أهلا وسهلا بك إلى منتديات يل.
النتائج 1 إلى 1 من 1
جميع المعجبين1معجبين
  • 1 Post By مبخوت الوصابي

الموضوع: حديث عيسى بن هشام

  1. #1
    مشرف عام
    تاريخ التسجيل
    May 2012
    الدولة
    يقيم حاليا في صنعاء
    المشاركات
    332
    معدل تقييم المستوى
    39


    1 (16) حديث عيسى بن هشام


    حدثّنا عيسى بن هشام قال:
    رأيت في المنام، كأني في صحراء "الإمام" أمشي بين القبور والرجام، في ليلة زهراء قمراء يستر بياضُها نجوم الخضراء. فيكاد سنا نورها ينظم الدرَّ ثاقبُه ويرقب الذرَّ راقبه. وكنت أحدث نفسي بين تلك القبور، وفوق هاتيك الصخور، بغرور الإنسان وكبره وشموخه بمجده وفخره وإغراقه في دعاويه وتغاليه في تعاليه، واستعظامه لنفسه ونسيانه لرمسه. فقد شمخ المغرور بأنفه حتى رام أن يثقب به الفلك استكباراً لما جمع واستعلاء بما ملك فأرغمه الموت فسدّ بذلك الأنف شقّاً في لحده بعد أن وارى تحت صفائحه صحائف عزه ومجده. ومازلت أسير وأتفكر وأجول وأتدبر، حتى تذكرت في خطاي فوق رمال الصحراء، قول الشاعر الحكيم أبي العلاء:
    خفِّف الوطء ما أظن أديم الـ أرض إلا من هذه الأجساد

