاب التنبؤ بما يمكن أن يكون تحت هذا العنوان من أفكار أو ما يمكن أن يعالجه الكاتب من قضايا.
2. يقوم أحد الطلاب بالتنبؤ من خلال عنوان النص. فإذا لم يستطع أحد ذلك قام المعلم بقراءة الجملة الأولى من النص سائلاً طالباً آخر أن يتنبأ بما فيه...
3. قد يتنبأ طالب آخر بشيء.. وعندها يكلف المعلم طالباً آخر أن يستوثق من تنبؤ زميله والتأكد من أن الأفكار التي طرحها موجودة في النص.
4. بعد ذلك يسلم المعلم زمام المناقشة لطالب آخر يثق في قدرته على إدارة الحوار. فيتولى الطالب طرح سؤال يطلب منه التنبؤ بما ورد في الفقرات التالية.
5. يقوم طالب آخر بتلخيص ما وصل إليه الطلاب* ثم تقوم المجموعة بالبحث عن إجابة سؤال كان قد طرحه طالب آخر... وهكذا...
6. يتبادل الطلاب والمعلم الأدوار. ويقرأ المعلم فقرة* يقوم طالب بالتنبؤ بالأفكار الأساسية والثانوية* يطرح طالب سؤالاً عن فكرة غامضة أو كلمة صعبة أو غيرذلك مستخدماً في ذلك استراتيجية الاستيضاح* يقوم آخر بتلخيص الفقرات... وهكذا حتى ينتهي النص.
7. يبدأ المعلم في الانسحاب من الموقف عندما يطمئن إلى قدرة الطالب على توظيف الاستراتيجيات الأربع* وأن النص في طريقه لأن يفهمه الطلاب جيداً.


الفصل السادس
تطبيقات في تعليم اللغة


مقدمة

استعرضنا في الفصول السابقة من هذا الباب خمس استراتيجيات تدريسية يمكن توظيفها بكفاءة في تعليم اللغة في ضوء المفهوم الاتصالي. وفيما يلي مجموعة من التطبيقات في مجال تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها* سواء على مستوى التخطيط له أو التنفيذ أو المتابعة والتقويم. وقد صنفت هذه التطبيقات تحت ستة محاور نعرضها فيما يلي :

أ) المتعلم إنسان

1. منطلقات التعليم الإفرادي :
1. إن جميع الأفراد لديهم قدرة على التعلم* لكن هذه القدرة تتفاوت من فرد لآخر.
2. هناك فروق فردية بين المتعلمين. فقد يختلف المتعلمون في نموهم التعلمي* وخلفياتهم المعرفية* والعلمية* وخبراتهم الشخصية* ومستوى تحصيلهم الأكاديمي* وأنماط تعلمهم* واتجاهاتهم وميولهم... إلخ. هذه الفروق الفردية تؤثر بالضرورة على تعلمهم.
3. يتعلم الأفـراد بشكل أفضل عندما يتلاءم التعليم المقدم لهم ــ بما فيه من مواقف تعليمية ــ مع كل من المادة التعليمية المقدمة والأنشطة التي يقوم بها المتعلمون* ومع اهتماماتهم وميولهم وقدراتهم... إلخ.
4. إن كــل فــرد يمــكـنه أن يـعـتمد عـلـى نفــسه فــي التـعـلم* إذا أعــطي الفـرصة المنــاسبة لاتـخاذ قـرارات ترتبـط بمـا يجـب أن يتـعلمه وكيـف يتـعلمه.

2. المتعلم محور الاهتمام :
تحول الاهتمام من التعليم إلى التعلم* فلم يعد محور الاهتمام الآن جهد المعلم في الفصل قدر ما أصبح ما يسفر عنه هذا الجهد عند المتعلم نفسه. وصار المتعلم وما يتوافر لديه من معلومات وقيم واتجاهات ومهارات هو معيار العملية التعليمية الأساسي. ولقد كثرت البرامج التي تركز على الدور الإيجابي للمتعلم بعد أن كان سلبياً فيما مضى. وفي مجال تعليم اللغات الأجنبية تتعدد برامج تدريس الأقران Peer teaching والتدريس التشاركي participatory* وغير ذلك من برامج تؤكد على المتعلمين أفراداً وجماعات. لقد حلت النظرية البنائية Constructive في التعلم* والـتي تـؤكـد عـلى دور المتـعلم وإيجـابيـته وقـدرته عـلى أن يتـعلم بنفسه* وعلى قيمة صناعة المعنى meaning making.. حلت هذه النظرية محل النظرية السلوكية behavioristic التي كانت تؤكد على نمطية السلوك ووحدة الاتجاه تقريباً (مثير ــ استجابة) وعلى التكرار أساساً في تعلم اللغة.

3. بناء الشخصية :
قليلة هي طرق التدريس والاستراتيجيات التي تتعامل مع شخصية الطالب ككل* فتنمي لديه مع الجوانب المعرفية قيماً واتجاهات ومهارات تتعدى حدود التعلم بمفهومه الضيق* إلى التعلم للحياة. والاستراتيجيات السابقة هي من هذا النوع إلى حد كبير. فالتعلم التعاوني والتدريس التبادلي يعملان على تنمية مهارات القيادة عند الطلاب ؛ كيف يوجه مناقشة* كيف يقود جماعة* كيف ينظم مالديه من امكانات ويحسن استثمارها. ولقد يبدو للبعض أن هذا مما لا يحتل موقعاً كبيراً في برامج تعليم العربية لغير الناطقين بها* إلا أننا نرى عكس ذلك. فلئن صدق هذا الكلام في برامج تعليم العربية للكبار فهو لا يصدق في برامج تعليمها للصغار.
وتشهد البلاد الأفريقية والآسيوية المسلمة وكذلك الجاليات العربية الإسلامية تجارب لتعليم اللغة العربية للأطفال من غير الناطقين بها. والطفل سهل التشكيل والطفولة مرحلة بناء القيم والاتجاهات* ولا شــك أن تطبيق الاستراتيجيات السابقة سوف يسهم في بناء شخصياتهم* وتنمية القدرة على القيادة بينهم.

4. جمهور الاستراتيجيات :
تصلح استراتيجيات التدريس السابقة لجميع الدارسين في جميع المستويات بشكل عام* و لكن بعضها يكون أكثر فائدة لجمهور معين* ذي خصائص معينة أو في مستويات معينة. من ذلك مثلاً استراتيجية التدريس التبادلي* إذ تصلح بشكل أكبر مع الضعاف من الطلاب أو ذوي صعوبات في التعلم والمتأخرين دراسياً* ولا يستطيعون اللحاق بزملائهم في المستوى الذي يدرسون فيه (مبتدئ / متوسط / متقدم).

5. المتعلم شريك :
يتجلى هذا في استراتيجية التدريس التبادلي* ولقد سميت الطريقة بالتدريس التبادلي حيث تعتمد في أساسها على تبادل الأفكار ووجهات النظر بين الطلاب والمعلم وبين الطلاب بعضهم البعض. وتبادل الأفكار من أهم مصادر الإثراء الفكري. ولعل كلمة عباس محمود العقاد عن أسباب القراءة عنده تصلح هنا* يقول العقاد : >لست أهوى القراءة لأكتب... ولا أهوى القراءة لأزداد عمراً في تقدير الحساب. وإنما أهوى القراءة لأن عندي حياة واحدة في هذه الدنيا* وحياة واحدة لاتكفيني.. ولا تحرك كل ما في ضميري من بواعث الحركة...<* إلى أن يقول : >فكرتك أنت فكرة واحدة* شعورك أنت شعور واحد.. خيالك أنت خيال فرد إذا قصرته عليك.. ولكنك إذا لاقيت بفكرتك فكرة أخرى.. أو رقيت شعورك شعوراً آخر أو لاقيت بخيالك خيال غيرك فليس قصارى الأمر أن الفكرة تصبح فكرتين أو أن الشعور يصبح شعورين أو أن الخيال يصبح خيالين.. كلا* وإنما تصبح الفكرة بهذا التلاقي مئات الفكر في القوة والعمق والامتداد<. وحديث العقاد هذا يؤكد ضرورة إشراك الطلاب في التعليق على النص* في التنبؤ بما فيه* في استيضاح غوامضه.. فناتج عقلين بلاشك أفضل من ناتج عقل واحد وناتج ثلاثة أفضل من اثنين... إن الاستماع لأفكار الدارسين في برامج تعليم العربية لغير الناطقين بها خاصة في المستوى المتقدم يتيح الفرصة لتحقيق أكبر قدر من الثراء الفكري بينهم... كما يفتح المجال لإبداعات كثيره وغير مألوفة وتضيف أحياناً للنص ذاته.