    وتذكرت أن تلك الرفات والعظام من بقايا الملوك العظام الذين كانوا يستصغرون الأرض داراً ويحاولون عند الجوار جواراً وتلك الضلوع التي انحنت على البطش والحلم والشفاه التي طالما لفظت أمر الحرب والسلم، وتلك الأنامل التي كانت تبري القلم للكتاب وتبري بالسيوف الرقاب، وتلك الوجوه والرؤوس التي استعبدت الأبدان والنفوس ووُصفت تارة بالبدور وتارة بالشموس، قد تساوى الرئيس فيها بالمرؤوس، فلا تفريق اليوم ولا تمييز بين الذليل منها والعزيز [....] وبينا أنا في هذه المواعظ والعبر، وتلك الخواطر والفكر أتأمل في عجائب الحدثان، وأعجب من تقلب الأزمان، مستغرقاً في بدائع المقدور، مستهدياً للبحث في أسرار البعث والنشور إذا برجّة عنيفة من خلفي، كادت تقضي بحتفي، فالتفتُّ التفاتة الخائف المذعور، فرأيت قبراً انشقَّ من تلك القبور، وقد خرج منه رجل طويل القامة، عظيم الهامة، عليه بهاء المهابة والجلالة، ورواء الشرف والنبالة، فصعقت من هول الوهل والوجل، صعقة موسى يوم دك الجبل. ولما أفقت من غشيتي، وانتبهت من دهشتي، أخذت أسرع في مشيتي، فسمعته يناديني، وأبصرته يدانيني، فوقفت امتثالاً لأمره، واتقاء لشره. ثم دار الحديث بيننا وجرى، على نحو ما تسمع وترى، وبالتركية تارة والعربية أخرى.
    الدفين: ما اسمك أيها الرجل، وما عملك، وما الذي جاء بك؟
    (فقلت في نفسي: حقاً إن الرجل لقريب العهد بسؤال الملكين، فهو يسأل على أسلوبهما، فاللهم أنقذني من الضيق وأوسع لي في الطريق، لأخلص من مناقشة الحساب، وأكتفي شر هذا العذاب. ثم التفتت إليه فأجبته:
    عيسى بن هشام، اسمي عيسى بن هشام، وعملي صناعة الأقلام؛ وجئت هنا لأعتبر بزيارة المقابر، فهي عندي أوعظ من خطب المنابر.
    الدفين: وأين دواتك يا معلم عيسى ودفترك؟
    عيسى بن هشام: أنا لست من كتاب الحساب والديوان، ولكني من كتاب الإنشاء والبيان.
    الدفين: لا بأس بك، فاذهب أيها الكاتب المنشئ، فاطلب لي ثيابي، وليأتوني بفرسي "دحمان"
    عيسى بن هشام: وأين يا سيدي بيتكم فإني لا أعرفه؟
    الدفين ( مشمئزاً): قل لي بالله من أي الأقطار أنت؟ فإنه يظهر أنك لست من أهل مصر، إذ ليس في القطر كله من أحد يجهل بيت أحمد باشا المنيكلي ناظر الجهادية المصرية.
    عيسى بن هشام: اعلم أيها الباشا أنني رجل من صميم أهل مصر، ولم أجهل بيتك إلا لأن البيوت في مصر أصبحت لا تُعرف بأسماء أصحابها، بل بأسماء شوارعها وأزقتها وأرقامها، فإذا تفضلت وأوضحت لي شارع بيتكم وزقاقه ورقمه انطلقت إليه وأتيتك بما تطلبه.
    الباشا ( مغضباً): ما أراك أيها الكاتب إلا أن بعقلك دخَلا. فمتى كان للبيوت أرقام تعرف بها! وهل هي "إفادات أحكام" أو " عساكر نظام"؟ والأولى أن تناولني رداءك أستتر به وتصاحبني حتى أصل إلى بيتي.
    قال عيسى بن هشام: فنزلت له عن ردائي، وقد كان المعهود أن سلب المارة لا يكون إلا من قطاع الطرق فإذا هو يكون أيضاً من سكان القبور، ثم ارتداه مستنكفاً متردداً وهو يقول:
    الباشا: للضرورة أحكام، وقد لبسنا أدنى من هذا الرداء في مصاحبتنا لأفندينا المرحوم إبراهيم باشا على طريقة التنكر، والتبديل في الليالي التي كان يقضيها في البلد؛ ليستطلع بنفسه أحوال الرعية. ولكن كيف العمل وكيف يتسنى الدخول؟
    عيسى بن هشام: ماذا تريد؟
    الباشا: أنسيت أننا في الثلث الأخير من الليل، وليس من يعرفني بهذا الرداء على أبواب مصر، ولم يكن معي كلمة "سر الليل" فكيف تُفتَح لنا الأبواب؟
    عيسى بن هشام: كما أنك يا سيدي لم تعرف أرقام البيوت ولم تسمع بها في حياتك فأنا لا أعرف " سر الليل" ولم أسمع به.
    الباشا (مستهزئاً ضاحكاً): ألم أقل لك إنك غريب الديار، ألم تعلم أن "سر الليل" كلمة تصدر من القلعة في كل ليلة إلى الضابط وإلى جميع
    "القره قولات" والأبواب. فلا يجيزون لأحد مشي الليل إلا إذا كان حافظاً لهذه الكلمة يلقيها في أذن البواب فيفتح له. وهي تُعطى لمن يطلبها من الحكومة سراً لقضاء أشغاله بالليل، وتتغير في كل ليلة: فليلة تكون كلمة "عدس"، وليلة تكون "خضار"، وليلة تكون "حمَام" وليلة تكون "فراخ" وهلم جرّا.
    عيسى بن هشام: يظهر من كلامك هذا أنك لست أنت من أبناء مصر. فما علمنا أن هذه الألفاظ تطلق فيها على غير الأطعمة، ولم نسمع أنها تدل على الإجازة للناس بالسير في ليلهم. على أن الفجر قد دنا ولم يبقَ بنا من حاجة لهذه الكلمات ولا لغيرها.
    الباشا: الأمر في ذلك موكول إليك.