6. الفروق الفردية :
مـن بيـن التـضمينات الأسـاسية لاسـتراتيجيات التـدريس السـابقة* التمـشي مـع إيقـاع الحـركة ومـعدل التقـدم ومسـتوى القـدرات التي يتمتع بها كل طالب* فضلاً عـن مراعاة أنـماط التعـلم وأساليبه بيـن الطلاب. إن هــناك* كـما ورد فـي الأدبيـات النفـسية والـتربوية* ثلاثة أساليب أو أنماط للتعلم يتوزع الطلاب بينها. فمنهم من هـو بصـري التعلم eye arieted ؛ أي يستوعب المادة أكثر كلما استقبلها ببصره. وهـناك سـمعي التـعلم ear oriented ؛ أي يسـتوعب الـمادة كلـما تلـقاها بأذنـه. وهنـاك النـمط الحـركي Kinetic ؛ أي يتعـلم بشـكل أفضل كلما قام بأداء حركي* كأن يمسك قلماً يضع به خطوطاً معينة* أو يلخص وهو يقرأ* أو يضع إشارات على الصفحة* أو غير ذلك.
وبالمثل* فـإن هناك قدرات مختلفة تتوزع بين الطلاب* ومستويات من الإيقاع متفاوتة. فهناك سريع الحركة وهناك بطيئها.. ثم هناك تفاوت في مستوى التقدم في التحصيل* فمن الطلاب من يبطئ في استيعابه لكنه شديد التذكر لما يستوعبه* وهناك سريع الاستيعاب ومن ثم فهو* إلى حد كبير* سريع النسيان.... وهكذا. وتؤكد الاستراتيجيات التدريسية السابقة على أن الفرد هو محور الاهتمام. ومن ثم فإن على المعلم مراعاة هذا كله في مختلف جوانب العملية التعليمية* فيكيف من إيقاع تدريسه بما يتناسب مع إيقاعات الطلاب. ويقدر ما لدى كل واحد منهم من ضعف* مشجعاً ما لديه من قوة...

ب) علم النفس الحديث

1. علم النفس اللغوي :
لم يعد مقبولاً الآن ونحن نعالج قضايا تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها أن نقتصر على ما يسفر عنه البحث العلمي في مجال المناهج وطرق التدريس أو حتى في مجال الدراسات اللغوية* متجاهلين مجال الدراسات النفسية. ولئن كنا قديماً نستضيء بأبحاث علم النفس اللغوي أو علم اللغة النفسي* على ما بينهما من فروق دقيقة* فإننا اليوم أحوج إلى متابعة حركة البحث العلمي في هــذا المجـال. ومنــذ أكثر من ربع قرن من الزمــان ألفت الخبيرة العالمية في تعليم اللغات الأجنبية ويلجا ريفرز Wilga Rivers, The Psychology and Foreign Language Teaching علــم النفس وتعليم اللغة الأجنبية. ولفتت الأنظار إلى ضرورة الاهتمام بالدراسات النفسية وتطبيق نتائجها في مجال تعليم اللغات الأجنبية. ولقد أثار هذا الكتاب ما أثار* وتوالت بعده دراسات في علم النفس اللغوي وتطبيقاته في تعليم اللغات الأجنبية مما يعد مؤشراً لاتجاهات حديثة في تعليم هذه اللغات* ومازال ميدان تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها بمنأى عن هذا كله إلى حد كبير !

2. علم النفس المعرفي :
ينبغي متابعة المستجدات في مجال علم النفس المعرفي Cognitive Psychology* والتفكير في التطبيقات المناسبة لنتائج البحث العلمي في هذا المجال* والعمل على مواكبة أساليب تعليم اللغة العربية للاتجاهات الجديدة في علم النفس بشكل عام وفي الدراسات المعرفية وأنماط التعلم بشكل خاص.

3. البعد الوجداني :
لا يقل البعد الوجداني affective domain أهمية عن البعدين* المعرفي والنفسي* الحركي أو المهاري. بل يزداد خطـورة في بعض الأحيان حين يهمل التربويون قدره أو يقللون من شأنه. إن الاستراتيجيات السابقة تركز على فردية المتعلم بما تتسع له هذه الكلمة من معان وبما تشتمل عليه من مهام. وعلى رأس هذه المهام مراعاة الميول والاهتمامات عند الدارسين. وتجمع الاستراتيجيات السابقة على ضرورة مراعاة هذه الميول والاهتمامات سواء عند اختيار المادة التعليمية أو عند اختيار الأساليب التدريسية أو عند التكليفات والمهام أو غيرها. ولعل هذا يستلزم ما يلي :
1. بذل مزيد من الاهتمام للاتجاهات والقيم والميول والدوافع وسمات الشخصية وغيرها من جوانب وجدانية تعد مقوماً أساسياً من مقومات نجاح أي برنامج لتعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها.
2. الاهتمام بتحديد أساليب التعلم بين الدارسين وطرق معالجة المعلومات عندهم وتصميم البرامج التي تراعي هذه الأساليب والطرق حتى تضمن تعلماً أسرع وأكفأ للغة العربية.
3. إجراء مزيد من الدراسات حول البعد الوجداني في تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها في محاولة لصياغات إجرائيه للأهداف الوجدانية لتعليم العربية* وكذلك أساليب تحقيقها وطرق قياسها. إن الجانب الوجداني ظل ومازال إلى حد كبير* مفتقراً إلى المعالجة في برامج تعليم العربية لغير الناطقين بها. ولعل من أسباب ذلك صعوبة التحديد الإجرائي لمفاهيمه قياساً لما يحظـى به الجانبان الآخران : المعرفي والمهاري.

4. الاختبارات والمقاييس :
ضرورة تدريب العاملين بمراكز تعليم اللغة العربية على استخدام الأدوات والاختبارات والمقاييس التي تساعد على التحديد الدقيق للحاجات اللغوية عند الدارسين* وأنماط التعلم السائدة بينهم* واستعداداتهم لتعلم اللغات الأجنبية* وتوقعاتهم منها* وغير ذلك من جوانب تعد مؤشرات لازمة تصمم في ضوئها برامج تعليم اللغة بمختلف عناصرها* أهدافاً* ومحتوى* وطرق تدريس وتقويم. وهذا لا يتحقق* بالطبع* إلا إذا توافرت هذه الأدوات والاختبارات والمقاييس. وهذا أيضاً يستلزم من مراكز ومعاهد تعليم اللغة العربية أو كليات إعداد معلميها وخبرائها ما يلي :
أ) الحصول على نسخ من هذه الأدوات الأجنبية المقننة وتوفيرها في مراكز تعليم اللغة العربية. فقد يكون من بين الدارسين في المستوى المبتدئ خاصة من تصلح معه هذه الأدوات.
ب) مراجعة المحتوى الثقافي لهذه الأدوات الأجنبية قبل تبنيها* خاصة في البلاد العربية والإسلامية* وإجراء التعديلات اللازمة لها بما يجعلها مناسبة لثقافتنا العربية الإسلامية أو على الأقل لا تتعارض معها.
ج) البدء في إعداد مجموعة متنوعة من هذه الأدوات والاختبارات والمقاييس خاصة لبرامج تعليم العربية لغير الناطقين بهـا* وتشجيع مراكز البحث العلمي على تقنينها حتى تساعد على تطوير الأداء في هذه البرامج* ذلك أن الافتقار لهذه المقاييس والاختبارات يمثل أحد الأسباب الرئيسة المعوقة للتطوير المستمر.
5. تطوير أساليب التدريس :
الوقوف على المستجدات في مجال تدريس اللغات الأجنبية من حيث استراتيجيات التدريس ومداخله* مما يعتمد أساساً على الجوانب الوجدانية في تعلـيم هـذه اللـغات مـثل الطريقة الإيحائية Suggestopaedia* والمدخل الإنساني Humanistic approach* وطريقة الاستجابة الحركية الكلية Total Physical* والمدخل التفاعلي Interactive* وغيرها من الاستراتيجيات والمداخل* والعمل على ترجمتها في برامج تعليم العربية لغير الناطقين بها.

ج) أساليب التعليم والتعلم

1. مفهوم التعليم :
قد يتبادر إلى الذهن أن مصطلح "التعليم" له معنى واحد. بينما هو في واقع الأمر له معنيان يختلف كل منها عن الآخر حسب السياق. ولننظر معاً في الجملتين الآتيتين :
ــ علّم المدرس قواعد النحو العربي للطالب.
ــ علّم المدرس الطالب قواعد النحو العربي.
ليست الجملتان متماثلتان وإن بدتا كذلك. ففي الأولى علّم المدرس قواعد النحو لطالب معين* وليس بالضرورة أن يكون الطالب تعلّمها. بينما في الثانية علّم المدرس الطالب القواعد مما يعني أن الطالب قد تعلم القواعد بالفعل.
وماذا يعني ذلك ؟ يعني أن ما نتخيل أننا علمناه للطالب قد لايكون هو ما تعلّمه الطالب. ذلك أن هناك متغيرات كثيرة تتوسط بين الطالب وخبرة التعلم. وقد يتعلم الطالب القواعد من مصادر أخرى* وقد يرد بخبرات تربوية تزيد عما أراد المعلم علماً وخبرة. مما يفرض علينا ونحن نعلّم طلابنا اللغة العربية أن نوفر كافة المتغيرات البيئية التي تساعدهم على التعلم دون أن نعول كثيراً على ما يجري عن عمد في حجرة الدراسة.