    قال عيسى بن هشام: فسرنا في طريقنا وأخذ الباشا يزيدني تعريفاً بنفسه ويقص علي من أنباء الحروب وأخبار الوقائع التي شاهدها بعينه
    وسمعها بأذنه ويذكر لي ما شاء من مآثر محمد علي وشجاعة إبراهيم، وما زلنا على تلك الحال حتى وصلنا في ضوء النهار إلى ساحة القلعة فوقف وقفة المستكن الخاشع يقرأ سورة الفاتحة لضريح محمد علي [....] ثم التفت إلي وقال: أسرع بنا نحو البيت لألبس ثيابي وأتقلد حسامي وأركب جوادي، ثم أعود إلى القلعة فألثم أذيال ولي النعم "الدواريّ" الأعظم.
    ولما غادرنا ساحة القلعة انحدرنا في الطريق وبينا نحن نسير إذ تعرّض لنا مُكارٍ يسوق حماره وقد راضه الخبيث على التعرض وسد الطريق على المارة فكلما سرنا وجدنا الحمار في وجهتنا والمكاري يبنح بصوت قد بحّ حتى أمسك بذيل صاحبي يقول له: اركب يا باشا فقد عطلتني وأنا أسير وراءك من الصباح
    الباشا للمكاري: كيف تدعوني أيها الشقي إلى ركوب الحمار وما رغبت فيه أبداً وما دعوتك في طريقي وكيف لمثلي أن يركب الحمار الناهق مكان الجواد السابق.
    المكاري: وكيف تنكر إشارة يدك التي دعوتني بها وأنت تتكلم مع صاحبك في طريق "الإمام" وقد دُعيت مراراً من السائرين فلم أقبل منهم ولم ألتفت إليهم لارتباطي معك بتلك الإشارة فاركب معي أو أعطني أجرتي.
    الباشا وهو يدفع المكاري بيده: اذهب عنا أيها السفيه فلو كان سلاحي معي لقتلتك.
    المكاري متسافهاً في القول: كيف تجسر على هذا القول فإما أن تعطيني أجرتي وإما أن تذهب معي إلى "القسم" وسترى هناك ما يعاقبونك به على تهديدك إياي بالقتل.
    الباشا ليعسى بن هشام: إني لأعجب من صبرك على هذا الفلاح السفيه الذي استرسل معنا في سفاهته ووقاحته فهلمّ فاضربه بالنيابة عني حتى نريحه من عيشته ونريحنا منه.
    عيسى بن هشام: كيف يكون ذلك وأين القانون وأين الحكام ؟
    الباشا: ما لي أراك قد شق الخوف قلبك وقطع الهلع أنفاسك أيعتريك الخوف وأنت معي إن هذا لعجيب منك.
    المكاري مستهيناً: العفو! العفو! من هو أنت ومن هو غيرك ونحن في زمن الحرية لا فرق بين الصغير والكبير ولا تفاوت بين المكاري والأمير.
    الباشا لعيسى بن هشام: ويحك هلم فاضربه أو دعني أقتله.
    عيسى بن هشام: أنا لا أضرب أحداً وأنت لا تقتل أحداً ما دمت معي، واعلم أنه لا تصدر منها مخالفة أو جنحة أو جناية إلا والعقاب من ورائها فلا تعجب من طول صبري واحتمالي [....] والطريقة للتخلص من سفاهة هذا السفيه أن أعطيه شيئاً من الدراهم فيتحول عنا إلى سوانا وأنا أسأل الله أن يبلغنا بيتك بالسلامة.
    الباشا: لا تعط هذا الكلب النابح درهماً واحداً وقد أمرتك أن تضربه فإن لم تفعل فأنا أتنزّل إلى ضربه وتأديبه فالفلاح لا يصلح جلده إلا بجلده.
    قال عيسى بن هشام: ثم أمسك الباشا بعنق المكاري وأوسعه ضرباً وأخذ المكاري يستغيث وينادي يا "بوليس" يا "بوليس" وأنا أجتهد في إنقاذه من مخالبه وأستعيذ باله من شر هذا اليوم وأقول للباشا: ليس هذا مما يحمد عقباه، فاتق الله أيها الأمير في عباد الله. وما أتممت هذا القول حتى رأيته اشتد به الغضب وتغلبت عليه الحدة فتغير وجهه وانقلبت حماليقه وتقلصت شفته واتسع منخره وضاقت جبهته وخفت أن يحمله جنون الغضب على البطش بي مع المكاري فتدراكت أمري وقلت له: مثلك أدام الله عزك لا يتنزل لمثل هذا الفعل فأنت أرفع قدراً من أن تمس يدك الشريفة مثل هذه الجيفة فسكّت بذلك من حجته وعمدت إلى المكاري فوضعت في يده دريهمات على غير علم من الباشا وطلبت منه أن ينصرف عنا فما ازداد اللئيم بذلك إلا استغاثة بالشرطة واستنجاداً بالبوليس.
    الباشا لعيسى بن هشام: ألم اقل لك إن الفلاح لا يصلحه إلا الضرب ألم تعلم أن غاية ما ينتهي إليه أمره في رفع الألم عنه أن يعلو صياحه استغاثة بالمشايخ والأولياء لكن قل لي بالله هل "بوليس" هذا الذي يناديه ويستغيث به وليّ جديد؟




    p]de udsn fk iahl hfk dp]e udsn iahl

    التعديل الأخير تم بواسطة مبخوت الوصابي ; 11-24-2012 الساعة 02:25 PM
    فارس أحلام معجب بهذا.
    الكلمة مسؤولية ..

 

 

المواضيع المتشابهه

  1. العالم كله نكت !! أين يحدث هذا؟؟
    بواسطة عبد الصمد يوسف في المنتدى منتدى الترفيه و التسلية
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 06-12-2012, 06:19 PM

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  
توسيع/تقليص
[click to hide]

Content goes here.