2. التدريس كعملية :
التدريس ليس مجرد ناتج Product بقدر ما هو أيضاً عمليات Process* وقد يتعلم الدارس من العمليات أكثر مما يجني من النتائج. إن الاستراتيجيات الأربــــع في طريقة التدريس التبادلي مثلاً (التلخيص / توليد الأسئلة / الاستيضاح / التنبؤ) يجني الدارس من وراء كل منها شيئاً سواء كانت معلومة أو مهارة لغوية أو ثقافة أو قيمة واتجاهاً... أو غير ذلك كله. مما يجعل معلمي اللغة العربية للدارسين في أي مستوى يولون العمليات التعليمية أهمية خاصة دون أن يكون الناتج النهائي هدفهم. ليست العبرة في نهاية المطاف بحفظ عدد من الكلمات أو أداء مهارة لغوية معينة أو التقاط أفكار معينة... ليس هذا هو التعليم وليست هذه اللغة.

3. التعلم بالمجموعات :
التعلم بالمجموعات فلسفة تتبناها كل من استراتيجيتي التعلم التعاوني والتدريس التبادلي. ويرى في كل منها أن يترواح عدد أفراد المجموعة الواحدة ما بين أربعة وستة أفراد. ويفضل ألا يكونوا متجانسين* ولذلك أيضاً فلسفة. وتمكن هذه الفلسفة في أن الاختلاف* وليس التجانس* من شأنه إثراء خبرة التعلم والمساعدة في بناء شخصية الطلاب أيضاً. فالضعيف منهم يقتدي بالقوي* وتستثيره المنافسة فيبذل جهوداً أخرى* والعارف منهم يزود غير العارف بمالديه.. وهكذا.. وفي فصول تعليم العربية لغير الناطقين بها* تجد ترجمة لذلك. ولقد مررنا بهذه الخبرة عند دراستنا في جامعة مينسوتا بأمريكا* حيث كان توزيع المجموعات بيننا ينطلق من الاختلاف وليس التشابه. فهذا طالب من مصر* وذلك من فرنسا* وهذه طالبة من ألمانيا* وأخرى من سويسرا* وثالثة من كولومبيا بأمريكا الجنوبية* ورابع من أسبانيا... وهكذا. كما تعددت مستوياتنا التعليمية* فهذا درس مقررات سابقة وآخر لم يدرس* وهذا يتقدم في تحصيله وآخر متوسط* وهكذا. ولقد ساعد ذلك بكل تأكيد على صقل شخصياتنا وعلى تنمية مهاراتنا اللغوية والاجتماعية.

4. روح الفريق :
التدريس التبادلي والتعلم التعاوني من الاستراتيجيات التي تنمي لدى الدارسين روح الفريق. ومن شأن ذلك تنمية وتعميق المهارات اللغوية بين الدارسين* وإثراء أفكارهم بعضهم بعضاً* ومعالجة أشكال القصور بين الضعاف منهم حيث تنشأ منافسة محمودة بينهم* فضلاً عن تنمية الإحساس بالآخـرين وروح المشاركة وتقدير كل منهم للآخرين ودعم العلاقات الاجتماعية بينهم.
إن الدارسين في برامج تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها يأتون عادة من مجتمعات مختلفة* ويمثلون جنسيات متفاوتة* وينطقون لغات متعددة* وينتسبون لعرقيات متبانية ethnic groups* وكل هذا التفاوت تذوب آثاره السلبية في مثل الاستراتيجيات التدريسية السابقة.

5. المنحى التكاملي :
تفرض علينا الاستراتيجيات السابقة غلبة النظرة التكاملية في تعليم المهارات الإنسانية في مختلف المجالات. لقد سادت حتى وقت قريب نظرية التحليل الدقيق للمهارات* والتجزئة لما يقدم فيها من برامج التدريب ومناهج التعليم* وذلك منذ قدم سمبسون وزملاؤه تصورهم للمجال النفسي الحركي Psychomotor domain واختلف الموقف الآن. وأصبحت النظرية التكاملية integrative والتحليل الكلي macro في مقابل النظرية التجزيئية والتحليل التفصيلي analysis micro-. وصار من مكونات عملية تعلم اللغات ما يسمى بتحليل الخطاب discourse analysis* وتحليل الأعراف والتقاليد الثقافية والاجتماعية socio - cultural* وغيرهـا من أشكال التحليل الكلي للظواهر. وكان لابـد أن ينعكس هذا على تعليم اللغات الأجنبية بشكل عام وتعليمها لأغراض خاصة بشكل خاص.

6. التدريس بالحوار :
التدريس بالحوار من أهم ما يستفاد من استراتيجية التدريس التبادلي. فالحوارات ليست مجرد ممارسة لموقف اتصالي بين فردين* وإنما هي في ذاتها استراتيجية تدريسية تتعدى قيمتها مجر د توصيل الأفكار إلى تنميتها وإلى اكتساب قيم كثيرة مصاحبة للحوار ذاته. فيصبح علينا عند إعداد المواد التعليمية أن يحتل الحوار مكانة خاصة فيها* وكذلك عند إعداد التدريبات اللغوية يصبح للحوار دور كبير.

7. الجزئية والكلية في اللغة :
تميز الأدبيات في مجــال تعليم اللغات الأجنبية بين مفهومين هما : التعلم الجزئي للغة micro language learning والاستعمال الكلي لها Macro language use ويقصد بالمفهوم الأول إلمام الطالب بمجموعة من المفردات والتراكيب والقواعد اللغوية* نحواً وصرفاً وإملاءً وبلاغة* وبعض النصوص الأدبية... وغير ذلك من جزئيات متناثرة لا تكّون في مجموعها لغة للاستعمال* وإن كانت أساساً للاستعمال اللغوي نفسه. ذلك أن الجزئيات المتناثرة تعد رصيداً لغوياً خاملاً وليست فاعلاً نشطاً. أما الاستعمال الكلي للغة فيقصد به التوظيف المناسب لمكونات هذا الرصيد واستعماله في مواقف اتصال تتكامل فيه عناصر اللغة وتتفاعل بشكل يجعل منها منظومة واحدة* أو قطعة موسيقية متكاملة* وليست أصواتاً تنتجها آلات متفرقة. والتحدي الذي يواجه تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها في ضوء الاستراتيجيات التدريسية السابقة هو : كيف نّحول تعليم اللغة من مجرد جزئيات متناثرة ووحدات منفصلة إلى كل متكامل يتم توظيفه في مواقف اتصال حقيقية أو شبه حقيقية ؟ كيف نحقق التوازن بين متطلبات استراتيجية التعليم الإفرادي والتي تنص على تفريد التعليم وخصوصيته وبين مواقف الاتصال التي تحتم المشاركة بينه وبين غيره ؟ هل ثمة صعوبة في توفير فرص الاتصال الحقيقي باللغة عندما نستخدم التعلم الذاتي ؟. إن المفهوم الأول ؛ أي التعلم الجزئي للغة يمكن تحقيقه مع أي طريقة من طرق التدريس أو استراتيجية من استراتيجياتها* ولكن المفهوم الثاني أي الاستعمال الكلي للغة هـو الذي يتطلب خطة وبرنامجاً يتعدى بكل تاكيد حدود الكتاب المقرر أو المادة اللغوية المتناثرة. ويستلزم تطبيق أساليب مبتكرة من النشاط داخل الفصل وخارجه وتوظيف إمكانات البيئة المحيطة بما فيها من ناطقين بالعربية* أو مصادر مختلفة للثقافة العربية الإسلامية.

8. التلقي والإبداع :
سجلت الأدبيات التربوية الأدبية نظريات كثيرة تفسر ظاهرة التلقي. وليس هنا مجال الإسهاب فيها* ولكننا نقف أمام نظرية من أحدث نظريات التلقي ومؤداها أن القارئ هو الذي يصنع المعنى. فالنص في ذاته لا يحمل أكثر من كلمات وجمل يستقبلها كل منا فيخلع عليها من المعاني ما يروق له أو يتناسب معه* أو يقدر على استيعابه* أو يتماشى مع خلفية سابقة. على أية حال ترى هذه النظرية أن للنص لغة واحدة ولكن له معاني عدة تزيد بزيادة متلقيه.
واستراتيجية التدريس التبادلي تستوحي هذه النظرية. وترى أن الطلاب وهم يتعلمون يريدون حواراً مع بعضهم البعض فيخرجون من الحوار بمعان جديدة وأفكار مبتكرة* بل قد يخرجون من الألفاظ بدلالات تتخطى حدود ما تحمله أو ما تصّور الكاتب أنها تحمله. ومن أهم ما تتوخى هذه الطريقة تنميته من مهارات عند الطالب* قدرته على بناء المعنى من النص أكثر من مجرد تلقيه. إن تلقي النص استماعاً أو كلاماً* لم يعد مجرد مهارة سلبية استقبالية* ولكنه مهارة إيجابية إنتاجية..وفي فصول تعليم العربية لغير الناطقين بها تتجلى قيمة هذه الاستراتيجية* حيث تتعدد خبرات الدارسين وتتفاوت خلفياتهم المعرفية وأطرهم الثقافية* ومن ثم يعكسون على النص هذا كله* فتتعدد التأويلات والرؤى* ويصير النص القرائي قابلاً لأن يعبر عن كل هذه الثقافات.

9. مهارات الدراسة :
مهارات القراءة للدرس من أهم ما تعتني به استراتيجيات التدريس السابقة. فالتلخيص وصياغة السؤال وطرحه ومهارة الإجابة عنه* وآليات الاستيضاح والتمييز بين الأفكار الرئيسية والثانوية والتنبؤ بالمعنى* وغيرها من مهارات* هذا كله مما تحرص عليه استراتيجية التدريس التبادلي وتنميته عند الطالب. ومهارات القراءة للدرس أو مهارات الدراسة* مما لا يستغني عنه طالب. بل إن الافتقار إلى اكتسابها من شأنه حرمان الطالب من كثير من أوجه الخير في العملية التعليمية.

10. صياغة السؤال وطرحه :
يعد توليد الأسئلة إحدى الاستراتيجيات الفرعية لاستراتيجية التدريس التبادلي. والسؤال كما تدل الملاحظة وتثبت الأدبيات فن له استراتيجيات يمكن تعّلمها. وهناك بعدان للسؤال : صياغته وطرحه. وكلاهما يشتمل على مهارات يتفاوت مدى تعقيدها. إن صياغة السؤال فن بحد ذاته وليس أي سؤال يطرحه المعلم بقادر على أن يحقق هدفه. وتتفاوت صعوبة الصياغة بتفاوت متغيرات كثيرة منها مستوى الــــدارسين (مبتدئ / متوسط / متقدم)* وأعمارهم (أطفال / كبار)* ونوع المادة العلمية (أدبية / علمية)* ونوع الأسئلة (مقالية / موضوعية)* وغير ذلك من متغيرات. كما أن طرح السؤال نفسه له مهارات ينبغي اكتسابها* وهذا كله من بين ما تهتم به استراتيجية التدريس التبادلي.

د) التقويم

1. تنوع أساليب التقويم :
ينبغي أن تتنوع أساليب التقويم* فلم تعد المدارس والمعاهد والجماعات أسيرة للاختبارات التحصيلية أو الأشكال التقليدية التي يقاس بها مــــدى تقدم الطالب. صار هناك اهتمام بالتقويم الذاتي assessment - Self* وتقدير الحاجات needs-assessment والسجـل التقويمي portfolio* فضلاً عن شمول التقويم وتغطيته مختلف جوانب التقدم عند الفرد بما في ذلك قراءاته الخارجية* وميوله واهتماماته المتعددة* وثقافته العامة وغيرها.
ولهذا بالطبع مردوده في برامج تعليم اللغات الأجنبية* ووجد طريقه سهلاً. فتعددت الكتابات حول التقويم الذاتي والسجل التقويمي في هذا المجال.

2. الاستراتيجيات والتقويم :
تصلح بعض أساليب التقويم في بعض الاستراتيجيات بشكل أفضل. ففي استراتيجية التدريس التبادلي يصلح اختبار التتمة Close Test بشكل أفضل. إذ يتضمن النص مجموعة من الفراغات التي وردت بشكل منظم والتي يكّلف الطالب بتخمينها حتى تستقيم الجمل ويكتمل النص. وفي هذا الاختبار قياس لمدى قدرة الطالب على التنبؤ* وهي إحدى الاستراتيجيات الفرعية لاستراتيجية التدريس التبادلي.

3. تقويم الفرد بنفسه :

التقويم بشكل عام نوعان : إما تقويم أداء الطالب بالنسبة لنفسه أو تقويم أدائه بالنسبة لزملائه. وفي التعليم الإفرادي* أياً كانت نماذجه* يتم تقويم الطالب بالنسبة لنفسه* إذ ليس ثمة منافسة بين الطلاب إلا فيما يدعم التعاون بينهم. الأداء إذن يقوّم حسب ما يتحقق للطالب من تطور ونمو* وليس حسب ما يتحقق عند الآخرين من هذا التطور والنمو. والمنطلق الذي يستند إليه هذا الأسلوب من التقويم هو أن كل طالب لديه إمكانات للتعلم* وليس في الأسرة الإنسانية من هو عاجز عن ذلك* على حد قول ويلجا ريفرز : "There are no non-learners in the human family".

4. استمرارية التقويم :
التقويم عملية مستمرة. قد تبدأ قبل العملية التعليمية ذاتها* عند ما نتأكد من توفير عناصرها أولاً* وتشق طريقها في أثناء هذه العملية التعليمية ليصبح التقويم تكويناً بنائياً* ثم يختم هذه العملية ليصبح تقويماً ختامياً. وتلتقي الاستراتيجيات السابقـة على أهمية أمرين : استمرارية التقويم* وتدرجه. ففي استراتيجيات التدريس التبادلي مثلاً يقوم المعلــم بتقويم أداء الطلاب في كل استراتيجية فرعية (التنبؤ / توليد الأسئلة / التلخيص / الاستيضاح)* ثـم تقويمهم بشكل كلي إجمالي (جشتالتي)* وكذلك في الاستراتيجيات الأخرى كالتعلم التعاوني والتعلم الذاتي* يأخذ التقويم مجاله في كل خطوة تعليمية.
الجدير بالذكر هنا أن استراتيجية التدريس التبادلي تنظر إلى التقويم على أنـه عمـلية بنـائية تعليـمية وليـس مجـرد عملية تقديرية حكمية. فالتدرج في التقويم ــ وهو ما توصي به هذه الاستراتيجية ــ يساعد الطالب على تصحيح مساره كلما كان التقويم سلبياً أو الأداء دون المستوى.

هـ) المعلم

1. المعلم ميسّر :
التعلم الإفرادي والتعلم التعاوني والتدريس التبادلي تعتمد كما سبق القول على الطالب في تحصيله اللغوي والثقافي* والمعلم مجـرد ميسر Facilitator للعملية التعليمية* إنه كما قال المثل العربي : المعلم كالمسّن يشحذ ولا يقطع. ولكن هل معنى التيسير هنا السلبية المطلقة للمعلم وتركه الحبل على الغارب ليفعل الطالب ما يشاء ؟ كلا بكل تأكيد.. إن المعلم في استراتيجية التعلم التعاوني يقوم بدور آخر بعد توزيع الطلاب على مجموعات. يقوم بالمرور عليهم مجموعة مجموعة* فيرصد مستوى الأداء ويقف على المشكلات التي تواجه المجموع كمجموعة والأفراد كأفراد* ويعطي كلاً منهم التغذية الراجعة المناسبة.

2. اتجاهات المعلم :
المعلم في كل هذه الاستراتيجيات قدوة يحتذى به ونموذج يقتفي الطلاب أثره. ولقد شاءت حكمة الله أن تجعل لدى الإنسان فطـرة يستشعر بها مدى صدق محدثه* ويستشف مدى إخلاصه* ولاشك أن معلم اللغة العربية لغير الناطقين بها لا يستطيع أن يوظف هذه الاستراتيجيات* التعلم الإفرادي والتعلم الذاتي والتعلم التعاوني... وغيرها* إن لم يكن هو نفسه مؤمناً بها معتقداً في منطلقاتها واثقاً في قدرتها على تحقيق أهدافها. ومن أهم ما ينبغي أن يتصف به المعلم في استراتيجيات التعليم الإفرادي والتعليم الذاتي ما يلي :
1. يكون لديه عادة اتجاهات إيجابية نحو التعلم بشكل عام.
2. يتقبل تكليف الدارس بمسؤوليات اتخاذ القرار.
3. يعبر عن التزامه بتحقيق الأهداف.
4. يساعد الدارس على التخلص من الشعور بالنقص أو عدم القدرة على التعلم.
5. يرفع من مستوى دافعية الدارس للتعلم.
6. وأخيراً* يشجع الدارس على أن يكون عند حسن ظنه* فيتحمل أمامه المسؤولية ويتحرك بإيجابية ويحرص على إظهار إنتاجية واضحة.

3. التفاعل بين المعلم والطلاب :
تلتقي الاستراتيجيات السابقة* خاصة التعلم التعاوني والتعليم التبادلي* على أن التعليم عملية مشاركة يتحمل فيهــا كل طرف مسؤولية* معلماً كان أم طالباً. إنه تفاعل بين المعلم والطلاب* وبين الطلاب بعضهم وبعض* وذلك في مختلف مراحل الاستراتيجية* بدءاً بالتخطيط* ومروراً بالتنفيذ* وتوفير فرص التعليم الجيد* وانتهاء بالتقويم والتطوير.
إن التعلم التعاوني خاصة* يساعد المعلم فيه الطالب* ويساعد الطالب بدوره المعلم* ويساعد الطالب الطالب. إنه يتضمن نشاط الجماعة الصغيرة* والتفاعل الثنائي بين كل طالبين* وإلقاء التعليمات للمجموعات الكبيرة* بل قد يترك طالب للعمل وحده بعض الوقت مادام يؤثر ذلك* كما يشارك الطلاب زميلهم فيما توصل إليه من اكتشافات أو أفكار مبتكرة.
والحقيقتان اللتان تتأكدان في هذا السياق هما :
ــ أن الجميع يشعر بالنجاح في أثناء التعلم* لأن كلاً منهم لديه ما يقدمه.
ــ أن الاتجاهات الإيجابية نحو تقبل المسؤوليات لا تتكون إلا بممارسة المسؤولية بالفعل وتحمل آثارها..

4. أدوار المعلم :
إن المعلم مطالب في برامج تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها* وفي ضوء الاستراتيجيات التدريسية السابقة بالقيام بما يلي :
أ) تحديد أهداف وغايات التعلم.
ب) إعداد المواد التعليمية.
ج) التفكير في طريقة استخدامها.
د) متابعة أداء الطالب وتسجيل ذلك Keeping Records.
هـ) تقويم مدى التقدم.
و) توزيع الوقت على المهام.
ز) توزيع المهام.

و) التقدم التكنولوجي

1. بين العلم والتقانة :
لم يشهد التاريخ مرحلة تتضاءل فيها المسافة بين العلم والتكنولوجيا مثلما شهد في هذه المرحلة. فما أن تنتهي التجربة في مختبرات العلماء حتى تجد سبيلها للتنفيذ* خاصة في مجال الاتصال. وتتعدد أساليب الاتصال وتقنياته سواء في مجال الإعلام أو مجال التعليم أو في مجال الاتصال الشخصي. فهناك القنوات الفضائية* وهناك شبكة المعلومـــات الدولية Internet (الإنترنت)* وهناك شبكات المعلومات الداخلية وغيرها كثير* وهناك التقنيات التعليمية الحديثة. كل هذا يفرض نفسه على برامج تعليم العربية لغير الناطقين بها.
ويفرض هذا علينا تحديث أساليب تعليم اللغة العربية وتوظيف التقنيات الحديثة في ذلك. فتتطور الوسائل السمعية والبصرية ويصبح لها موقع في برامجنا* وتعد برامج لتعليم العربية عبر القنوات الفضائية.

2. التعليم عن بعد :
ينبغي تصميم برامج تعلم العربية عن بعد distance learning* ورصد الإمكانات المادية اللازمة لعدد من هذه البرامج الموزعة على عدد من المناطق* في ضوء الدراسة العلمية لتجمعات المهتمين بتعلم العربية والقادرين على تعليمها.

3. موقع العربية :
أصبح التوسع في استخدام أجهزة الإعلام الحديثة والتقنيات المتطورة لإعادة موقع اللغة العربية في الدول التي بدأت تنحسر فيها ضرورة لازمة. ففي دراسـة جـيدة حول الجامعة الإفريقية كشركة متعددة الجنسيات يقول علي المزروعي : >مع أن اللغة العربية أكثر اللغات انتشاراً في القارة الإفريقية* إلا أن هذه اللغة لم تحظ باهتمام يذكر في المناهج التعليمية الإفريقية جنوب الصحراء. بل إنها لم تجد اعترافاً من الأقطار المحاذية للمناطق المتحدثة بالعربية أو من الأعداد الكبيرة من المسلمين القاطنين في تلك الاقطار* ويبلغ عدد أفراد الجالية الإسلامية في نيجيريا ملايين أخرى من الأقطار المحاذية لها* ومع ذلك فقد فضلت الجامعات النيجيرية الدراسات اللاتينية والإغريقية على الدراسات العربية<. وليس الأمر مقتصراً على ذلك* بل إن هناك جهوداً تبذل الآن وبضرواة شديدة لإقصاء المسلمين في إفريقيا عن تعلـــم اللغة العربية وتشجيع تعلم اللغات الأخرى كالإنجليزية والفرنسية* ويلقى هذا دعماً حتى من بعض الحكومات. ولقد بلغت الحرب ذروتها عندما بدأت بعض اللغات الإفريقية تتحول عن الحرف العربي الذي كانت تكتب به إلى الحرف اللاتيني كالسواحيلية مثلاً. ولقد آن للمسؤولين عن نشر العربية وثقافتها أن يبذلوا مزيداً من الجهد* ويرصدوا مزيداً من الإمكانات ويواكبوا التقدم التكنولوجي في مواجهة هذه الحملات.

4. الهجوم على العربية :
ينبغي رصد أشكال الهجوم التي تتعرض لها اللغة العربية والثقافة العربية الإسلامية عبر القنوات الفضائية المعادية ووضع البرامج التي تتصدى لها.

5. قناة فضائية :
ينبغي التفكير في إنشاء قناة فضائية لنشر اللغة العربية والثقافة العربية الإسلامية* وتتحمل تكاليفها المنظمات العربية والإسلامية.

6. مبادئ لاستخدام الإنترنت :
أ) ضرورة إمكانية وصول كل طالب في الفصل عن بعد إلى الإنترنت وشبكة الويب من حاسوب خاص به يوجد في المنزل أو في العمل* أو متاح له في المدرسة أو الكلية* حيث يؤثر ذلك على مدى نجاح التعليم عن بعُد في توصيل رسالة إلى الطالب.
ب) إمكانية مواجهة الطلاب للتحديات المتزامنة لتعلم مهارات الحاسوب* والبرمجيات الجديدة* والاتصال على الخط المباشر بطريقة ملائمة. وبذلك يصبح حل مشكلات الحاسوب المعقدة جزءاً أساسياً من المسؤوليات التعليمية العادية. وفي هذا السياق تعتبر إمكانية إقامة مؤتمرات حاسوبية للمناقشات في الفصل الدراسي عن مشكلات الأجهزة والبرمجيات المعنية وسيلة لمساعدة الطلاب في حل المشكلات.
ج) قد يتردد بعض الطلاب للمساهمة في مؤتمرات الحاسوب أو بالبروتكولات المناسبة. لذلك يجب تشجيع الطلاب على استخدام خدمات الإنترنت والويب المختلفة والتعرف على بروتوكولاتها عند البدء في التعلم عن بعد حتى يتغلبوا على عوامل الإحباط التي قد تواجههم. وقد يتم ذلك بتحديد عدد من الاتصالات لاستخدام البريد الإلكتروني مثلاً* مما قد يشجع وينشط المشاركة الإيجابية.
د) يساعد البريد الإلكتروني المدرس في تقديم التغذية الراجعة بسرعة أكبر من استخدام البريد العادي أو حتى المكالمة التليفونية. وتزيد الاستجابة الفورية من خلال دعم دافعية وأداء الطالب.
هـ) قد لا تكون الاستجابة الفورية مطلوبة وملائمة* لذلك يجب تشجيع استخدام مؤتمرات الحاسوب لزيادة التفاعلية بين الطلاب. وحتى يمكن تأكيد بقاء التفاعلية بين الطلاب يجب توفير الإرشاد والتوجيه المناسب لهم. وبذلك قد يؤجل المدرس الاستجابة الفورية على تساؤل معين في الفصل حتى يسمح للطـلاب بالاستجابة لحل قضية مطروحة بالفعل.
و) ضرورة المعرفة بالموارد والخدمات والبروتوكولات المتوافرة على الإنترنت وتحديد كيفية استخدامها يعتبر جزءاً أساسياً من التحديات التعليمية للتعلم عن بُعد.



(1) سورة هود* الآيتان 119-118.
(2) اعتمدنا في كتابة هذا الفصل عن التعلم عن بعد على مشروع الاستراتيجية العربية للتعليم عن بعد* الذي أعدته المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم* تونس* 2002م.
(3) اعتمدت مادة هذا الفصل على كل من الموسوعة الدولية للتدريس وإعداد المعلمInternational Encyclopedia of Teaching and Teacher Education* وكذلك المرجع في تدريب معلم الفصل الواحد* تحرير د. رشدي أحمد طعيمه* المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم.

الباب الرابع

الفصل الأول
المشكلة ومسوغات الحركة


أولاً : حول المشكلة

مقدمة

تنقسم برامج تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها بشكل عام إلى نوعين : برامج لتعليم العربية للحياة* وهي البرامج العامة التى ينخرط فيها جمهور متعدد الصفات لا يهدف من تعلمه للعربية سوى الاتصال بالعربية في مواقف الحياة المختلفة. والنوع الثانى برامج لتعليم العربية لأغراض خاصة* وهي البرامج النوعية التى ينخرط فيها جمهور ذو طبيعة خاصة وحاجات محددة. وتتعدد أنواع هذه البرامج الأخيرة* فمنها العربية لأغراض أكاديمية (AAP)* والعربية لأغراض وظيفية (AOP)* والعربية لرجال الأعمال (ABP)* ومنها العربية لرجال التربية (AEP) وغيرها. وعلى الرغم من تعدد هذه الأنواع* إلا أنها تقع جميعها تحت مظلة واحدة هي تعلم العربية لأغراض خاصة.

هدف الدراسة

وتهدف هذه الدراسة إلى معالجة هذا الموضوع* من حيث مفاهيمه وأسسه* ومجالاته* وبرامجه* ومنهجيات العمل فيه.
وعلى وجه التفصيل تحاول هذه الدراسة تحقيق ما يلي :
أ) مناقشة المفاهيم والمصطلحات الشائعـــة في هذا المجال حتى تتضح للقارئ دلالات ما يرد منها في ثنايا الدراسة.
ب) بيان الظروف التي أحاطت بهذا النوع من البرامج والمسوغات الكامنة وراء تزايد الدعوة إليها* والمتغيرات العربية والعالمية التي وجهت هذا النوع من تعليم اللغة.
ج) توضيح أوجه الاتفاق والاختلاف بين النوعين الرئيسين من تعليم العربية ؛ العربية للحياة* والعربية لأغراض خاصة.
د) عرض نماذج لبرامج تعليم العربية لأغراض خاصة في قطاعات مختلفة* سواء منها ما يشهده الميدان بالفعل* أو ما كان منها مقترحاً.
هـ) تناول الجوانب المنهجية لإعداد المقررات الدراسية ببرامج تعليم العربية لأغراض خاصة* سواء من حيث مداخلها* أو أساليب تحديد الحاجات* أو الخطة الدراسية* مع التركيز على المدخل التعلمي الذي يدور حول تعلم اللغة وليس حول تعليم اللغـة.
و) طرح مجموعة من القضايا والأسئلة التي تثار عادة عند الحديث عن هذا النوع من تعليم العربية* سواء منها ما يخص مزاياه* أو عقباته* أو مستوياته* أو معلمه.

حدود الدراسة

وتجدر الإشارة إلى الحدود التي تتحرك فيها هذه الدراسة حتى لا يرتفع مستوى توقعات القراء* فميدان الحديث عن تعليم العربية لأغراض خاصة ميدان كبير وإن كان لايزال فى بداياته قياساً على تعليم العربية للحياة. والقضايا التي ينبغي معالجتها قضايا كثيرة ومتشعبة* كالمواد التعليمية والخطط الدراسية والمهارات اللغوية وأساليب التقويم وكفايات المعلم* وغير ذلك من قضايا لا تتسع لها هذه الدراسة.

الأغراض الخاصة والتعليم الاتصالي

السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو : هل هناك علاقة بين تعليم اللغة العربية للأغراض الخاصة و تعليمها في ضوء المدخل الاتصالي ؟. بالطبع هناك علاقة* بل إن بعض المفكرين يعتبرون هذا شكلاً عملياً تتجسد فيه مفاهيم المدخل الاتصالي للغة.
وجـوهــر الـمدخل الاتـصالي* كـما هو معـروف فـي الأدبيات التربوية* يكمن في حيـوية تعـليم اللغة* وارتبـاطها بالمـواقف الحقـيقية للاتـصال باللــغة* وليس بمـواقف مصـطنعه أو مـواقف يتـخيل المـؤلف أو المعـلم أن الـدارسين بـحاجة إليها. وكذلك الأمر في التقويم* فالتقويم الجيد في برامج تعليم اللغة لأغراض خاصة تقويم يرتبط تماماً بالمهام التي يمر بها الدارس بالفعل* والتي يحتاج للاتصال باللغة من خلالها.
إنـنا عـند وضـع اخـتبار لقـياس القـدرة الاتـصالية باللـغة عنـد الـدارس* فإنما نقوّم عينة من أدائه اللغوي في سياقات معينة للاتصال اللغوي* مما يعد مؤشراً على قدرته على الاتصال باللغة في مواقف الحياة الوظيفية الخاصة به. وهذا تماماً ما يحدث عند تقويم الأداء اللغوي في برامج تعليم اللغة لأغراض خاصة.

ثانياً : مسوغات الحركة

يمثل تعليم اللغة العربية لأغراض خاصة حركة حديثة إلى حد ما فى ميدان تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها. تلك الحركة التي تتميز بإعداد برنامج أو بناء منهج لتعليم العربية لجمهور خاص* ذي مواصفات معينة له حاجات لغوية محددة تفرض نفسها عند إعداد البرنامج أو المنهج. وتلزم المسؤولين باتباع منهجية علمية خاصة عند إعداد البرنامج* معتمدة على التقدير الدقيق لحاجات الدارسين* وليس على تفضيلات خاصة للمعلم أو توجهات عليا.
وتنوع الجمهور سواء من حيث الدراسة الأكاديمية* أو من حيث المهنة الحالية* أو من حيث المستقبل الوظيفي* أو من حيث السلم الإداري* كل هذا التنوع يسفر عن تنوع الحاجات* ومن ثم يستلزم تنوع البرامج.
ولقـد كـانت المـشكلة قـائمة فـي برامـج تعليم للحياة* إذ كانت تضم دارسين مـن جـهات شـتى متنـوعي الاهتـمامات والوظائف والقدرات. وكان الأمر يقتصر علـى تزويـد الجميع بالمـعلومات اللغوية العامة والمهارات اللازمة للاتصال بالعـربية فـي مختلف مواقف الحياة دون التركيز على مجال تخصصي معين* إلا ما كـان في بـرامج الثقـافة العـربية الإسـلامية للـدعاة* (وهـو شكـل من أشـكال العربية لأغـراض خاصة). بعـد ذلك تتـرك مسؤولية الاتـصال بالـمادة العلــمية التخــصصية لمـبـادرات الأفـراد واجـتهاداتهم والـوسائل المعـينة المـتاحة لهـم. وكـان لـنا فـى ذلك العـذر* حـيث لم تـكن هـناك بـرامج معـدة* ولا كـتب للعـربية الخـاصة متوافرة* ولا معـلم مـؤهل* ولا بحـث علـمي أجـري ليـقطع لـنا بـرأي فـي حـاجات الـدارسين الـخاصة.. ولا غيـر ذلك مـن أسـاسيات إعـداد بـرامج تعـليم العـربية لأغراض خاصة.
أما الآن فقد اختلف الموقف كثيراً* إذ طرأت متغيرات عالمية وعربية لفتت الأنظار وحولت الجهود إلى حد ما* نحو برامج تعليم العربية لأغراض خاصة نعرض أهمها فيما يلي :
1. اتساع الاهتمام بتعلم العربية وتعليمها بشكل عام* خاصة بعد انتهاء الحرب البادرة بين أمريكا وروسيا. وفي حوار مفصل شيق أجري مع جلين نوردن Glenn Nordin مساعد رئيس قسم المخابرات بمكتب مساعد وزير الدفاع الأمريكي* أجاب عن أسئلة كثيرة حول سياسة البنتاجون بعد انتهاء الحرب الباردة واستعداداً للقرن الواحد العشرين نحو تعلم وتعليم اللغات الأجنبية. سئل نوردن عدة أسئلة من أهمها :
- How has the end of the Cold war affected Pentagon foreign language needs ?
- As intervention and peacemaking duties increase, what are the most indemand language now ?
- What skill levels are required for these languages ?
- How is the Department of Defence meeting these needs ? And what are the challenges ?
- Can the academic world supply sufficient numbers of foreign language speakers ?
- What long-term steps has the Department of Defense taken to meet its needs ?
وليـس هـذا مـجال الـحديث التـفصيلي عـما دار فـي هـذا الـحوار مـن إجابات عن الأسئـلة الـسابقة* كما لا يتسع المجال لذلك* فالحوار منشور بمجلة NFLC Policy Issues.
كما أنه متاح على الإنترنت في الموقع :
www.nflc.org/publications/policyissues.asp
ولكن الذي يهمنا هنا هو موقع اللغة العربية في هذه الخريطة* ونوع الجمهور المستهدف تعليمه هذه اللغة. أجــاب نوردين عن السؤال حول أكثر اللغات الأجنبية التي يحتاج البنتاجون تعليمها الآن* محدداً اللغات الآتية : الروسية* تليها مباشرة اللغة العربية* فالصينية* فالكوريـــــــة* فالفارسية* فالصومالية... ثم الألبانية* فالصربية / السلوفاكية* فالأردية* فالهندية.. وغيرها من لغات غرب وشرق أفريقيا.
1. أما عن أكثر الجمهور حاجة لتعلم هذه اللغات* فهو قوات الانتشار السريع وحفظ السلام* وهذا بالطبع جمهور خاص* له حاجات خاصة تضع برامج تعليمه هذه اللغات تحت نوع تعليم اللغات لأغراض خاصة* ومنها العربية كما سبق القول.
2. تزايد الاهتمام بالمنطقة العربية اقتصادياً* وتحول حركة العمالة الوافدة من الدول الأوربية إلى منطقة الخليج* وتوزع الوافدين على قطاعات عمل خاصة مثل شركات البترول* وقطاع السيارات * وقطاع الأعمال* والصحة* ووسائل الاتصال* أدى ذلك إلى انتشار الحاجة لتعلم العربية في هذه القطاعات* وطالب الوافدون في بعض هذه المجالات ببرامج خاصة تتعدى حدود العربية للحياة لأغراض خاصة. وفي مقابلة مع عدد من الأطباء الأجانب في مستشفى توام بمدينة العين (المستشفى التعليمي بكلية الطب جامعة الإمارات) عبروا عن حاجتهم لهذه البرامج وعدم حاجتهم لبرامج العربية للحياة* حيث تعلموا الكثير منها خلال وجودهم في دول عربية أخرى.
3. تحول الاهتمام من قضية التعليم إلى قضية التعلم وحفظ حق الفرد أمام تيار الجماعة. والتقدير للإنسان كإنسان* له حقوق ينبغي تلبيتها وعدم تجاهلها. ومن هذه الحقوق حقه في أن يتعلم ما يشاء* وحقه في أن يحدد مطالبه واحتياجاته* وواجب التربويين والمسؤولين في الاستجابة لها. صار المتعلم إذن هو محور الاهتمام ومركز التوجه Learner-centered orientation* ومن مظاهر هذا الاهتمام تلبية حاجاته. ومن هنا بدأ التفكير في النظر لتعليم اللغة العربية لا على أنه سوق واحدة لجمهور واحد. بل هو عدة أسواق لعدة أنواع من الجمهور. وانصرف الاهتمام الآن أو كاد نحو إعداد برامج وتأليف كتب لتعليم اللغة العربية لجماهير مختلفة* تعليم لأبناء الجاليات العربية الإسلامية* وتعليم العربية للدبلوماسيين* وتعليم العربية للأطباء.. إلخ. وسيرد عرض لأنواع بعض البرامج الشائعة في مجال تعليم العربية لأغراض خاصة في قسم تال* إن شاء الله.
4. شعور الوافدين من غير الناطقين بالعربية للجامعات العربية* والدارسين في أقسام اللغات الشرقية* والدراسات الدينية بالجامعات الأجنبية* بإنهم ليسوا في حاجة لتعلم العربية للحياة* قدر حاجتهم لتعلم العربية لأغراض الدراسة الأكاديمية التخصصية.
5. بروز اتجاهات جديدة في الدراسات اللغوية كأثر من آثار تلبية الحاجات الخاصة لتعلم اللغة. ولقد كثرت الكتابات الآن حول تحليل الخطاب discourse analysis وخصائص اللغة في بعض الكتابات العلمية والأدبية* والاقتصادية* والسياسية* والإسلامية.. إلخ* وتحول الاهتمام إلى حد ما* من الحديث عن الخصائص العامة للغة العربية إلى الملامح المميزة للكتابة في مجالات خاصة.



الفصل الثاني
مفاهيم ومصطلحات


مقدمة

تشيع في مجال تعليم اللغة لأغراض خاصة مفاهيم ومصطلحات قد يشعر القارىء بتداخل بين بعضها البعض* مما يفضل معه شرحها وتوضيح الفروق الدقيقة بينها. ولئن اختلفنا مع بعض الباحثين في تعريف بعض المفاهيم والمصطلحات* وأحسسنا بالحاجة للتوضيح أو التحديد* فإننا نعرضها كما وردت في الأدبيات* ونلتزم بما تعارف عليه الخبراء* عملاً بالمثل القائل : لا مشاحة في الاصطلاح. وفيما يلي عرض لأهم هذه المصطلحات :

أولاً : تعليم العربية للحياة

يقصد به تعليم اللغة العربية في البرامج العامة التي تشمل قطاعاً من الجمهور متعدد الوظائف* والخصائص* والاهتمامات* وغير ذلك من أمور يختلف فيها هذا الجمهور* باستثناء شيء واحد يلتقون عنده* ويمثل القدر المشترك بينهم* ألا وهـو أنهم يتعلمون اللغة لقضاء شؤونهم في الحياة بشكل عام. ومع هذا الجمهور يصعب تحديد الحاجات اللغوية الخاصة إلا أن تكون متصلة بالمواقف الحياتية العامة (في السوق* في المعهد* في دور العبادة* في السفر.. إلخ).

ثانياً : تعليم العربية لأغراض خاصة

تعليم اللغة العربية لأغراض خاصة مفهوم متعدد الأبعاد* بمثل ما تعددت تعريفاته. ولعل أكثر التعريفات شيوعاً هو ما يلي :
1. تعليم اللغة لأغراض خاصة* مدخل لتعليم اللغة تستند كافة عناصره* من أهداف ومحتوى وطريقة تدريس* إلى الأسبـاب التي دفعت الدارسين لتعلم اللغة(1).
2. يميز كاتب آخر بين أربع خصائص أساسية (أو مطلقة) وخاصيتين ثانويتين (متغيران)* وذلك فيما يخص تعلم اللغة لأغراض خاصة. فأما الخصائص الرئيسية أو المطلقة لبرنامج تعليم اللغة لأغراض خاصة فهي :
أ) أنه برنامج أُعدّ ليواجه حاجات محددة خاصة للمتعلم ؛
ب) أنه يتعلق من حيث محتواه (سواء الموضوعات أو العناوين) بمجالات عمل معينة أو مهن أوأنشطة "
ج) أنه يركز في اختيار اللغة على الأنشطة السابقة* سواء من حيث النحو* أو المفردات* أو أساليب الخطاب* أو المعاني والدلالات وغيرها* إضافة إلى توظيف أساليب تحليل الخطاب ؛
د) أنه يتناقض مع البرنامج العام لتعليم اللغة.
وأمــــا الخصائص الثانوية* أو المتغيرات بخصوص برنامج تعليم اللغة لأغراض خاصة* فهي :
أ) قد يتحدد البرنامج لتعليم مهارات معينة في مجال معين (كالقراءة مثلاً).
ب) قد يتم تدريسه دون الخضوع لمنهجيات محددة سلفاً Pre-Ordained(2).
أما التعريف الأكثر شمولاً والأحدث* فهو التعريف الذي قدمه كل من توني دادلي إيفانز وماجي جون(3). يستند تعريف تعليم اللغة لأغراض خاصة لخصائص أساسية ثلاثة (وليست أربعة كسابقه)* وأربع خصائص ثانوية أو فرعية كالتالي :

أ) الخصائص الرئيسية لبرنامج اللغة لأغراض خاصة :
1. يصمم لمواجهة حاجات معينة للمتعلم.
2. يوظف المنهجيات والأنشطة المناسبة للمجال الذي يخدمه.
3. يركز على اللغويات (قواعد* معجميات* أساليب) والمهارات وأساليب الخطاب المناسبة لهذه الأنشطة.

ب) الخصائص الفرعية للبرنامج :
1. قد يتعلق البرنامج بمجال أو عدة مجالات معينة.
2. قد تستخدم في بعض المواقف التدريسية منهجيات مختلفة عن تلك التي تستخدم في البرامج العامة لتعليم اللغة.
3. يصمم البرنامج غالباً للمتعلمين الكبار سواء بمعاهد ومؤسسات تعليم الكبار أو مواقف العمل المهنية. ومع ذلك فقد يصمم البرنامج لطلاب المرحلة الثانوية.
4. يصمم البرنامج بشكل عام لطلاب المستوى المتوسط أو المتقدم. ذلك أن معظم هذه البرامج تفترض توفر خلفية لغوية أساسية عند الطالب* وإن كان يمكن استخدامه مع المبتدئين أيضاً.

ثالثاً : تعليم اللغة لأغراض أكاديمية

تختلط الأمور أيضاً عند بعض المشتغلين بتعليم اللغة العربية في الجامعات. فبعضهم يعتبر تدريس اللغة العربية لطلاب الأقسام العلمية بكليات التربية من قبيل تعليم اللغة لأغراض أكاديمية ؛ أي لمساعدة الطلاب على الدراسة الجامعية في هذه التخصصات. والواقع أن الأدبيات التربوية تفرق بين الأمرين. وهنا نوضح المقصود بالتعليم لأغراض أكاديمية كما ورد في الأدبيات.
يعرض توني دادلي وماجي لمفهوم تعليم اللغة لأغراض أكاديمية (ضاربين المثل بالإنجليزية) كالتالي :
يقصد بتعليم الإنجليزية لأغراض أكاديمية (EAP) English for Academic Purpose* ذلك النوع من تعليم الإنجليزية المرتبط بأغراض الدراسة. فالطـــلاب الذين لا ينطقون الإنجليزية (ليست لغتهم الأم) يحتاجون إلى المساعدة في أمرين هما :
1. اللغة التي يدرسون بها مقرراتهم التخصصية.
2. مهــارات الدراسة الخاصة التي ينبغي اكتسابها حتى يؤدوا مطالب الدراسة الأكاديمية. والنقطة الفاصلة هنا هي ما إذا كانت لغة التعليم العامة هي الإنجليزية أم لغة الطالب الأم.

رابعاً : مفهوم الحاجات

في قواميس علم النفس بشكل عام* يقصد بالحاجة Need : شعور داخلي بالتوتر Tension يدفع الإنسان للتخلص منه* يصدق هذا على الحاجات الأساسية والثانوية* كما يصدق على الأنواع المختلفة للحاجات الثانوية* نفسية كانت أو اجتماعية أو تعليمية أو لغوية.. إلخ. والحديث عن حاجات الدارس* ونحن في معرض الكلام عن تعليم اللغة* يعني الحديث عن البواعث والدوافع أو العوامل التى تولد عند الدارس إحساساً داخلياً ورغبة في تعلم لغة معينة.
وفي المدخل التعلمي Language- Centered تلعب الحاجات* كما سبق القول* الدور الأساسي في تحديد طبيعة منهج تعليم اللغة التخصصية* وفي تشكيل ملامحه. إن أول خطوة في أي مشروع لتدريس اللغة الأجنبية ينبغي أن تعتمد على تصميم مقرر يعكس الحاجات والمطالب اللغوية للمتعلم. وإن إغفال ذلك يقودنا إلى مشكلة نواجهها في تدريس اللغة في الفصول* حيث لا وجود لما يريد المتعلم أن يتعلمه من اللغة.
ويرى كل من هاتشنون ووترز أن مفهوم الحاجات يتسع ليشمل ثلاثة مفاهيم أساس هي :
1. الضرورات Necessities أو الأساسيات* ويقصد بها مطالب الجمهور المستهدف من تعليم اللغة. أي ما ينبغي أن يعرفه الدارس لكي يواجه بكفاءة وفعالية مطالب الأداء اللغوي في مواقف معينة.
2. أوجه العجز أو التخلف Lacks* ويقصد بها مدى المسافة بين ما يلزم الدارس أن يعرفه أو يجيده من اللغة* وبين ما يتوفر لديه بالفعل* مما يُلزم الوقوف على ما لدى الدارس من معلومات ومعارف واتجاهات ومهارات في اللغة المستهدفة (العربية) حتى نحدد بدقة ما ينقصه.
3. الرغبات Wants* ويقصد بها ما يرى الدارس نفسه أنه مهم ومطلوب* فضلاً عن رغباته الخاصة* سواء من حيث المهارات اللغوية التي يود إتقانها* أو من حيث المفاهيم الثقافية التي يود الإلمام بها.
فقد يكون هناك تصادم بين تحديد الخبراء للمتطلبات أو الضرورات ورغبات الدارسين أنفسهم ؛ فلا معنى للحديث عن حاجة بعيداً عما يشعرون به. ولعل من المفيد أن نذكر في هذا السياق تعريفين للحاجات اللغوية* وهما من أكثر التعريفات مناسبة لهذه الدراسة.
يقول بروان Broun : >يشير مصطلح تقدير الحاجات بشكل عام (ويسمى أيضاً تحليل الحاجات) إلى الأنشطة التي يتم القيام بها في جمع المعلومات التي يمكن أن تكون أساساً لبناء المنهج الذي يلبي حاجات التعلم لمجموعة معينة من الطلاب. وتتعلق هذه الحاجات في برامج اللغة باللغة ذاتها<.
ويمكن صياغة هذه الحاجات* بمجرد تعريفها* على شكل غايات عامة وأهداف محددة يمكن لها بالتالي أن تكون أساساً لإعداد المواد التعليمية والاختبارات والأنشطة التربوية واستراتيجيات التقويم(4).
وأما التعريف الثاني الأكثر تفصيلاً للحاجات اللغوية* فقد قدمه كل من فنجيرنت وجيرمو ؛ يقولان : إن تقدير الحاجات بالنسبة لتعلم الكبار اللغة الإنجليزية كلغة ثانية هو أداة تحدد على وجه الدقة* ومن خلال منظور المتعلم نفسه كما يلي :
1. نوع (أو أنواع) اللغة الإنجليزية التي يعتقد المتعلم أنه يعرفها.
2. نوع اللغة القومية عنده.
3. مستوى مهارات التنور (الوعي اللغوي) الذي يعتقد أنه لديه.
4. السياق الثقافي (أو التعلمي Literacy) الذي يحيط بالمتعلم ويعمل فيه.
5. ما يريد المتعلم أن يعرفه وما يشعر بالحاجة لتعلمه ليؤدي وظائفه في هذا السياق.
6. ما يتوقع أن يتعلمه (أو يجنيه) من البرنامج التعليمي.
7. ما قد يحتاج فيه إلى تقديمه باللغة القومية أو الاستعانة فيه بمترجم.
والتركيز الكبير لتقدير الحاجات هو على إنجازات المتعلم وقدراته على الإنجاز* أكثر من التركيز على السلبيات وأوجه القصور. إنه يستهدف في المقام الأول مساعدة المتعلم أن يوظف بكفاءة ما لديه من إمكانات وما يمكن أن يقوم به من أداءات(5).



الفصل الثالث
الفروق بين البرامج


مقدمة

هناك* كما سبق القول* أنواع كثيرة من برامج تعليم العربية لغير الناطقين بها. وتتنوع هذه البرامج بتنوع الجمهور المستهدف. ولا يهمنا في هذا السياق أن نعرض خصائص كل من هذه البرامج* فهذا مجاله كتب أخرى ودراسات فصلت القول من قبل.
ولكننا نود في هذا القسم أن نعرض الفرق بين أكثر هذه البرامج شيوعاً* وهما تعليم العربية للحياة وتعليمها لأغراض خاصة.

أوجه الاتفاق

ويشترك هذان النوعان من البرامج في أشياء ويختلفان في أخرى. ومما يشترك فيه هذان النوعان من البرامج ما يلي :
1. كلا البرنامجين يعدان لغير الناطقين باللغة العربية.
2. كلا البرنامجين يشتركان في معيار أساس من معايير الجودة* وهو الدقة في تحديد هدف تعليم اللغة. الهدف العام لكلا البرنامجين هو تمكين الدارس من الاتصال الجيد بالعربية مع الناطقين بها.
3. كلا البرنامجين يستلزمان منهجية العمل* سواء في تحديد المهارات أو الأهداف العامة والخاصة* أو إعداد المواد التعليمية* أو التقويم.. أو غير ذلك من مجالات.

أوجه الاختلاف

رغم ما بين هذين النوعين من البرامج من أوجه اتفاق* فإن بينهما من الاختلاف كثيراً. ويوضح الجدول رقم (1) هذه الأوجه من الاختلاف.


يتضح أن أهم أوجه الاختلاف بين برنامج تعليم العربية للحياة وتعليمها لأغراض خاصة* ما يلي :

1. من حيث الحاجات :
1. العربية للحياة : يغطي هذا البرنامج حاجات متعددة واسعة. فالبرنامج يتناول حاجة الدارس لأن يطلب طعاماً مثلاً* أو يستأجر غرفة في فندق* وأن يرسل خطاباً وأن يبعث برقية* وأن يقدم طلباً لمعهد اللغة العربية*وأن يتقدم لوظيفة* وأن يتكلم مع دارس زميل له ومع أستاذ يعلمه* وأن يستخرج رخصة مرور* وأن يلم بأخبار سياسية واقتصاديه واجتماعية.. إلخ.
2. العربية لأغراض خاصة : يغطي البرنامج حاجات محددة لا يتوسع فيها مع الدارس فيما لا يريده. إنه يريد مثلاً أن يتعامل مع الأطباء زملائه ومع المرضى (طبيب)* أو يريد أن يتعامل مع شركات ذات طبيعة خاصة ومهمات هندسية معينة ومع زملائه في عمله ومع عمال في المصنع (مهندس)* أو يريد أن يعمل في القطاع الاقتصادي* إما مديراً في شركة أو وسيطاً تجارياً أو خبيراً في البورصة* أو في البنوك (رجال أعمال)* وهكذا. أي أن الحاجات هنا نطاقها ضيق* عكس برنامج العربية للحياة تماماً.

2. من حيث المحتوى :
1. العربية للحياة : يتسع المجـال هنا ليشمل كافة ما له صلة بالمواقف الحياتية العامة السابقة. سواء من حيث الموضوعات أو الخصائص اللغوية (مفردات* تركيب* نصوص) أو المفاهيم الثقافية. المهم في الأمر هنا أن يتناسب المحتوى اللغوي والثقافي مع مواقف الاتصال العامة السابقة.
2. العـربية لأغـراض خـاصـة : يقتـصر المحـتوى أو يـكاد عـلى الـمادة اللـغوية المـرتبطة بالتخـصص. وكـما سبـق القـول* فـإن مفـردات اللـغة وتراكيـبها تخـتلف مـن مجـال إلـى مـجال. فـهي فـي العـلوم غيـرها فـي الآداب ومـن ثـم تخـتلف باختـلاف التـخصص الـدقيق. وكـذلك بالنـسبة للثـقافة. ذلك أن لـكل مـجال علــمي تخـصصي ثقـافته. وهـناك فـرق بيـن المـفهوم والمـصطلح. فالـمصطلح يعنـي أنـنا أمـام مفـهوم لـه دلالـة خـاصة فـي سيـاق خـاص. وكـذلك مـن حيــث المـفاهيم الثـقافية نجـدها تخـتلف إلـى حد ما من مجال إلى آخر (العلوم / التاريخ / الاقتصاد / الطب).

3. من حيث الغرض :
1. العربية للحياة : الغرض هنا غير محدد ولا يكاد يتعدى حدود إتقان المهارات اللغوية العامة للاتصال في المواقف الاجتماعية. كما أنه مؤسس على خطة طولية تبدأ مع الدارس في مستوى معين (المبتدئ)* وتسير إلى ثان (المتوسط) وتنتهي به إلى الآخر (المتقدم). هي إذن خطة طولية يكملها الدراس عادة حتى يحقق البرنامج هدفه.وليس للدارس أن يبدأ في مستوى قبل سابقه* كأن يلتحق بالمستوى المتقدم قبل المبتدئ. فالخبرة هنا تراكمية* وإن كان الغرض غير محدد بالدقة التي يحدد بها غرض النوع الآخر من البرامج. ولقد دعا ذلك بعض الخبراء إلى تسمية برامج تعليم اللغة الإنجليزية للحياة* بإنها برامج تدريس الإنجليزية لغير غرض واضح English for non-obvious Reason Teaching (Tenor).


jugdl hggym hjwhgdh - jHgdt va]d hpl] 'udlm hjwhgdh hpl] jHgdt jugdl va]d